الطبقة الوسطى في تونس والقطيعة مع علاقات «الاستزلام السلطوي»

أحمد نظيف _ عربي برس

2018.12.17 - 05:13
Facebook Share
طباعة

 يرتبط تحديد ماهية الطبقة الوسطى وقياس حجمها بالكثير من العوائق المنهجية والعملية، لكن عموماً تأخذ أغلب عمليات المسح الاجتماعي بعين الاعتبار مسألة الدخل والإنفاق وكذلك المنظور الاجتماعي، وعليه فإن الطبقة الوسطى عموماً ينتمي إليها من يجني متوسط الأجر، وتحوي داخلها تبايناً كبيراً بخصوص مسألة الدخل والإنفاق. وكذلك ينتمي إليها أفراد من ذوي الخصائص الاجتماعية المشتركة كالتحصيل العلمي والمهنة حتى وإن اختلفت مستويات الإنفاق بينهم. فالطبقة الوسطى التونسية تخضع بقدر كبير لهذا التحديد. إليها ينتمي قطاع واسع من ذوي الدخل المتوسط، يتميزون عموماً بتحصيل علمي متوسط وجامعي وهم في أغلب الأحيان من موظفي القطاع العام، مهندسون، أطباء، محامون، تقنيون، حرفيون وحتى بعض أصحاب المشاريع الصغيرة. ووفقاً لأخر مسج اجتماعي فإن هذه الطبقة تشكل 57% من سكان البلاد، وهي الأكبر حجماً. وكانت دائماً الطبقة الأكبر في البلاد منذ استقلالها والطبقة التي قادت عملية التغيير الاجتماعي منذ الستينات حتى اليوم.

نشأت الطبقة الوسطى في تونس في أعقاب الاستقلال (الشرائح الوسطى كانت دائماً موجودة حتى قبل الاستقلال). فعندما خرجت فرنسا في العام 1956 تركت أغلب الشعب التونسي في مستويات فقر كارثية، باستثناء أقلية أرستقراطية وإقطاعية كانت مستفيدة من علاقات مصلحية مع الاستعمار أو مع القصر الملكي. كان الاقتصاد التونسي عشية الاستقلال في حالة تخلف كبيرة وشديد الارتباط بالرأسمال الاستعماري. فقد كان عبارة عن اقتصاد بلد تابع يعيش رأسماليها على هامش السوق الاستعمارية، في الصناعات الخفيفة، بدون قاعدة متينة في الأوساط الريفية. نهجت الدولة الجديدة منذ البداية خيار اقتصاد السوق، من خلال وضع تشريعات قانونية لتجيع المبادرة الحرة وفك الارتباط بالاستعمار من خلال الاستقلال النقدي وتأسيس البنك المركزي، لكن التجربة فشلت لأن الرأسمال التونسي كان ضعيفاً وغير قادر على الدخول في مشاريع نهضوية كبيرة. لتدخل الدولة في وضع اقتصادي صعب، خاصة بعد حرب بنزرت وقطع المعونة الفرنسية.

بداية من الستينات تحولت الدولة إلى نظام رأسمالية الدولة، أي القيام بنفسها بعملية التراكم الرأسمالي، فهو تراكم تقوم به السلطة وسط علاقات رأسمالية قائمة بالفعل لخلق القاعدة الاقتصادية لرأسمالية مستقلة. وذلك لتفكيك البنى الإنتاجية القديمة وتطوير بنى رأسمالية جديدة زراعية وصناعية وتكفل الدولة بالقطاعات التداولية والتوريد والتصدير زراعية وصناعية وتكفل الدولة بالقطاعات التداولية والتوريد والتصدير، وبذلك تضخم الجهاز البيروقراطي (الإداري) للدولة وشهدت البلاد توسعاً في خلق المناصب العليا، والتي أخذت على عاتقها انشاء قطاعات جديدة كالسياحة والنسيج والنقل وغيرها، بشكل غير مدروس والمتعارف عليه فإن فوضى الإنتاج جزء جوهري من منطق رأسمالية الدولة. كما مركزة أغلب القطاعات الاقتصادية بيدها. فالدولة المحكومة بالحزب الواحد والقائد الواحد كانت تريد حيازة السلطة والثروة معاً لمزيد توطيد حكمها، بعد القضاء على المعارضة اليوسفية وتعطيل بقية الأحزاب والصحف.

