كتب خالد رزق: "قناة السويس".. ملحمةُ شعبٍ طلب الحريّة ونالها

خاص عربي برس

2018.12.26 - 10:33
Facebook Share
طباعة

 تفاصيلُ عمليّة التأميم والعدوان الثلاثيّ على مصر

إنْ كان التاريخُ المصريّ ووجدانُ هذه الأمّة يحتفظُ ليومِ الثالث والعشرين من يوليو عام 1952 بذكرى الثورةِ المجيدةِ التي غيّرت مع نهارِ هذا اليوم البعيد وجهَ الحياةِ على أرضِنا المباركة، بقيمةٍ ومكانةٍ كنقطةِ تحوّلٍ مفصليّةٍ فارقةٍ انطلقت منها أمّتنا المصريّة تسعى وما تزلُ إلى اليومِ وراءَ مجدٍ تستحقّه.. فإنَّ النجاحَ الحقيقيّ والتتمّةَ الفعليّة لهذه الثورة والتأسيس العمليّ لجمهوريّتنا الأُولى كان من نصيبِ يومٍ آخر تلى هذا التاريخ بأربعِ سنواتٍ كاملةٍ وأيّامٍ ثلاثة..
فقبلَ 62 عاماً مضت، كان العالمُ على موعدٍ مع حدثٍ فارقٍ في تاريخ البشريّة ومن جديد، كانت مصرُ ما بعد ثورةِ يوليو التي ارتبطَ اسمها دوماً ومنذ نجاحِ حركة الضبّاط الأحرار في 23 من يوليو في السيطرةِ على مقاليد السلطة "بكلّ ما هو مؤثّر في عالم الخمسينيّات".. مسرحاً لهذا الحدث الذي لم يُدرِك أحدٌ حينها مدى تأثيراته على معادلة توازناتِ القوى العالميّة في بواكيرِ النصف الثاني من القرنِ الماضي، وهي التأثيرات التي استمرّت شواهدها إلى يومِنا هذا.
ففي يوم الخميس الموافق 26 من يوليو 1956 فاجأ الزعيمُ الراحلُ جمال عبد الناصر قائد الثورة المصريّة الجماهيرَ التي احتشدت لسماعِ خطابِهِ بميدان المنشية في الإسكندريّة بإعلانِ قرارِ تأميم قناة السويس..، نعم أّمّمَ ناصر قناةَ السويس، وفي كلماتٍ قُصار اهتزَّ العالم لسماعِها، أسدلَ الزعيمُ الثائرُ الستار على واحدٍ من أسوأ فصولِ التاريخِ المصريّ.
متى ولماذا اتّخذ عبد الناصر قراره؟؟ وهل فعلاً كان هذا القرارُ المصيريُّ من حيث ما ترتّب عليه من آثارٍ بلغت حدّ إعلان الحربِ على مصر -العدوان الثلاثيّ- حيويّاً ومهمّاً بالنسبةِ لمصر؟؟ كيف تمَّ تنفيذُ عمليّةِ التأميم؟؟ ومن شاركَ فيها ؟؟ وكيفَ أدارَ المصريّون المرفق الملاحيّ الذي هو بلا مبالغةٍ الأهمُّ على مستوى العالم؟؟ هذه التساؤلات هي بعضٌ ممّا تسجّله السطورُ الآتية:
خالد رزق :
(سرقةُ الدّمِ والمال)
رغم كلّ ما سدّدته مصر الخديويّة من أموالٍ أيّام سعيد باشا وإسماعيل باشا من تكاليف لشقِّ القناة وما دفعته أيضاً من أموالٍ لإلغاء تسخيرِ المصريّينَ غير القانونيّ بالأساس في حفرِ القناة، وما دفعته بعدها حتّى تقبل الشركةُ بالتنازلِ عن حقٍّ أعطاه الخديوي سعيد في فرمان الامتياز بإعفاءِ وارداتِها من الرسومِ الجمركيّة ورغم كلِّ الأراضي التي قدّمتها مصر لشقِّ الممرِّ الملاحيّ نفسه وغيرها ممّا يحيطُ به من أراضٍ استولت عليها شركةُ قناة السويس، وقبل كلّ ذلك دماء ما يزيد عن 120 ألفاً من أبنائها قضوا وهم يحفرونَ بأياديهم العاريةِ من أيّة أدواتٍ تحت لهيب شمس صيف الصحراء وصقيع لياليها الشتويّة مجرى قناة البحرين وما أغلى من ذلك -خسارتها حريّتها واستقلالها لحسابِ مستعمرٍ بريطانيٍّ جشعٍ كريهٍ– رغم كلّ ذلك لم تحصل مصر على أيّةِ عوائد من قناتِها التي سلبها منها الغربُ الاستعماريّ مدّة 68عاماً كاملة أعقبت افتتاحها في 17 نوفمبر 1869 .
