رؤى حتحور في المأثور المصري

2018.12.11 - 04:05
Facebook Share
طباعة

 أوّلاً : في الأدب الشعبي - الحكايات الشعبيّة .

دراسة: دعاء صالح

(..هي حتحور ستجعل وجهك كاملاً بين الآلهة، وستفتح عينيك بحيث ترى كلّ يوم، وستعظم مكانك في أمنتيت ، وستجعل صوتك يتغلّب على أعدائك، وستجعل ساقيك يتحرّكان بسهولة في العالم السفلي باسمها حتحور سيّدة أمنتيت ) من الأناشيد والابتهالات المدوّنة في نصوص الموتى .


عميقةٌ عريقةٌ في الزمن تختال الربة المصريّة المقدّسة حتحور بمهد حضارات العالم (مـصر)صاحبة أوّل حضارة متكاملة في التاريخ؛ نظراً لإبداع أهلها كثيراً من العلوم والفنون والآداب.

حيث البيئة المصريّة باعثة على الإبداع العقلي؛ فالنيل بتدفّقه المحسوب , والأرض بإيقاعها بين الخضرة والصحراء , وتنوع فصول العام تتالياً, والبحار تحضنها شمالاً وشرقاً هلالاً يمدّ ويجزُرْ, شمسها الرائعة سطوعاً وخفوتاً , قمرها نغم السحر, و والاعتدال جوّها , ما أثرى المصري فكريّاً وأدبيّاً؛ لينتج التراثَ الأسطوري المصري الذي ما وجد مثيل له عند أمّة من الأمم، لتجد في الموضوع الواحد تنويعات أسطوريّة وحكائيّة متعدّدة ومختلفة ، بل قد تتناقض أحياناً، فهناك مثلاً موضوع (كالخلق) تجد له أربع أساطير مختلفة لرؤية العالم وتشّكل الكون والخلق ليدخل الدين نصّاً حيويّاً يتجدّد بحسب السيطرة السياسيّة وأطوار التحكّم في جميع جنبات الحياة فيها، وها هو هيرودوتفي كتاب هيردوت يتحدّث عن مصر فيقول : " إنّ المصريين أشدّ البشر تديناً, ولا يعرف شعب بلغ في التديّن مبلغهم, فإنّ صورهم في جملتها تمثّل أناساً يصلّون أمام إله, وكتبهم في الجملة أسفار عبادة ونُسك.

ولقد عبد المصريّون آلهةّ لا حصر لها، وكان لكلّ مقاطعةٍ منطقةٌ مهما كانت صغيرةً إلهاً خاصّاً بها وأحياناً أكثر من إله محلّي , شأنهم في ذلك شأن كلّ الديانات الطبيعيّة المعروفة لنا الآن بعد استكشاف آثارها وأوابدها.إلى أن تطوّر الدين عندهم فوصلوا إلى التوحيد على يد (إخناتون) ولكنّه كان توحيداً طبيعياً فيزيقاً ؛ حيث وحّد الآلهة في إلهٍ واحدٍ هو الشمس تحت اسم (رع). ولتبزغ الآلهة ( حتحور) صاحبة مجموعة لا تحصى من الأساطير والرؤى الحكائيّة والإبداعيّة المتعدّدة في المعتقد الفكري والأدبي والديني المصري القديم ،والتي يعني اسمها "حضن حور" أو "مقرّ حورس" كأشهر الآلهات المصريّات؛ فهي التي رعت ممثل كلّ الملوك المؤلهّة لديهم (حورس)،فآوته وأرضعته صغيراً حين تركته أمّه الربة (إيزيس) في أهوار الدلتا لتجّد بالبحث عن أشلاء زوجها الإله (أوزوريس)المقتول بيد أخيه الحاسد الحاقد(ست)،ولم يكتفِ شرّاً إلّا بتعقّب جثمان أوزوريس  ليفرق أوصاله بمختلف المقاطعات المصريّة الاثنين والأربعين .

ثمّ هي زوجة حورس فيما بعد ،وتمركزت عبادتها رئيساً في (دندرة) بمحافظة قنا الحاليّة ، حيث كوّنت ثالوثاً مقدّساً آخراً في مصر هي وزوجها (حورس) رب إدفو وابنها (ايحي)، وللآن يرصد تعامداً لأشعّة شمس الصباح على مقصورة بيت الولادة الإلهيّة في معبد دندرة، إضافةً لتعامد شمس الظهيرة على صورة الربة حتحور ببهو الأعمدة في يوم عيد حورس، بالتزامن مع الانقلاب الصيفي كما يحدث في قدس أقداس الإله حورس بمعبد إدفو في كلّ عام. وكان انتقال حتحور من معبدها في دندرة، إلى زوجها الإله حورس، بمعبده في إدفو لتخليد زواجهما المقدّس مناسبة لاحتفالات مصريّة عظيمة قديماً . وحين استرشدت (حتشبسوت ) بعنفوان الربة حتحور وملكاتها الفاعلة كرّست لها محلاً بارزاً لها ولعبادتها بمعبدها في منطقة الدير البحري بغرب الأقصر بعدما صارت ملكة على مصر ، وهو المعبد الذي يشهد أيضاً تعامداً سنوياً للشمس على قدس أقداس المعبد، تزامنا مع عيد الربة حتحور الذي يأتي في حالي أيامنا في 6 يناير من كلّ عام، ويعدُّ من الأعياد والمناسبات المتميّزة والمرتبطة بشمس الشتاء، حيث تضيء أشعّة الشمس المقصورات الثلاث المقدّسة بالمعبد ومنهم المقصورة المكرّسة لحتحور.هذا وقد أقيمت مقصورات وصالات عدة لعبادتها داخل كثير من المعابد المصرية.