خلال هذه الحقبة نشأت الطبقة الوسطى وتكونت أساساً من موظفي الجهاز البيروقراطي للدولة (اداريون، أعوان، رجال شرطة، جنود) وموظفي القطاع العام (معلمون، أساتذة، مهندسون، صحافيون، كتاب...) وأصحاب المهن الحرة (أطباء، محامون، صيادلة، معماريون...) والحرفيون الصغار والفلاحون الصغار. ولكن الغالب على هذه الطبقة هم المنتمون للقطاع العام، وبالتالي كانت تتلقى مصادر دخلها أساساً من الدولة، ولذلك لم تكن قادرة في تلك المرحلة على التغيير الاجتماعي والديمقراطي ولا حتى للمطالبة بالتغيير السياسي. 

لكن الأمر بدأ يتغير مع بداية السبعينات، بعد فشل سياسية التعاضد وعودة الدولة إلى سياسية تحرير الاقتصاد. فمنذ العام 1970 تقلد الاقتصادي الليبرالي، هادي نويرة منصب رئيس الحكومة وقاد عملية تحول اقتصادي فتح من خلالها المجال للقطاع الخاص وخاصة لرؤوس الأموال الأجنبية، الأمر الذي حقق طفرة اقتصادية كبيرة. لكن القطاع العام حافظ في تلك الفترة على مكانة كبيرة في الدولة. ومع حقبة السبعينات دخلت فئات جديدة للطبقة الوسطى التونسية خاصة من موظفي القطاع الخاص، وتعززت قوة هذه الطبقة بإجراءات الحماية الاجتماعية التي وفرتها الدولة كالخدمات العامة المجانية في الصحة والتعليم وخاصة في منظومة الدعم الاستهلاكي للمواد الأساسية.

في السبعينات خرجت الطبقة الوسطى في تونس من سلبيتها تجاه الأوضاع السياسية والاجتماعية. بدأت تظهر الكثير من بؤر المعارضة السياسية أساسها من الشرائح الوسطى غير المنتمية للقطاع العام. ظهرت الحركة الإسلامية وانشق جناح من الحزب الدستوري الحاكم مطالباً بمزيد من الانفتاح والحريات الديمقراطية الليبرالية، قاده الوزير السابق أحمد المستيري. هذه الحراك المحتشم في السبعينات سيتحول إلى تيار هادر في الثمانيات، التي شهدت أقصى درجات ضعف الدولة البورقيبية، فدخل النظام السياسي في أزمة شرعية، بعد مرض الرئيس واندلاع معارك باردة داخل معسكر السلطة حول خلافته والدخول في حرب معلنة مع الحركة النقابية وحرب أخرى مع الإسلاميين وانهيار اقتصادي كارثي أدى إلى الاستنجاد بصندوق النقد الدولي، الأمر الذي ترتب عنه تضرر الطبقة الوسطى بشكل كبير، لكنها في نفس الوقت نجحت في كسب هامش حرية نسبي تجلى في الصحافة المستقلة وفي المنظمات النقابية العمالية والطلابية وفي الحركة الثقافية والحقوقية.