فالثابتُ أنَّ الحكومةَ المصريّة لم تتقاضَ أيّ أموال من الشركةِ العالميّة لقناةِ السويس البحريّة منذ افتتاحها إلّا بعد عامٍ واحدٍ على توقيعِ معاهدةِ الجلاء -36 – ففي عام 1937 حصلت الحكومةُ المصريّةُ وللمرّةِ الأُولى منذ افتتاحِ القناة من الشركةِ على 300 ألفِ جنيهٍ فقط من أرباحِ القناةِ عن العامِ نفسه، وهو المبلغُ الثابتُ نفسه الذي ظلّت تحصلُ عليه حكومةُ مصر سنويّاً على مدى 12 عاماً تالية، إلى أنْ وقّعت بعدها في عام 1949 اتفاقيّةً مع الشركةِ، أقرّت فيه الأخيرةُ بسدادِ نسبة 7% من أرباحِها السنويّة، وهي الاتّفاقيّةُ التي استمرّت قائمةً إلى أنْ تمَّ تأميم القناة ولم تتجاوز جملةُ ما حصلت عليه مصر من عائداتِ القناة في 87 عاماً حتّى التأميم 16 مليونَ جنيهٍ، في حين أنَّ أرباحَ الشركة عام 1955 وحده كانت تقتربُ من 35 مليون جنيهٍ غير ما كانت تحصل عليه من عوائد استثمار احتياطاتها الماليّة في صناديقِ المالِ العالميّة.
)بلدنا للغرباء)
ولم تكن سرقة ونهب أموال المصريّين على بشاعتِها هي وحدها الجريمةُ التي اقترفتها شركةُ القناة ضدّ مصر وشعبها، ففي البداية كانت الشركةُ ورئيسُها الأوّل دليسبس هي من قدّمت العونَ للحملةِ الإنجليزيّة، ومكّنت بالخديعةِ قوّات بريطانيا من القضاءِ على الثائرِ المصريّ أحمد عرابي وجيشه لتحتلّ بذلك الوطن كلّه.
والثابت أنَّ ممارساتِ هذه الشركة ضدَّ المصريّينَ على أرضِ القناةِ كانت بالغةَ السوءِ، إذ عمدت الشركةُ إلى عدم توظيفِ المصريّينَ إلّا في أضيقِ الحدودِ، وغالباً كان لا يتمّ استخدامهم إلّا في أدنى الوظائف وحتّى القلّة القليلة من القباطنة والمتعلّمين التي كانت تقبلُ الشركةُ تعيينهم كانت تُفرّقُ في تعاملاتِها بينهم وبين نظرائِهم من الأجانب، وفي مدنِ القناة نفسها عزلت الشركةُ نفسها عن المصريّين فأقام موظّفوها وعمّالها الأجانب في أحياء حُظّر سكناها وحتّى التجوال فيها في بعضِ الحالات على أهلِ البلدِ كذلك استأثرت الشركةُ للأجانبِ من مستخدميها بأفضلِ الشواطئ والأنديةِ وحتّى دور العرضِ السينمائيّ والمقاهي ومتاجر السلع التي قصرت دخولها عليهم..، كما راحت تبيعُ حقّ الانتفاع بالأراضي الزراعيّة التي استولت عليها للمصريّينَ ولسنواتٍ محدّدةٍ بما لا يحقّق لهم الاستقرار ويجعلهم -وهم من يزرعوا الأراضي وينفقوا عليها- في حالةِ عوزٍ دائمٍ، والأسوأُ يُجبرهم على الرضوخِ لكلِّ مطالبِ الشركةِ التي احتفظت لنفسِها بحقّ فسخِ تعاقداتها معهم في أيِّ وقتٍ ومن دونِ إبداءِ أسباب!!