كما وإنّها هي "عين رع" التي دمّرت أعدائه كلبوءة غاضبة ساخطة في حكاية أسطورة (فناء البشر)، بالإضافة إلى أنّها عبدت كإلهة للموتى في طيبة على وجه خاص حين صورت كشجرة جميز عملاقة يأوي إليها الموتى لتسقيهم وترعاهم برحلتهم في العالم السفلي. 

وغالباً ما مثل المصريون نماذجها المجسّدة على هيئة امرأة تحمل تاج عبارة عن قرنين بينهما قرص الشمس وأذني بقرة ، أو كبقرة وأحياناً نراها كلبوءة أو ثعبان أو شجرة.

 واللقب المصاحب لها ( حت حر نبت أم أف كات) بمعنى حتحور سيدة الفيروز كما عرفت في سيناء كربة حامية لمناجمها غامرة الثراء ، وتعدّدت أدوارها وأوجه تقديسها في المعتقدات المصرية القديمة , إسباغاً للطبيعة الإنسانية فيها ولتجمع بين المتناقضات معاً تكاملاً لا تنافراً ؛فهي إلهة الموسيقى والحب والسعادة والنشوة والعطاء والأمومة فاندمجت مع (إيزيس) وعُبدت في أمان.

غزيرةٌ هي الأوصاف والألقاب والأدوار التي تقلدتها حتحور في الفكر المصري القديم حتى نكاد نعّد لها آلاف آلاف الحتحورات التي تبدّت عليها وبقيت رابضة سامقة نلمحها في حكايات المصريين الشعبية إلى يومنا هذا .

   ولثبّت الحقائق فإنّ:عبادة حتحور تسبق الفترة التاريخية لحضارة المصريين ، ومن ثمّ فإنّ من الصعب تعقب جذورها على الرغم من أنّها قد تكون تطوُّرًا لعقائد ما قبل الأسرات التي تبجل خصوبة الطبيعة ممثلة بالأبقار.وظهرت صورتها متوِّجة لرأس "صلاية الملك نعرمر" المعروف باسم نارمر موحد القطرين أوّل ملوك الأسرة الفرعونيّة الأولى، والتي خلدت ذكرى انتصارات الملك نعرمر، الذي جاء من الجنوب لغزو الدلتا حوالي عام 3100ق.م ، وهي أهم الدلائل على أنّ مصر هي أوّل دولة ذات كيان سياسي متّحد في تاريخ الإنسان. إذ يعلو وجهي  ذلك الأثر، اسم الملك نعرمر، منقوشا داخل واجهة القصر "السِرخ"، حيث كتب الاسم الملكي هنا بعلامتين هيروغليفيتين، سمكة القرموط وتنطق "نعر" والأزميل "مر"،ويحيط بالسرخ رأسا امرأتينكل منهما بأذني بقرة وقرنيها تمثيلا للربة حتحور. 

 

 

 

(نقلا عن وكيبيديا: لوحة نارمر من حجر الشيست الأخضر،عثر عليها العالم البريطاني كويبل عام 1898 في هيراكونبوليس بالقرب من إدفو.واللوحة محفوظة حالياً بالمتحف المصري بالقاهرة)


وكما انتشرت عبادتها خارج مصر،بقيت آثارها حية في التراث الحكائي الشعبي العالمي في حقب متتالية أيضا ما يذكرنا بأن حتحور لم تكن إلهة مصرية فحسب بل عالمية أيضا ، واندمجت مع ربات دوليات أخريات :

فمنهم من استعارها ثقافياً ودينياً إلى الشرق من مصر بأرض كنعان وسواحل فينيقيا وسورية تأثروا إعجابا بها ؛فأدمجها مع الربات الأنثوية المشرقية المقدسة "عنّات" و "عشتروت" ؛نتيجة علاقات الجيرة ورحلات التجارة والبحارة والتبادل الاقتصادي منذ آلاف السنين بين مصر وكل من سورية التاريخية وفلسطين ،أو عن طريق الحملات العسكرية المصرية المؤازرة كثيراً، أو المؤدِبة أحيانا،والغازية المقاتلة نادراً إمّا لطرد الأعداء كالحيثيين والهكسوس وغيرهم في الزمن القديم ، أو لتعزيز الأمن القومي المصري في العمق الشرقي للجوار.