لكن كل ذلك سيتبخر كأنه لك يكن بعد وصول وزير الداخلية، زين العابدين بن علي إلى السلطة بعد انقلاب هادئ قاده ضد بورقيبة، خريف العام 1987. حاول بن علي منذ البداية تجاوز الأزمة الاقتصادية بإنهاء برنامج صندوق النقد الدولي بأسرع ما يمكن وفرض نوع من قوة الدولة في عملية الإنتاج من خلال استيعاب الحركة النقابية في مرحلة أولى ثم كسر شوكتها لاحقاً، وبالتالي استراح من وجع الرأس والإضرابات وطلبات الزيادة في الأجور، التي أصبحت تقع بشكل دوري محدد سلفاً. كما ساعدته الأزمة الليبية وفرض الحصار على الجماهرية في استقبال رساميل ليبية كبيرة وفتح خطوط تصدير ضخمة نحو السوق الليبية، كما وصل في سلوك نفس السياسية الحمائية من خلال مجانية الخدمات العامة ودعم المواد الأساسية الاستهلاكية وحفاظ الدولة على مؤسسات اقتصادية عامة تحت سلطتها. أدت هذه السياسية إلى تحسن أوضاع الطبقة الوسطى وتضخمها عددياً، لكنها أصبحت أكثر عجزاً عن القيام بمهام التغيير الاجتماعي والديمقراطي في المجتمع، لأنها دخلت في علاقة مقايضة ضمنية مع السلطة: تمنحها السلطة الدخل المستقر والقدرة الشرائية المعتدلة مقابل أن تكبت توقها للديمقراطية وألا تفكر في المشاركة السياسية إلا من بوابة الحزب الواحد، الذي تحول مع الوقت المصعد الوحيد للراغبين في المشاركة في إدارة الشأن العام.

لكن النجاحات الاقتصادية النسبية التي حققها بن علي خلال عقد التسعينات الكالح سياسياً، تخللتها ظهور فئة جديدة مرتبطة بعلاقات القرابة والمحسوبية مع السلطة دخلت في المشهد الاقتصادي مدفوعة بقوة موقعها الاجتماعي وقربها من السلطة كعائلة الرئيس واخوته وأصهاره أزواج بناته وإخوة زوجته ليلى الطرابلسي. هذه الفئة أحاطت نفسها بفاعلين اقتصاديين جدد في كل مدن البلاد وخاصة في المناطق الحدودية واقتحمت أغلب مجالات الإنتاج والتداول المربحة واستفادة من سلطة الرئيس الرمزية لجني أرباح والحصول على تسهيلات إدارة ونقدية وقروض، حتى وصل بها الأمر إلى تشكيل نوع من الحزام الاحتكاري في المشهد الاقتصادي تضرر منه العديد من رجال الأعمال.

الطبقة الجديدة كانت مرتبطةً كلياً بالنظام السياسي وصاحب القرار فيه. وتبين لاحقاً أنها مرتبطةً به وجودياً فقد انهارت بانهياره. فيما واصل أصحاب المال والأعمال من خارج دائرة القرابة دعمهم للنظام السياسي واستفادوا مقابل ذلك من الدعم الحكومي قروضاً وتسهيلات، ودائماً عبر "دائرة القرابة" ومن خلالها. لكن في المقابل بدأت تتشكل طبقة أخرى من أصحاب المال الغاضبين من نظام "احتكار القلّة" الذي فرضته "دائرة القرابة". بعضهم هرب إلى الخارج مواصلاً نشاطه الاقتصادي وانخرط في نشاط "شبه سياسيي" داعماً لدوائر معارضة سياسية ومدنية، والبعض الأخر بقي في تونس مناوراً. لكن ما يجمع الرافضين والتابعيين، للسلطة السياسية، ارتباطهم العضوي بالرأسمال الأجنبي.