ولعلَّ تلك الظواهر التي كانت محلّ استهجانٍ من المصريّينَ الذين استوطنوا محافظات القناة هي التي دفعت إلى قيامِ حركاتِ مُقاومةٍ نضاليّةٍ مُسلّحة في محافظاتِ القناة منذ بواكير الاحتلال، كذلك أعطت الدافعَ لظهورِ نشاطِ الجمعيات الأهليّة المصريّة خاصّةً في الإسماعيليّة التي تأسّست بها جمعيّةٌ أهليّةٌ تعاونيّةٌ في بدايةِ القرن 19 أَنشأتْ عدداً من المشروعاتِ لخدمةِ المصريّينَ من بينها شاطئ –التعاون-، ودارٌ للسينما حملت الاسم نفسه وجمعيّةٌ استهلاكيّةٌ للسلعِ التموينيّة وأُخرى للأقمشة والسلع غير التموينيّة وكانت منافذُ الجمعيّةِ تبيعُ الأهالي كلّ شيءٍ بالتقسيط .
)عبد الناصر)
لم تكن الصورةُ السّابقةُ غائبةً أبداً عن ذهنِ جمال عبد الناصر قائدُ حركةِ الضبّاط الأحرار وما يتجاوزها أيضاً أنَّ كلّ التقرير التي كانت تصلهُ عبر استطلاعاتِ أجهزة الأمن الوليدة التي تشكّلت في أعقابِ قيام الثورة وما كان يصلها من معلوماتٍ من داخل الشركة نفسها كانت تؤكّدُ أنَّ الشركةَ تحوّلت إلى محفلٍ للجواسيس الغربيّين على مصر وثورتها وأنّها عمدت ومنذ اليوم الأوّل للثورةِ إلى إهمالِ المرفقِ الملاحيّ ووحدات القطر والإنقاذ التي كانت قد بدأت فعليّاً في التلفِ كما قلّصت من الميزانيّات الخاصّة بتطويرِ وتحديثِ المجرى بما يواكبُ التطوّر الحادث في أساطيل النقلِ البحريّ العالميّ وبحيث لا تجدُ الحكومة المصريّة عند حلولِ تاريخ انتهاء عقد امتياز قناة السويس في 1968 مفرّاً من تمديد فترةِ الامتياز مع الشركة، وهو الهدف الذي طالما سعت إليه بريطانيا وحلفاؤها منذ استيلائها على القناةِ، والذي عَجِزَت عن تحقيقه في 1910 عن طريقِ رئيس وزراء مصر الخائن بطرس غالي الذي اغتيلَ بسببِ سوءِ مسعاه .
عَلِمَ عبد الناصر بخطّة تعجيزِ الدولة المصريّة عن استلامِ وإدارة القناة التي ستكونُ قد خُرّبت تماماً إذا هو انتظرَ حلول نهاية فترة الامتياز الرسميّة، كذلك كان يرى الزعيم في وجودِ هذه الشركة وممارساتها ضدّ مصر وشعبها "انتقاصاً" من استقلالِ البلاد واستمراراً لنهب ثرواتِها فأضمر النيّة، ومنذ اليوم الأوّل لنجاح الثورة على استعادة القناةِ، وكان انتظاره لسنواتٍ أربع، هو فقط لانتقاءِ الوقت المناسب، فمن ناحيةٍ كانت بريطانيا التي وقّعت مع مصر عام 1954 اتفاقيّةً للجلاءِ لم تزل تحتفظ بقوّاتٍ لها في القناة ولم تتمّ إجلاء قوّاتها إلّا في 18 يونيو من عام 1956.
