كتب خالد رزق: "أعداؤنا" معطياتٌ لقوةِ المواجهة تبدِّدُها السياسة

خاص _ عربي برس

2018.12.21 - 02:40
Facebook Share
طباعة

 عندما يخرُجُ علينا رئيسُ وزراءِ الكيان الصهيوني بتصريحاتٍ يقول فيها بأنَّ الكيان هو القوة الوحيدة التي تحارب إيران وتوفر للدنيا بحسْبِه الحماية مِنْ إرهابها، ثم يذهب كعادته إلى التلويح بورقةٍ وهميةٍ مدعياً احتواءها خرائطً لمواقعٍ نوويةٍ إيرانيةٍ، وعندما يوضِّح بأنَّ حربه مع إيران وإنْ كانت غير مباشرة فإنَّ ساحاتها الحالية هي سوريا التي اعترف باستهدافها بغاراتٍ صاروخيةٍ وجويةٍ، ولبنان الذي قال إنَّه يواجه فيه إيران ممثلةً بحزب الله.

وعندما يعلن نتنياهو عن تطوير صواريخَ هجوميةٍ تطالُ أيَّ وكلَّ نقطة من المنطقة، في إشارةٍ واضحةٍ لإيران وضمنيةٍ لأعداء الكيان التقليديين وأولهم مصر باعتبارها القوة الأقرب والأكثر تأثيراً في معادلة الصراع بحُكم الموقع ومعطياتِ القدرة الشاملة، وعندما يتحدث عما وصفه بنجاحاتٍ في الحرب الدائرة بمنع وصول السلاح إلى إيران وإلى حزب الله (لبنان) وبالكشف عن نفقٍ للحزب شمال الأراضي المحتلة..

وعندما تَجيءُ هذه التصريحات في توقيتٍ يدرك معه حتى السُذَّج أنَّ ميزانَ القوةِ اليوم هو وأكثر من أيَّ وقتٍ مضى في صالح قوى المواجهة المباشرة مصر ولبنان شعباً و جيشاً و مقاومةً ، وسورية الآخذة بالتعافي من آثارِ حربٍ مدمِرةٍ نراها تضع أوزارها و ونراه يميل أكثر لصالحِ إيران التي يتحدث عنها مباشرة نتنياهو، وقد صارت تملكُ قدراتِ التصنيع المحلي للسلاح، وترسانةً صاروخيةً هجوميةً هائلةً قادرة على الوصول إلى قلب كيان الاحتلال، وفتحَ أمامها ما غُلق عمداً من أبواب الوصول إلى ما تحتاجه من سلاحٍ لا تنتجه ، وهو ما تشهد به من صفقاتٌ لطائراتٍ مقاتلةٍ ونوعياتٌ جديدةٌ من الصواريخ الدفاعية .

عندما نرى كل تلك المتناقضات بين معطياتِ الواقع وأوهامِ النتن، لابدَّ لنا من أنْ نفهم كيف صار الكيان مرتعشاً مرتعداً ولحد الاندفاع إلى الجهر بخُرَفِ القولِ في شأنٍ جليٍّ وواضحٍ..

تكشف تصريحات رئيس وزراء الكيان الكثير عما يدور في أروقة الحكم وأقبية الاستخبارات لديهم، فمن ناحيةٍ يريد رؤوس عصابة الاحتلال بتل أبيب طمأنة الداخل (مستعمري المغتصبات) إلى أنَّ أوضاعهم ومستقبل وجودهم على الأرض لم يزلْ آمناً، وأنَّ جيش العدوان ما زال قادراً على ضمان الخروج من مغامرةٍ عسكريةٍ منتصراً.

وتفضحُ التصريحاتُ أكثر أنَّ هذا الكيان الهزيل وقد أفزعتْهُ معطيات القوة الجديدة في المنطقة، سيسعى بالضرورة وبحتمية حرصه على البقاء إلى إعادةِ الميزان لصالحِهِ وهو ما لا يمكن أن يتأتى له إلا بجرِّ كل قوة مَهدِّدة لوجوده إلى حروبٍ منفصلةٍ لا يواجه فيها هذه القوة القادرة على الرد الموجع الساحق والمدمر منفرداً وإنَّما بمشاركةٍ أوسع وأكبر وأشمل من القوى الرئيسية المحركة التي أوجدته (الحلفاء) وأعوانهم الإقليميين.. ووفق تقديراتِ الموقف يتصور العدو أن الانفراد بواحدةٍ من مصادر التهديد هذه في حربٍ واسعةٍ كتلك، سيَحُدُّ من قدرتها على إلحاق أذىً مدمرٍ به وسينقل المعركة إلى قلبِ أرضِ مصدرِ التهديد وهذا ما يملكه المعسكر الغربي الذي يحتفظ بالتفوق الأشمل عسكرياً وتكنولوجياً والأكبر اقتصادياً.

ولننظر إلى الحقائق القائمة اليوم وكلها في غَير صالحِ العدو إذ تخطتْ سورية منعطفَ الاختبارِ الأقسى في تاريخها، وصار ممكناً لها لملمة عناصرَ القوة وحشدها لتكون من جديد قادرةً على التصدي للعدوان وربما المبادأة لردعه، وتخلص جيش مصر من وهن فرضَهُ عليه كنزهم الاستراتيجي مبارك لثلاثة عقود وأكثر وأخذ بالبناء والتحول منتزعاً أسبابَ القوة كلها في سرعةٍ مذهلةٍ.. مستعيداً لتوازنه النوعي مع جيش العدو في القدرات التقليدية إلى مستوى التعادل الذي كان قائماً حتى ما قبل أكتوبر 1981 وتجاوز فيه ثقلَ القوةِ المصرية عتاداً وتسليحاً وتدريباً وتعداداً كل ما كان له من قدر في مواجهة العدو بأيَّ وقتٍ مضى، والأخطر عند العدو أنَّه صار عاجزاً حتى عن مواجهةِ حزب الله من دون أنْ يُمنى بخسائرٍ موجعةٍ معتبرةٍ..