فبعد 1987 وتحسن العلاقات مع الجارتين ليبيا والجزائر، ولاحقاً توقيع اتفاق اتحاد المغرب العربي في 1989، شهد النشاط التبادلي على طرفي الحدود التونسية توسعاً كبيراً وأصبحت الدولة تغض الطرف على النشاط التجاري غير الرسمي، ونشأت طبقة جديدة من البرجوازية التي راكمت ثروة هائلة من التهريب والتجارة غير الرسمية لكنها كانت تركز على التبادل السلعي والنشطات الطفيلية. ومع بداية القرن أصبحت هذه الطبقة تحاول البحث عن نفوذ في السلطة أو علاقة قرب مع أطراف فاعلة داخل السلطة، وقد وجدت ضالتها في تحالفها مع "دائرة القرابة" مبني على مصالح اقتصادية. ويفسر مهدي عامل هذا النزوع بالقول: "إن وعي الطبقات البرجوازية غير المهيمنة في تطلعها لشرعنة الوصول إلى مراكز الهيمنة التي تشغلها أجزاء أخرى من البرجوازية، يزداد إلى مستوى يتم من خلاله تحديد موقعها من المجال السياسي والاقتصادي. هذا الجزء من البرجوازية غير المهيمن يريد انهاء جزء من الهيمنة دون أن يزيل كامل الهيمنة البرجوازية. برحيل بن علي في يناير 2011، سقط نظام "احتكار القلّة" لكن على العكس فإن حلفائه في برجوازية الأطراف ازدادوا نفوذاً، لأن نشاطها يتعارض طرداً مع قوة الدولة وكلما ضعفت الدولة زادت قوتهم، بل أصبحت هذه الطبقة أمام سوق تهريب ونشاط غير رسمي أكثر اتساعاً خاصة بعد سقوط الدولة في ليبيا.

لكن كل ذلك لم يفقد الطبقة الوسطى في تونس من قوة حضورها. فبقيت هي الطبقة الأكبر حجماً والأكثر تنوعاً من الناحية الاجتماعية والأكثر استقرارا على مستوى الدخل والإنفاق. صحيح أنها فقدت بعضاً من قدرتها الشرائية لكنها لم تنتهي ولم تفقد دورها في التغيير. ويعود ذلك أساساً إلى بقاء السياسية الحمائية للدولة في علاقة بمنظومة دعم المواد الأساسية ومجانية الخدمات العامة (التعليم – الصحة – النقل (نسبيا) على الرغم من تردي جودتها في السنوات الأخيرة. وكذلك قوة المركزية النقابية وتعاظم هذه القوة بعد رحيل بن علي حجم القوة العاملة في القطاع العام. وما الشراسة التي يقاتل بها اتحاد الشغل اليوم للحفاظ على المؤسسات العامة والقطاع العام إلا دليل على أن النقابة تستمد قوتها من قواعدها في القطاع العام، الذي إن نجحت الدولة في إنهائها فإنها بذلك ستضع حداً لقوة النقابات وتنهي سلطتها نهائياً.

وقصارى القول، فإن نهاية الطبقة الوسطى في تونس، أو حتى تأكلها، نوع من الخرافة اللذيذة، يحلو للبعض تطعيم خطابهم بها. واضح جداً، وحقيقي، أن الطبقة الوسطى القديمة التي نشأت في الستينات خلال حقبة "رأسمالية الدولة وحافظت على مصالحها لاحقاً من خلال لعبة "مقايضات السلطة" ومازال اتحاد الشغل يقاتل من أجل الحفاظ عليها، ليحافظ تالياً على وجوده ونفوذه. هذه الطبقة سائرة نحو النهاية. لكن بالموازاة توجد طبقة وسطى جديدة نشأت مع بداية الألفية وتعاظمت بعد 2011، أساسها القطاع الخدمي (في الميديا، التكنولوجيا، الإنترنت، الإشهار، وكل ما يتعلق باقتصاد المعرفة) هذه الطبقة الناشئة نمت خارج علاقات الاستزلام السلطوي (وذلك لا يعني أنه ليس لها علاقات بالسلطة)، كما يسميها الراحل هاني درويش، تتميز بامتلاك وسائل إنتاجها خارج السلطة نسبياً وواعية بنفسها، عكس الأولى التي أنشأتها الدولة ورعتها وبالتالي عجزت عن القيام بمهام التغيير الديمقراطي والاجتماعي.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 6 + 1