 

 

(قطعة أثرية قلادة من الذهب مع رسم خطي  لها ،عثر عليها في (رأس شمرا)السورية تنتمي لحضارة أوغاريت القديمة،وتعود إلى 1500ق.م. معروضة في باريس بمتحف اللوفر، هذه صورة نموذجية جداً للتماثيل والتمائم التي تصور ربة الخصوبة راعية الشجر والزروع والحيوانات عشتار أو عشتروت السورية براس الربة المصرية حتحور، ومثلها نماذج اخرى نعرض للبيع على شبكة الإنترنت نهبها الناهبون بطرق غير مشروعة على مر السنين )

كما اندمجت مع ربات الإغريق والرومان كأفروديت وفينوس ،واغلب الظن نُقلت عبادتها معهم إلى مستعمراتهم في سواحل بحر إيجة بآسيا الصغرى ، وقبرص، وسواحل تراقيا وبحر مرمرة والساحل الجنوبي للبحر الأسود ،وأوكرانيا وروسيا الحاليتين ،وسواحل اليرا وصقلية وجنوب إيطاليا، تليها جنوب فرنسا،وكورسيكا، وحتى شمال شرق إسبانيا. كما تأسست المستعمرات اليونانية في مصر وليبيا. على الشكل من الاتساع الذي نراه في خريطة النفوذ الإغريقي قديما منذ حوالي 750 ق.م بدأ اليونانيون فيها  250 سنة من التوسع بما فيها مصر :

 


وآخرين غرباء عابرون نهبوها ونهبوا أرض مصر منذ لجوئهم إليها ، فمنهم من سرق أوزارا من نفائس آثارها وتماثيلها وتمائمها الذهبية الثمينة من أهل مصر منذ قبل الميلاد ؛حين أُذن لهم بالخروج هربا من بطش حاكما واحدا فقط من فراعين مصر لم يؤمن لهم ولا بديانتهم التوحيدية الميتافيزيقية الحديثة على فكره الاعتقادي بالآلهة التي درج على تقديسها والحكم تحت سطوتها في أرض مصر .

ورغم خروج أولئك العابرين اللاجئ أسلافهم هرباً من بطش حكامهم ، وفراراً من القحط والجوع ،وطمعاً ،وطلباً للأمن والأمان في أرض سيدة البلدان مصر، رغم خروج العبرانيين بني إسرائيل بمعجزة إلهيّة لم تكد مشاهدها بشق البحر أن تمر من أمام أعينهم إلا وقد جحدوا ربهم وخالفوا نبيهم وألقوا بتعاليم رسولهم موسى عليه السلام شِق البحر وارتدوا من فورٍ يصنعون "أبيسا" ذهبيا ليعبدوه!

 وقد نسوا أو تناسوا عمداً أنّهم ما خرجوا من أرض قدّس أهلوها "العجل" و"البقرة" إرمازا لقوّة وعطاء ومَنعة الرب الذي لم يروه _ولكنّهم لطالما بحثوا عنه بفكرهم وطقسهم كما كلّ أهل الحضارات الأم بالأرض _إلا وصنعوا لأنفسهم عجلاً بما سرقوه ونهبوه خديعةً من أهل مصر قبل خروجهم وكانت السرقة التي أخبر الله بها العالمين حين ذكر في سورة طه بالقرآن الكريم في ردهم على معاتبة وغضب سيدنا موسى منهم لنسيانهم الله مالك الملك:

 (قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِّن زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ ، فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ) صدق الله العظيم .

ولمنع المؤرّخين من كتابة التاريخ كما ينبغي أن يكون؛ كان شاغل العبرانيين الأكبر هو البحث عن تاريخ مزعوم لهم على أرض مصر خاصة في سيناء، فجابوها أثناء احتلالهم لها طولا وعرضا بالمسح الاثرى أو الحفائر محققين اكتشافات كثيرة وناهبين لقطع أثرية أكثر فسروها بما يخدم ادعاءاتهم.

ومنهم وليس أخرهم موشي دايان وزير الحرب الإسرائيلي الأسبق ، نهب آثارها ونفائسها من معبد حتحور في سرابيط الخادم / جنوب سيناء الذي كشف في كتابه العيش مع التوراة" المنشور عام‏ 1978‏، عن زيارته لمنطقة سرابيط الخادم، وسط سيناء، في عام‏ 1956‏ أثناء العدوان الثلاثي على مصر ، وفي تموز/ يوليو عام‏ 1969‏ بعد احتلال سيناء ،وذكر ديان في مذكراته، أنّه اتجه مع عدد من الجنرالات إلى المنطقة الأثرية سرابيط الخادم، واستولى على عدد من اللوحات الأثرية وأنّه نقل هذه القطع إلى منزله في تل أبيب بطائرة عسكرية‏، وترجم أستاذ الآثار بجامعة "تل أبيب"رافاييل جيفون، النقوش الهيروغليفية التي نقشت على القطع المنهوبة، وفي وقت لاحق قام بنشر بعضها قائلاً:"إنّ ديان استطاع أن يجمع قطعاً أثريةً متنوعةً وفريدةً" وذاعت أنباء هذه السرقة فيما عرف عالميّاً بمجموعة ديان الأثريّة، كما يقول عالم الآثار "الإسرائيلي" “أفيس غورون” والذي كان المسؤول عن آثار الحفريات المنهوبة من  سيناء بين عامي 1978 و 1982 “أنّ موشي دايان كان يعطي الأوامر بالتدمير الكامل للمواقع الأثرية بعد سرقتها بحيث يستحيل تقويم الأهميّة التاريخية لهذه المواقع فيما بعد .

ونشرت صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية بأحد أعدادها أنه "في العام 1971 طلب علماء الآثار الإسرائيليون من موشيه دايان التخلي عن هوايته غير القانونية بنبش الآثار واستخراجها والادعاء أنّها تخصّه "!