وكان المنطقُ يقولُ إنَّ تنفيذ التأميم في وجودِ القوّات البريطانيّة سينتهي إلى فشلٍ مُحتّم، وعمليّاً كان يريد عبد الناصر أوّلاً أن يدرس ويحلّل هو التبعات المتوقّعة على المستوى الدوليّ حال اتّخاذه مثل هذا القرار، كذلك كان يسعى لأنْ يتعرّف العددُ المحدود من الخبراء والرجال الذين كلّفهم بدراسةِ القناة ونظمِ إدارتها وتعاملاتها الماليّة كلّ ما يلزم من معلوماتٍ بما يكفل بعد ذلك للمصريّين النجاح في إدارةِ المرفق.
ولعلَّ الأسباب السابقة تحملُ تفسيراً مناسباً لمن قالوا إنَّ قرارَ التأميم الذي اتّخذه عبد الناصر كان مجرّد ردٍّ انفعاليّ وغير محسوبٍ على سحبِ البنك الدوليّ بإيعازٍ من الولاياتِ المتّحدة وبريطانيا عرضه لتمويلِ مشروع بناء السدّ العالي بمبلغ 400 مليون جنيه وعلى إعلان الخارجيّة الأمريكيّة في 19 يوليو عام 1956 قبل خمسة أيّامٍ على صدورِ قرارِ التأميم عدم رغبته الولايات المتّحدة في تمويلِ مشروعِ بناء السدّ الذي سبق ووافقت على تمويله بحجّة أنَّ الاقتصادَ المصريّ ضعيفٌ، وأنّه ينبغي على مصر أوّلاً التشاور مع جاراتها الإفريقيّة قبل تنفيذه.
فصحيحٌ أنَّ عبد الناصر نفسه أشارَ في خطابِ التأميم بعد 7 أيّامٍ فقط على بيان الخارجيّة الأمريكيّة إلى أنَّ الإنفاقَ على بناء السدّ، هو أحدُ أسباب التأميم، إلّا أنّه صحيحٌ أيضاً أنَّ خطّة التأميم كانت قد صِيغت وأصبحت جاهزةً للتنفيذِ قبلَ وقتٍ طويلٍ جدّاً على ذلك خاصّةً أنَّ العائقَ الوحيد أمامَ تنفيذها وهو الوجود العسكريّ البريطانيّ على أرضِ مصر كان قد اقتلعَ قبلَ ما يزيدُ عن شهرٍ على سحبِ البنك الدوليّ والولايات المتّحدة عروض تمويل السدّ والثابت أنَّ ناصرَ كان سيُؤمّم القناة في كلّ الأحوال فهي بالأساس حقٌّ مصريٌّ استلبه الاستعمار وبقاء أوضاع الشركة يعنى انتقاصاً غير مقبولٍ من السيادةِ الوطنيّة، وهي الأمور التي ركّز عليها عبد الناصر في خطابِ التأميم الذي حُكيَ فيه قصّة الثورة مع الغربِ وعرض خلاله لمؤامرةِ الاستيلاء على القناةِ بكلّ وضوح.. والأكيد أنَّ كلّ ما قيلَ بشأنِ رفض تمويل السدّ لم يكن أكثر من ذريعةٍ انتهزها عبد الناصر لإعلانِ قرارٍ كانَ آخِذَه في كلّ الأحوال.
)القناة مصريّة)
وأخيراً جاء يومُ 26 من يوليو عام 1956، وقف عبد الناصر خاطباً في أبناء مصر بميدان المنشيّة في الإسكندريّة ولم يكن هؤلاء المجتمعون في الميدان وحدهم ولا حتى ملايين المصريّين الملتفّين لسماع الخطابِ عبر الإذاعات في أنحاء مصر هم وحدهم من يَشخصون الأسماع انتظاراً لِمَا سيقوله زعيمُ ثورة مصر، وإنّما كان هناك المئات أيضاً من قادةِ الغرب وأجهزة مخابراتِهم يرهفون السمعَ انتظاراً لِمَا سيُعلنه ناصر فقد كانَ قد توعّد قبلَ هذا الخطاب بيومين بالردِّ على البيان التحريضيّ الذي أصدرته الخارجيّة الأمريكيّة بشأنِ مشروعِ السد.