وعليه أقول: باتت كل المعطيات تُفيد بأنَّه حال شهدت السياسة الإقليمية في محيطِ مراكزِ القوة والتأثير، تغييراً يجمع كل مصادرِ التهديد للعدو، حتى مع خصم القوة العراقية المشتتة بالداخل والقدرة المالية الخليجية التي لا تبارك مواجهةً مع العدو الأساسي وتفضل استبدال عداوته بمعاداةِ من يقفون لمقاومته، "الأخ" الإيراني والأشقاء اليمني والسوري واللبناني، فإنَّ العدو سيخسر معركته الأخيرة وتُكتب نهايته، وهذه المعطيات يدركها العدو على ما يبدو بأكثر مما تدركها أنظمتنا..

فإذا ما وضعنا أنفسنا بموضعِ مراكزَ التفكير وصُنعَ القرارِ للعدو المرتعب.. سنجدُ بأنَّه وصل إلى قرارٍ واحدٍ "هو" التعجيل بحربٍ خاطفةٍ يستغل فيها أوضاعاً سياسيةً ومواقفً تبدو آنياً في صالحه وتلوح في الأفق القريب فرصَ تحولها وتغيرها لتكون ضده..

الحربُ العدوانية ُالجديدةُ القادمةُ للكيان الصهيوني لن يخرجَ مسرحُ عمليات مرحلتها الأولى عن سوريا ولبنان، وهو يأمل بمواجهة رداً محدوداً بالأراضي المحتلة، يسحبه على إيران ليحشد في مواجهتها القوى الغربية والإقليمية التي تنتظر رفع هذه الراية الزائفة لتهاجم البلاد الثلاثة.. على أمل إخراج سوريا ولبنان من معادلةِ القوة، واستخدام القوة الأشد فتكاً وتدميراً وهي لن تكون فقط تقليدية لإخراج إيران هذا البلد القوي في المنطقة من المعادلة حتى لو على حساب أرواحَ ملايين الضحايا، وحتى إن خسر المعسكر الصهيوني الغربي كله بدوره ملايين الأرواح.

في هذا التصور الحسابي الخائب لمسائل الحروب كما تعود الغرب من سايجون إلى بيونج يانج وما قبلها في بورسعيد والسويس وسيناء وفي لبنان، هو لا يعطي تقويماً لمعطياتِ القوة الأصلية من الحق والعدل والحضارة والأصل والجذور.. فهذه معطياتٌ لا يفهمها لقطاءُ التاريخ، ولهذا يعتقد معسكر الأعداء أنَّ الأمورَ ستُفضي بهم إلى انتصارٍ حاسمٍ يتفرغون بعده لمصر، فلماذا يتركونها تُراكم أسباب القوة لتتعاظم لتصبح بمفردها قادرة حتى على صد العدوان وليس تهديد وجود العدو.. وإلى حين يواجهونها فحربهم عليها قائمةً من منابع النيل إلى سيناء إلى حلايب وإلى مطروح !!

تقول الدراسات الاستراتيجية للعدو ومن ورائه بأنَّ إخراج مِصر من ساحة المواجهةِ هو الهدف الأساسي النهائي الذي بالوصول إليه يصبح للكيان وجوداً مستقراً آمناً لا ينازعه فيه أحد.. هم يتصورون أنَّ بوسعهم هزيمةَ أمةً أصيلةً كأمتنا وبلادَ كل الحضارات الأصلية الأصيلة التي أسسها البشر..

وأخيراً لا يُحرضُ الأعداءَ على العدوان ولا يُصورُ لهم قدرةً على هزيمتنا واستعبادنا إلا فرقة لا تجوز بين أقطاب قوة المواجهة، وفي ذلك أقول بأن الذي يعادي إيران في منطقتنا والذين يجلسون في صمتٍ بانتظارِ عدواناً على دمشق وبيروت وطهران، إنَّما هم لا يعادون إلا أنفسهم أوطانهم وشعوبهم.. وهم يسلبون الأمة أحدَ أهم عناصر قوتها.

شاءت أنظمتنا أم أبتْ تُحتم قواعد المواجهة لمن يسعى للبقاء والنصر توظيف كلَّ عناصر القوة الشاملة لمواجهة الخطر والتهديد الحقيقي القائم.. والذي لا شك فيه أن كل يوم تتعطل فيه مساع الحشد والتجميع لا يخدم سوى أهداف الأعداء.. أتمنى أن تصل الرسالة فيكون التحرك للوصل ما بين القاهرة وطهران وسوريا العروبة ولبنان المقاومة.

الحساب الوحيد الصحيح هو حساب المقاومة والتصدي والإعداد لمواجهة أخيرة هي لا ريب آتية، وحساباتنا في ذلك هي وبالتأكيد صائبة ومن ينكرها يرتكب الخطيئة الوطنية الأكبر بحق بلاده وبحق أمته، اللهم افتح بيننا وبينهم بالحق.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 10 + 10