معتبرين أن ما نهبه ديان ويقدر بحوالي 10 آلاف قطعة أثرية من مصر فقط إنما هي تخص الكيان الغاصب لفلسطين المسمى "إسرائيل". وكأنهم يدلسون ويلبسون حتحورة مصر في طيات بقرتهم الفاقع جدالهم حولها حتى عقروها.

 


وفي جريمة أخرى  تضاف إلى قائمة جرائم دولة الاحتلال الإسرائيلي فبالإضافة إلى سرقة الأرض والتاريخ في فلسطين، مازالت تسرق الآثار الفرعونية المصرية التي يتمّ العثور عليها في أرض فلسطين، وقت امتدّت سيطرة الحضارة المصريّة القديمة إلى أرض كنعان/فلسطين وما حولها على مدار الأسر الفرعونيّة القديمة، والعمل على  استخراجها لبيعها دون وجه حق، أو عرضها في المتحف الإسرائيلي بالقدس المحتلّة.

وهو ما صرح به  الدكتور خالد العناني وزير الآثار تحت قبّة البرلمان المصري ، بعدما كشف عن وجود آثار مصرية داخل "إسرائيل"، لافتاً إلى أنّ هذه الآثار نوعين، مضيفاّ "النوع الأوّل عملته الدولة المصريّة هناك بحكم التوسّعات المصريّة التي كانت في أوقات فائتة، أما النوع الثاني كان في سيناء".وأشار الوزير إلى أنّه تمكّن في عام 2016 من استعادة أثرين من إسرائيل وهى المرّة الأولى منذ عام 1996.

وتعدُّ منطقة سرابيط الخادم -التي سرق ونهب  منها ديّان مقتنيات أثرية _هي إحدى المناطق الأثرية المهمة بجنوب سيناء لاستخراج حجر الفيروز الذي استخدموه في صناعة حليهم ،لذا حرص الملوك المصريون على إرسال البعثات الاستكشافية والتعدينية والقرابين إلي منطقة سرابيط الخادم , والمكان الرئيسي في المنطقة هو معبد حتحور الذي بناه الملك سنوسرت الأوّل علي هيئة كهف في سفح الجبل مكرّساً إيّاه للإلهة حتحور التي سميت أيضاً "سيدة الفيروز" واستكمل  ملوك الدولتين الوسطي والحديثة بناء المعبد حتّى اكتمل في عهد الملك رمسيس الثاني .وكان المعبد – قبل وصول ديان إليه- عبارة عن كهف سنوسرت الأوّل و إضافات عبارة عن صالات ذات أعمدة حتحورية، ولوحات تركها ملوك وأفراد وبوابات علي هيئة الصروح ،وكانت توجد ثلاث مجموعات من الآثار : معبد الإلهة حتحور علي تل صغير شمال مدينة الطور حاليا، ومنطقة المناجم التي استغلت في عصري الدولتين الوسطي والحديثة وقد عثر بالمناجم علي 387 نقش , بالإضافة إلى النقوش السينائية التي كُشف عن أول نقش منها عام 1905 وتوالى العثور على نقوش سينائيّة أخرى _والتي تأثرت بالهيروغليفية_ استخدمت كلغة بين الأسرى وعمال المناجم الآسيويين في القرن الخامس عشر ق. م ،وهي تعتبر أمّ اللغة الفينيقية وجدّة اللغة اليونانية .

 

(صورة لنموذج من الأعمدة الحتحورية التي نهبها موشي دايان من معبد حتحور في سرابيط الخادم بسيناء)

ولنترك التفاصيل بشان نهب الآثار المصريّة خاصّة التي تخصّ الإلهة المصريّة الأم المعطاءة والحامية (حتحور)لكتاب قادم يجمع كل ما في المتناول حول تأثيرات حتحور في المأثور الشعبي المصري للآن.

 ونلتفت في هذا المقال لتجلّي بعض من تراث حتحور في الأدب الشعبي المصري وهو الميدان الذي لم يقربه أيّ من الباحثين والعلماء والمختصين في الفولكلور بمصر بشكل عميق حتّى الآن ،ولتكن بداية سلسلة هذه المقالات في (الحكايات الشعبية المصرية) ارتكازا على تتبّع جذور رموزها الأصيلة عند المصريين القدماء باعتبارها جزءاً من معتقدات الشعب وثقافاته وعاداته، فإضافةً إلى دورها في الإمتاع والتسليّة والترفيه، تتمثَّل أهميّة الحكايات الشعبـيّة، بأنّها جزءٌ من معتقدات الشعوب وثقافاتهم وعاداتهم، ابتدعها الخيال الشعبـي، للتعبير عن حكمته وتجربته في تصوير أحداث الحياة، وأساليب المعيشة. وهي تهدف إلى تحقيق أهداف تربويّة تعليميّة ونفسيّة واجتماعيّة عدّة، إذ تؤدّي دوراً هاماً في تأمين خبرات حياتية مختلفة، مصاغة في بناء حكائي محكم من العبر والقيم.ارتبط بأفكار المصري القديم وتصوراته عن العالم _خالقه ومخلوقاته_ ومآلاته النهائية في رحلة الحياة إلى الموت وما بعده من بعثٍ وخلود.