بدأ جمال خطابه بكلماتٍ حادّة حولَ استغلال الاستعمارِ لمصر وكيف أنَّ الثورةَ كافحت منذ قيامِها للخلاصِ من آثارِ هذا الماضي البغيض ومضى قائلاً: "اليوم ونحن نتّجه للمستقبل نعتمدُ على الله وعلى أنفسِنا وعلى قوّتنا لتحقيقِ أهداف الثورة التي جاهد من أجلها الآباء والأجداد نحن نشعر بأنّنا سننتصرُ لنثبتَ مبادئ العزّة والكرامة ولنقيم دولة مستقلّة استقلالاً سياسيّاً واقتصاديّاً حقيقيّا".
وتابعَ قائلاً: "إنَّ أمامنا معارك طويلة سنخوضُها لنعيش أحراراً، وسنعمل على تثبيتِ العزّة والكرامة ووضعنا مبادئ ننادي بها في العالم من أجلِ حريّةِ الإنسان وكرامة الإنسان هذه المعركةُ التي نخوضُها لم تنتهِ، فيجب أنْ نكونَ على حذرٍ من ألاعيب الاستعمار وأعوانه".
وراحَ عبد الناصر يشرحُ في خطابِه كيف غرسَ الاستعمار إسرائيل في قلبِ الوطن العربيّ، وكيف وضع الغرب شروطاً تنتقصُ من الاستقلالِ ليوافق على تزويدِ جيش مصر بسلاحِ تشتريه!!
وكيفَ اشترت مصر سلاحاً بلا شروطٍ من روسيا وتشيكوسلوفاكيا، ثمَّ كيف تلاعب البنك الدوليّ والغرب بآمالِ مصر في بناءِ السدّ، وربطوا التمويلَ بعدم تعاقدِ مصر على سلاحٍ شرقيّ!!
ثمَّ انتقل عبد الناصر في خطابه للحديث عن قناةِ السويس مستعرِضاً مأساة شعب مصر معها منذ وصول دليسبس إلى مصر حتّى انتهاء حفرها واستيلاء الغرب عليها ثمّ احتلالِهِ مصر كلّها .
ويصلُ عبد الناصر إلى نقطة التفجير في خطابه أنّنا سنحصلُ على حقوقِنا المُغتصَبة، وسنبنى السدّ العالي.. إنَّ الدول الاستعماريّة تريدُ أنْ تُعاقب مصر لأنّها رفضت التكتّلات العسكريّة ونادت بالسلامِ وحقوق الإنسان وبمبادئ الأُمم المتّحدة، إنّنا سنقاتل لآخر قطرة من دمائنا في سبيل بلادنا، في سبيل مصر ولن نمكّن تجّار الحروب والمستعمرين منّا، إنّنا أغنياء وقد كنّا متهاونين في حقوقِنا ولكنّنا سنستردّها ولذلك وقّعت اليوم ووافقت الحكومة على قرارٍ بتأميمِ شركة قناة السويس العالميّة شركة مُساهمة مصريّة .
ويتلوا عبد الناصر نصّ القرار "باسم الشعب يقرّر رئيس الجمهوريّة" مادّة واحد: تؤمّم الشركةُ العالميّة لقناة السويس البحريّة شركة مساهمة مصريّة وتنتقلُ للدولة جميع ما لها من أموالٍ وحقوقٍ وما عليها من التزامات"، ويمضى عبد الناصر إلى أنْ يقولَ والآن يتّجه أخوة منكم من أبناء مصر لإدارة القناة الآن، وفي هذه اللّحظة يتسلّمون شركة القناة المصريّة ويديرونَ ملاحتها، وهي جزءٌ من مصر، نقومُ بهذا لنستعيد ماضينا ونبني العزّة والكرامة.

(دليسبس(
قبلَ أنْ نصلَ إلى تبعات هذا القرار وكيف استقبل محلّيّاً وعالميّاً من المهمّ أنْ نعرّج إلى كيف تمّ تنفيذ القرار عمليّاً..