فعالم من الرموز يعيش فينا ويسكن حكايات قراناً , ويكفي أن نعلم أنّ الرمز في الاصطلاح الأدبي يتمّ تعريفه بأنّه : "علامةٌ تُعتبر ممثِّلة لشيء آخر ودالَّة عليه، فتُمثِّله وتحلّ محلّه" لنستدل على أنّ رمز البقرة في حكاياتنا الشعبيّة المصريّة إنّما يؤول إلى "حتحور"ربّة العطاء والأمومة البديلة عن أمومة ورعاية "إيزيس " لولدها "حورس" صغيرا وحيدا مهجورا بين أهوار ومستنقعات الدلتا بلا معين ؛فتبرز له الربّة حتحور من شجرة الجميز التي اقترن اسمها بها كسيّدة شجرة الجميز وانتقلت قداستها إلى روح الشجرة التي أُسكنت روحها لترعاه حتى يشتدّ عوده ويستطيع مواجهة الأخطار والأعداء بدنيا وذهنيا .فصار قطع شجرة جميز بمصر قديماً جريمةً كبرى وخطيئة بحق الربة حتحور.

 



وإذا كان دور العطاء والأمومة في الربة (حتحور) لم يتجلّ إلّا حين قُتل أوزوريس وغيبه الموت وبالتّالي تغربت إيزيس مجبرة بعيدا عن ولدها حورس بحثا عن أشلاء جثمان زوجها ، ففي النسخة الشعبية لهذه الفكرة بالحكاية الشعبية يكون موت الأم وترك أبنائها للأب الذي سرعان ما يجلب لهم زوجة أب عادة ما تكون شريرة تعذب الأبناء أبطال الحكاية فلا يجدوا ملاذا للحماية والرعاية غير في (بقرة) تكون مهدت الحكاية سابقا إنّها الرفيقة الراعية التي ورثها بطل الحكاية عن الأم . ولا يشكّل موت الأم في بداية الحكايات من هذا النوع نمطا مأساوياً وفجيعة كبيرة بل يمرّ بهدوء وإذعان تام بحقيقة وقدرية الموت وإنّما كلّ الخوف من أن ترحل الأمّ إلى الأبد وتترك صغارها لوحدهم يواجهون مصاعب الحياة وأنوائها فكما يقول المثل الشعبي :

" اللي من غير أم حالته تُغم "

وعادة ما يتجسّد هذا الغم والهم في زوجة الأب غليظة القلب.ويزداد ذلك الغم إعتاماً عندما يكون لها أولاد من زواج سابق تدخلهم في مقارنة ومفاضلة مع يتامى الحكايات،وتختلف أحياناً تنويعات وبعض تفاصيل الحكاية من مكان إلى آخر داخل مصر، وربّما نرى نماذج وتنويعات لها في بعض الدول العربيّة كتلك الدول التي تأثّرت ثقافياً ودينياً بالربة حتحور في زمنها الأقدم تختلف أيضا عن تنويعات الحكايات المصرية الأم ببعض تفاصيلها لكنّها تتّفق في كون "الأمّ المتوفّاة " في الحكاية قد تركت لأطفالها قبل مماتها ما يقتاتون به وتواصل رعايتهم والسهر عليهم ممثلا في بقرة أو لنقل حتحورة أخرى جديدة .ونرى البقرة التي ورثوها عن أمّهم ترعاهم وتدرّ عليهم الحليب وتطعمهم.وعندما تذبح زوجة الأب البقرة نكاية فيهم، فإنّ يتامى الحكايات يلتقطون عظامها ويدفنونها في حفرة يصلها الماء بأيّ وسيلة ، وسرعان ما تنبت منها شجرة وتنمو وتطعمهم من ثمارها بديلاً عن عطاء البقرة سابقاً ، أو إن يتخلّق كائناً حارساً جديداً يتبع ويحمى اليتامى كقط مثلاً ما يذكرنا أيضاً بالإله المصري القديم (بس) وحاز مكانةً مرموقةً كواحد من الآلهة الشعبية الحامية في مصر القديمة ، و ظهرت شعبيته بصورة ملحوظة منذ الدولة الحديثة ، وإن ذاع صيته وزادت أهميته بشكل واضح في العصور المتأخرة و العصرين : اليوناني والروماني ، خاصة عندما اندمج ببعض الآلهة و الإلهات العظام  مثل الإله حور أو حورس ؛وكان قد لعب أدواراً مهمة في الديانة المصرية القديمة منذ نشأته كواحد من الآلهة المنزليّة الصغرى مثل الحماية خاصّة للسيدات أثناء وبعد الحمل والولادة ، كما امتدّ دوره لحماية الطفل الوليد ورعايته كما سبق وفعل مع حورس وليداً في بعض الروايات من أسطورة الثالوث الإلهي القديم (أوزوريس ،إيزيس وحورس). فتصير الشخصيات الحكائية الشعبية كالبقرة والقط رموزاً للأمّ وتذكاراً يسري ويتناقل شفاهة عبر الأجيال يذكرنا ويشرح لنا ما ولماذا  قدّس المصري القديم آلهة وإلهات اتخذوا صورة الحيوانات جنباً إلى جنب مع الصورة الإنسية لهم .ويستمر منوال اللامعقول من الحكايات الغرائبيّة والعجائبيّة من هذا النوع في تسلسل مدهش نلتقي بمحطاته مع كائنات بين زهور ونباتات وأشجار وطيور متكلمة تُعير صفاتها وألوانها وسماتها لشخصيّات الحكاية البشرية بحسب ردود أفعالهم تجاهها ونواياهم طيبة كانت أو شريرة الأصل، وغيلان مخيفة تغدق على يتامى الحكاية الذهب والحرير ويمكن مفاوضتها والتغلب على شرها بالحيلة وإعمال العقل وإذا ما سلك أي من شخصيات الحكاية العكس فهي تصليه ألوان التكدير والتلطيخ .