في شهادته التي سجّلتها عنه للتاريخ ذكر لي الراحلُ المهندس مشهور أحمد مشهور أحد أوائل رجال مصر في القناة المُؤمّمة، وثالث من تولّى رئاستها أنًّ عمليّة التأميم كانت بالغةَ السريّة، فلم يعرف بها قبل إعلان القرار سوى الرئيس عبد الناصر وعددٌ محدودٌ ممّن تمّ تكليفهم بدراسةِ الأمر والإعداد لإدارةِ القناة بعد تأميمها حتّى أنَّ بعض من شاركوا في العمليّة ممّن أُسنِدت لهم مهام استلام مقارّ الشركة في مدنِ القناة الثلاث لم يعلموا شيئاً عن حقيقةِ المهمّة التي كلّفوا بها وإنّما توجّهوا لمواقع التمركزاتِ التي تجمّعوا فيها لسماع خطاب الرئيس من دونِ معرفةٍ مسبقةٍ بأنّهم سيشاركون في التحفّظ على مقارّ الشركة التي كان الرئيسُ سيعلن تأميمها في خطابه، وأكّد أنّه فقط عقب ترديد الرئيس في خطابه اسم دليسبس عَلِمَ الجميعُ بما هم مُقدِمون عليه وتوجّهت الفرق المكلّفة بالعمليّة التي كان يقودها في الإسماعيليّة المهندس محمود يونس ثاني رئيسٍ للهيئة إلى المبنى الرئيسيّ لهيئة القناة، كما توجّهت في الوقت نفسه فرقتا التأميم في بورسعيد وبور توفيق إلى مقارّ الشركة وتمكّنت من السيطرةِ عليها في عمليّةٍ خاطفةٍ اتّسمت بالهدوء.
وقال إنّه بمجرّد انتهاء الرئيس من إلقاء خطابه تجمّع المئاتُ من أهالي الإسماعيليّة مدفوعين بمشاعر الوطنيّة حول مبنى القناة لتأمين مجموعةِ التأميم التي خافوا من تعرّض أفرادِها لسوء بطريقةٍ ما، خاصّةً أنَّ ذاكرة أبناء الإسماعيليّة كانت لم تزل محتفظةً بالذكرى الأليمة لمعركةِ الشرطة التي جرت في يناير 1952 بالشارع نفسه الذي كان يوجد به مبنى إدارة القناة.
وقال الراحلُ مشهور أحمد مشهور في شهادته إنَّ المجموعةَ الرئيسيّة التي تولّت إدارة المرفق في أعقابِ تأميم القناة كانت تضمُّ كلاً من الدكتور حلمي بهجت بدوي أوّل من تولّى رئاسة الهيئة والمهندس إبراهيم زكي وبدوي إبراهيم حمودة وأحمد نبيه يونس ومحمد توفيق سكر وبرهان سعيد ومحمد علي الغتيت والمهندس محمد أحمد سليم ومحمود سامي والدكتور مصطفي الحفناوي والدكتور محمد عبد البقي القشيري، وهؤلاء تشكّل منهم أوّل مجلس لإدارة الهيئة برئاسة حلمي بهجت، وتولّى المهندس محمود يونس موقع نائب الرئيس والعضو المنتدب للشركة، وكانا من بين عناصر المجموعة الرئيسيّة التي تولّت إدارة المرفق من النواحي التنفيذيّة والعمليّاتيّة وأسندت لهما مهام التعرّف على كاملِ وأدقِّ تفاصيل نظم إدارة حركة المِلاحة والتعاملات الماليّة وكلاً من المهندس مشهور نفسه ورفيق دربه المهندس محمد عزت عادل رابع مصري تولّى رئاسةَ الهيئة .
وأضاف كنّا على علمٍ تامٍّ منذ نفّذنا قرار التأميم بأنَّ العمليّة هي في بدايتها ونجاحها من عدمه سيحدّده أداؤنا وقدرتنا على الإدارة فيما بعد، ولكن ما أريد التأكيد عليه أنَّ حالة المرفق يوم التأميم والمعدّات المتهالكة التي وجدناها أثبتت صواب قرار الرئيس عمليّاً فالشركةُ كانت تعملُ بالفعل على تخريبِ كلّ مقوّمات العمل بالقناة.