ولعلّ أشهر الحكايات التي دارت حول هذه الفكرة واستلهمت شخصيّة الربة حتحور البقرة المقدّسة من أساطير الديانة المصريّة القديمة هي تنويعات ورؤى حكايات (ست الحسن والجمال ) والتي أسوق لها نموذجين أحدهما يردده الأطفال في قرية الشواشنة بمحافظة الفيوم ، والآخر هو النصّ الأطول والأكمل لها الشاعر الباحث الراحل مجدي الجابري في كتابه (حكايات شعبية) وفيه:

صلوا ع النبي: 

كان فيه بنت اسمها ست الحسن والجمال. أمّها ماتت وسابت لها بقرة صفرة كانت تحبها وتخاف عليها 

وفي يوم جاء أبوها تجوز واحدة عندها بنت اسمها أم صريم وواد اسمه الأقرع وكانت أم صريم دي وحشة أوى وأمّها عايزة تجوزها. فكانت تأكّل ست الحسن العيش الناشف المكسر وتأكّل عيالها الطبيخ والعيش الحلو النضيف. وست الحسن تعيّط وتقول للبقرة:

يا بقرة يا بقرتي..يا تربية أيدي..وأيد نينتي..يرضيكى مرّات أبويا تأكل عيالها الحلو.. وأنا الوِحش ؟!

تروح البقرة واكله الأكل الوحش ومتكرعة فطيرة جميلة وسخنه تأكلها ست الحسن فكانت ست الحسن جميلة ووشها أحمر وزى القمر وهى عيالها سود ووحشين. قام إيه مرّات أبوها قالت لازم أعرف ست الحسن جميلة ليه وعيالي وحشين, راحت سلطت أم صريم وقالت لها: روحى مع ست الحسن الغيط مرة وشوفيها بتاكل إيه وهاتى منه حتة. راحت أم صريم الغيط مع ست الحسن وشافتها وهى بتآكل الفطيرة، راحت مدياها حتّة وقالت لها: أوعى تقولي لأمك.

قالت لها: حاضر. وروحوا البيت، جت أمها قالت لها: ايه يا بت بتآكل إيه؟ قالت لها: هو العيش الناشف، هتاكل إيه يعنى. أمها مصدق تش. وراحت قالت للأقرع أنت هاتروح الصبح الغيط مع ست الحسن وتشوفها بتآكل إيه وتجيب منه حتة. قال لها: طيب. طلع الصبح وراح الأقرع مع ست الحسن الغيط وشافها وهى بتقول للبقرة :

يا بقرة يا بقرتي..يا تربية أيدي..وأيد نينتي..يرضيكى مرات أبويا تأكل عيالها الحلو.. وأنا الوِحش ؟!

تروح البقرة واكلة العيش الناشف وتتكرع فطيرة سخنة تاكلها ست الحسن. وراح الأقرع قال لها: الله!

 بصي يا ست الحسن شوفي العصافير اللي طايرة هناك دى. وراح خاطف لقمة وحاططها تحت الطاقية. ولما روّح حكي لأمه كل حاجة. أمه قالت, بس لازم أدبح البقرة دي. راحت عملت رقاق وفرشته على السرير ونامت عليه, وعملت نفسها عيانة. جه جوزها قالت له أنا عيانة وهاموت ولازم تشوف لي حكيم.

وتتقلب كده الرقاق يطأطئ, تتقلب كده الرقاق يطأطئ، وتقول آه يا ضلوعي، آه يا جسمي اللي بيكسّر. وراحت سلطت واحد قريبها يعمل طبيب ويقول لازم ندبح لها بقرة صفرة. جم يدبحوا البقرة مرضي تش تندبح. لمو سكاكين الحتّة كلها وجزارين الحتّة إن البقرة تندبح, أبداً، والبقرة تعيط، و ست الحسن تعيط. قاموا قالوا لست الحسن قولي للبقرة تندبح. فقالت لها غصب عنها :

يابقرة يا بقرتى..يا تربية إيدي..وإيد نينتى إتندبحى واتسلخى واتاكلى وتكونى ف بقى وبق أم صريم سكر.. وف بق أبويا ومرات أبويا والأقرع مُر علقم. 

تدبحت وتسلخت. أم صريم وست الحسن يأكلوا يقولوا: الله زى العسل.

وأبوها ومرات أبوها والأقرع يكلوا يقولوا: مُر علقم. ما قدروش ياكلوا.

دارت ست الحسن لمت العضم بعد ما كلوا، وحطته تحت الزير، طلع قُط، كل ما تمشى ست الحسن، مطرح ما تروح يمشى وراها فمرات أبوها فكرت تتخلص من ست الحسن, فجابت لها قلة وقالت لها: روحي أمليها من البحر. فخدت القلة ومشيت، قابلها الفل، قالت: إصباح الخير يا أبيض يا فل. قال لها: إصباح النور يا ست الحسن، رايحة فين؟

قالت له: رايحة أملا القلة من البحر.

قال لها: وتسقيني.

قالت له: أسقيك أوى.