)رجال الوطن)
وقال من المهمّ هنا أنْ أسجّلَ –وللتاريخ- أنَّ الحسَّ الوطنيّ العالي لرجال التأميم ومشاعر الثقة الكبيرة التي منحها جمال عبد الناصر لمجموعة العمل كانت وراء النجاح المُبهِر للمصريّين وغير المتوقّع عالميّاً في إدارةِ قناة السويس.
وأضاف: كانت مجموعة أعلنت صالحَ الوطن فوق كلِّ شيءٍ، ويكفي أنْ أُخبركَ أنَّ هذه المجموعة بعد نجاح التأميم وجدت أنَّ الوضعَ الاقتصاديّ في محافظة الإسماعيليّة محلّ المركز الرئيسي لإدارة القناة بالغ الصعوبة، وأنَّ أعدادَ المتعطّلين كانت كبيرةً جدّاً مقارنة ببورسعيد والسويس؛ لأنَّ المدينتين الأُخريَين كانت لديهما موانئ تسمح بتشغيلِ سكّانها، أمّا الإسماعيليّة فلم يكن بمدينتها أيّ فرصةٍ للعمل المهمّ أمام هذا الوضع المُذري اتّفقنا –مجموعة التأميم– على تأسيسِ عددٍ من الشّركات في الإسماعيليّة يرتبطُ عملها باحتياجاتِ القناة بما يسمح لها بالاستمراريّة ويُتيحُ في الوقت ذاته فرصاً لتشغيل أبناء المدينة ومن خلال مدّخراتِنا المحدودة.
أسّسنا هذه الشركات التي استوعبت تقريباً كلّ المتعطّلين في المدينة، وبعدها بسنواتٍ طلبَ الرئيسُ ناصر تأميم هذه الشركات على أنْ يُردّ لكلّ واحدٍ منّا ما استثمره ووافقنا عن طيبِ خاطر ذلك أنَّ هدفنا في الأصل كان اجتماعيّ –تشغيل الناس- وليس الربح فكلّ منّا كان يشعرُ بأنَّ عمله في القناة هو كلّ ما يحتاجه في عالمه!!
(تأييد الأحرار ورفض الامبرياليّة)
نعود إلى تداعيات قرار تأميم قناة السويس.. كان لإعلانِ جمال عبد الناصر تأميم القناة صدى عالميّ فاقَ ما واكبَ أيّ حدثٍ منذ إعلان انتهاءِ الحرب العالميّة الثانيّة إذْ أشعلَ القرارُ فتيلَ قنبلة غضبٍ عارم في عواصم الدول الاستعماريّة التي لم تعتد من الدول الناميّة مواقف مناهضة وجهاراً على مسمعِ من العالم كلّه على النحو الذي فعلَ عبد الناصر، ففي إنجلترا قطعَ رئيسُ الوزراء أنتوني إيدن اجتماعاً دبلوماسيّاً مع ملك العراق الموجود في العاصمة البريطانيّة مساء 26 يوليو 1956 ليعقد اجتماعاً طارئاً لمجلسِ الوزراء يحضره رؤساءُ أركان حربِ القوّات البريطانيّة لتدارسِ ما جاء في خطابِ عبد الناصر عن التأميم وما يمكن لهم فعله بشأنِ ذلك، وينضمّ إليهم في الاجتماع نفسه سفيرا الولايات المتّحدة وفرنسا .
وفي اليوم التالي بدأت تتّضح معالمُ الأزمة، فوفقاً للتقارير الحكوميّة المُعلَنة أعطى إيدن صباح يوم 27 من يوليو 1956 تعليماتٍ لقيادةِ هيئة الأركان المُشترَكة بإعدادِ خطّةٍ عسكريّةٍ للهجوم على مصر تستهدفُ في مرحلتها الأُولى إعادة احتلالِ قناة السويس، وفي صباح اليوم نفسه أصدرَ تعليماتٍ بتجميدِ كلّ الأرصدة المصريّة في بنوكِ إنجلترا، وهو الإجراء نفسه الذي قامت به فرنسا، كما أرسل مذكّرةَ احتجاجٍ للحكومةِ المصريّة عبر سفارةِ بلاده بالقاهرة، وبعث إلى الرئيس الأمريكي أيزنهاور برقيّةً يطلبُ منه فيها التحالف مع بلادِهِ وفرنسا ضدّ مصر لإحباط عمليّة التأميم، والتي كانت تُعرّضُ مصالحَ الغرب للخطر بما فيها واردات النفط، كما قد يفيد منها عبد الناصر في الضغطِ على إسرائيل!!