قال لها: روحي يجعل بياضي ف بَدَنيكى ولا يجعلهش ف شعريكى..

فاتت على الورد الأحمر

قالت له: إصباح الخير يا ورد يا أحمر يا جميل.

قالت له: إصباح الخير يا ست الحسن, رايحة فين؟

قالت له: رايحة أملا القلة من البحر.

قال لها: وتسقيني.

قالت له: أسقيك أوى.

قال لها: روحي يجعل حماري ف خديكى ولا يجعلهش ف عنيكى. خدودها أحمرت وبقت زى الورد..

ومشيت لقت الغراب: : قالت له: إصباح الخير يا غراب يا أسمر يا حلو

قال لها: صباح النور يا ست الحسن, رايحة فين؟

قالت له: رايحة أملا القلة من البحر.

قال لها: وتسقيني.

قالت له: أسقيك أوى.

قال لها: روحي يجعل سوادي في عنيكى ولا يجعلهش في بدنيكى. عنيها بقت سودة..

ومشيت قابلتها النخلة قالت لها: إصباح الخير يا نخلة يا طويلة

قالت لها: إصباح النور يا ست الحسن, رايحة فين؟

قالت له: رايحة أملا القلة من البحر

قالت لها: وتسقيني

قالت لها: أسقيكى أوى

قالت لها: روحي يجعل طولي في شعريكى ولا يجعلهش في أدميكى. شعرها بقى طويل.

 رجعت ملت القلة وفاتت عليهم كلهم وسقتهم. ورجعت ملتها تانى وروحّت. مرات أبوها شافتها راجعة جميلة وحلوة. قالت لها: إيه الجمال دا كله؟

قالت لها: رحت البحر مليت القلة.

مرات أبوها قالت: لازم أبعّت أم صريم تملا القلة زيك من البحر ..أم صريم خدت القلة ومشيت

قابلها الفل قال لها يا باى! طب صبّحي قالت له: ما بقاش إلا أنت أصبح عليك يا ابيض يا دبلان.

قال لها: روحي يجعل بياضي في شعريكي ولا يجعلهش في بدنيكى. 

مشيت لقت الورد: قال لها يا باى! صبحي قالت له: مابقاش إلا أنت أصبح عليك.. يا أحمر

قال لها: روحي يجعل حماري في عنيكى ولا يجعلهش في خديكى. 

لقت الغراب: قال لها: يا باى صبحى!قالت له: مابقاش إلا أنت أصبح عليك يا اسود يا غراب الشوم.

قال لها: روحي يجعل سوادى في بدنيكى ولا يجعلهش في شعريكى.

مشيت ملت القلة وروحت على البيت. أمها شافتها قال لها: يا لهوى عملتي كدا ليه؟ 

فكرت في حيلة تودي فيها ست الحسن عند أمنا الغولة.

قالت لها: روحي هاتى المنخُل من أمنا الغولة. مشيت. قابلها بتاع السمسم

قالت له: صباح الخير يا بتاع السمسم. رزقك كتير النهاردا وسمسمك حلو.

قال لها: صباح النور يا ست الحسن. تاخدى شوية سمسم؟قالت له: هات

خدت شوية سمسم وحطتهم في جيبها، وخبطت على الباب

قالت الغولة: مين؟ مين اللي على الباب؟

قالت لها: أنا يا أمنا الغولة. ست الحسن والجمال، عايزة المنخُل

قالت لها: طيب. اطلعي فوق، تلقى أوضه شقلبيها، وتلقى واد موتيه، وانزلى حمينى، وفلينى، وسرحيلى، وبعدين أديكى المنخل. ست الحسن وضبت الأوضه، وحمت الولد ولبسته، ونزلت حمت الغولة وفلتها وسرحت لها، وكانت كل ما تلقى قملة ف شعرها تاكل شوية سمسم وتقول: الله قملك حلو يا امنا الغولة وتموت القملة. راحت الغولة خدتها ونزلتها البير. وقالت: يا بير.. يا بير لبسها دهب كتير، يا بير.. يا بير لبسها حرير كتير

وادتها المنخل وروحّت. مرات ابوها شافتها جاية لابسة دهب وحرير

قالت: بس خلاص أنا اخلى أم صريم ترجّع المنخُل. راحت أم صريم ترجع المنخل. قابلت بتاع السمسم قالت له: يوه مال سمسمك دبلان ومعفن النهاردة. مرضيش يديها حبة سمسم. راحت خبطت على باب الغولة وقالت افتحى يا غولة مش عايزين المنخل. الغولة قالت لها: هاتى و اطلعى انكشى الأوضة وموتى الواد وتعالى حمينى وفلينى وسرحيلى. راحت أم صريم طالعة موتت الواد ونكشت الأوضه، وبقت كل ما تلاقى قملة فى راس الغولة تقول لها: أف يا غولة قملك وحش، وشعرك وحش. راحت خدتها ونزلتها البير. وقالت: يا بير يا بير لبسها صراصير كتير. يا بير يا بير لبسها فران كتير. طلعت ملاينة فران وصراصير وقرف. رجعت لامها فضلت تصوت.. تصوت. كان ابن السلطان شاف ست الحسن وقال لازم اتجوزها. راح خطبها من ابوها. يوم الفرح، راحت مرات ابوها بعتتها مكنة الطحين وقالت لها: روحى اطحن الدقيق ده. وراحت ملبسة أم صريم لبس الفرح وركبتها على الجمل بدل ست الحسن. مشى القط ورا الزفة ينونو: نونو

ست الحسن والجمال فى الطاحونة بتطحنى

وأم صريم ادلدلىع الجمال اتمخطرى

نونو

سمعه ابن السلطان قال: بس ووقّف الزفة! وقفزينزّل أم صريم ودور على ست الحسن وركبها مكانها.

بعدها مشى القط يغنى ورا الزفة: نونو

ست الحسن والجمال ع الجمال اتمخطري

وأم صريم إدلدلى فى الطاحونة تطحني .. ننو.. نونو

وأتجوز ابن السلطان ست الحسن و الجمال وعاشوا فى تبات ونبات وخلفوا صبيان وبنات.. وتوته توته خلصت الحدوتة.

وفي نموذج أقصر لكنه مركز ويتجاوز كثير من التفاصيل التي ربما لم تعرفها راوية الحكاية أو تدخلت هي بحذفها باعتبارها لن تؤثر على مضمون الحكاية وهدفها الأخير في تأمين حياة كريمة ومستقبل
آمن لست الحسن والجمال بزواجها من ابن السلطان الذي لم توفّر زوجة الأب حيلة أو مكيدة إلّا وفعلتها كي تزوجه ابنتها بدلا من ست الحسن والجمال فقالت :

 كان فيه بنت اسمها ست الحسن والجمال .. وكانت عندها بقرة بتحبها جداً.. وست الحسن كانت أمها ميتة..وأبوها متجوز واحدة تانية .. وكانت مرات ابوها بتكرهها جداً .. وكانت تشغلها وما تديهاش تأكل إلا العيش المعفن .. وكانت ست الحسن تاخد العيش المعفن وتأكله للبقرة.. والبقرة تنزل لها فطير تاكله ست الحسن وتزيد حلاوة وجمال .. مرات ابوها كانت تستغرب دي ما بتاكلش إلا العيش المعفن تبقي كده؟!.

 قالت لابنها الأقرع روح مع ست الحسن وراقبها وشوف هي بتاكل إيه وبتعمل إيه.. قال لامه حاضر وراح معاها الغيط .. وبقي مراقبها في كل مكان .. ومكان وما تروح وراها شافها بتدي العيش المعفن للبقرة والبقرة تاكله وتنزل لها فطير .. فكان يقول لها بصي العصفورة تبص فوق يروح واخد الفطير وحاطه على قرعته ويغطيها بالطاقية .. ولما روَّح لامه ورّاها الفطير اللي هو جابه فأمه قالت يبقى لازم ندبح البقرة دي .. وعملت نفسها عيانة وراحت فارشة الحصيرة وحطت تحت الحصيرة قشر بيض وكل إما تتقلب البيض يكسر ويطقطق وتقول ضهرى واجعني جنبي واجعني .. وابنها عمل نفسه حكيم وماشي يقول حكيم يداوي ويشيل البلاوي .. ودخل عليها وقال لها ادبحي بقرة سوده وفيها سن إشارة بيضا وكلي كبدتها ..  وطبعا ست الحسن والجمال زعلانة على بقرتها والبقرة مش راضية تتدبح بأي سكين جابوها لها .. فأمروا ست الحسن: قولي لها اتدبحي فقالت لها " اتدبحي ياعجيلتي وامرك الى الله " فاتدبحت البقرة .. جم يسلخوها مش راضية تتسلخ قالوا لست الحسن قولي لها اتسلخي .. قالت لها " اتسلخي ياعجلتي وامرك لله " فاتسلخت .. وجم يطيبوها مش راضية تتطيب .. فمرات ابوها قالت لست الحسن قولي لها طيبي .. ست الحسن قالت لها " طيبي ياعجلتي وامرك لله " فراحت طايبة .. وجم يغرفوها قالت لها ست الحسن " روحي ياعجلتي في حنك مرات ابويا واخويا الأقرع مْرة وفي حنك الناس الغلابة زى العسل " فكانت مْرة في بقهم وقالوا ياريتنا مادبحناها والناس الغلابة يقولوا الله بقرتك حلوة يا ست الحسن والجمال.. ولما دفنت عضم البقرة طلعت شجرة وقط .. ولما جه ابن السلطان ياخد ست الحسن مرات أبوها خبتها في الصومعة وحطت بنتها الوحشة على الجمل .. وراح القط قابله وقاله " وش القمر في الصومعة ووش الغراب على الجمل " فهم ابن السلطان وراح الصومعة جاب منها ست الحسن وحطها على الجمل .

وتوتـــــه توتـــــه خلصـــــت الحتوتـــــه حلـــــــوة ولا 0000

 

(صورة تمثال حتحور في شكلها الإنساني معروض بالمتحف البريطاني بلندن)


ولتظل حكاياتنا الشعبية المصرية أحد أسلحة الشعب المشهرة بوجه المغتصبين والناهبين، و مقاومة لسلب الأثر ونهب الحجر وتزييف التاريخ وكي الوعي بروايات يزعمها أعداء مصر في أي حقبة زمنية كانت .

*مراجع ومصادر المقال التي لم تُثبت هنا سيتم ثبتها داخل الكتاب المزمع إصداره قريبا حول (حتحور المأثور المصري).

دعاء صالح كاتبة وباحثة في الثقافة الشعبية المصرية .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 8 + 2