كان العالمُ كلّه يعرفُ سلامة موقف مصر من الناحيةِ القانونيّة، وأنَّ أيّ محاولةٍ لعرضِ الأمر على المحاكمِ ستؤيّدُ حقّ مصر في اتّخاذ ما تراه من قراراتٍ بشأنِ شركة مساهمةٍ مصريّة، وهو التوصيفُ القانونيّ لشركة القناة منذ تأسيسها إضافة إلى أنَّ عبد الناصر ألزمَ مصر بكلّ ما على الشركةِ من واجباتٍ تجاه مساهميها، ولهذا كان الاتّجاه الأصيل لدى القوى الاستعماريّة ومنذ اللّحظة الأُولى لإعلانِ التأميم هو ضرب مصر وتجربتها التحرّريّة التي إنْ تركت ستصيرُ نموذجاً للدول التي كانت لم تزل تحت الاستعمار .
وفي اليوم الأوّل من شهر أغسطس وصلَ إلى لندن وزيرُ خارجيّة الولايات المتّحدة جون فوستر دالاس لعقد اجتماعٍ مع نظيريه البريطانيّ والفرنسيّ للخروج بتوصياتٍ للتعامل مع الأزمةِ لم يستبعد منها اللّجوء للخيارِ العسكريّ، وفي اليوم التالي أعلنت كلٌّ من فرنسا وبريطانيا أنّهما حرّكتا وحداتٍ من أسطوليهما تجاه شرق المتوسط !!
وبعدها بيومٍ واحد يُصدرُ بيانٌ ثلاثيّ عن وزراء خارجيّة الدول الثلاث يُؤكّدون فيه أنَّ قرارَ التأميم يهدّد حريّة المِلاحة بالقناة، ويجب اتّخاذ تدابير لوضعِ إدارة القناة تحت إشرافٍ دوليٍّ، ويدعونَ فيه 24 دولةً بحريّةً لحضورِ مؤتمرٍ دوليٍّ يُعقدُ في لندن يوم 16 أغسطس لبلوَرَة موقفٍ موحّدٍ من الأزمة!!
وقد استجابت كلُّ الدولِ التي وُجّهت إليها الدعوة لحضور المؤتمرِ باستثناء اليونان التي كان شيئاً ما أكبر من المصالحِ والعلاقاتِ بين الدول يربطُ بين شعبها والشعب المصريّ، وهو ما تأكّدَ عمليّاً في مرحلةٍ لاحقة.
وعلى جانبٍ آخر حَظِيَ قرارُ عبد الناصر بتأييدٍ شعبيٍّ عربيٍّ عام لم يخرج عنه أيُّ نظامٍ سياسيٍّ في المنطقةِ العربيّة، كما أعلنت 23 دولةً غير عربيّةٍ تأييدها لقرارِ التأميم ودعمها لموقفِ مصر في مقدّمتها الاتّحاد السوفيتيّ واليونان والهند ويوغوسلافيا ورومانيا وإندونيسيا وباكستان والصين وفيتنام وبولونيا وسيلان .
وفي مؤتمر لندن، فَشِلَت بريطانيا في تسويقِ مشروعها المُشترك مع فرنسا والولايات المتّحدة لتدويلِ القناةِ، وتقدّمت الهند باقتراحاتٍ جديدةٍ كمبادئ طلبت أنْ يتبنّاها المؤتمرُ، وكانت تؤكّدُ سيادة مصر على قناتها مع كفالتها لحريّةِ الملاحةِ وتتضمّن إشارةً إلى ضرورةِ إعادة النظرِ في اتّفاقيّةِ القسطنطينيّة ، وقد حَظِيَ إعلانُ المبادئ الهنديّ بتأييدٍ واسعِ النطاق من ممثّلي الدول، وبدا أنَّ مصرَ قد توافقُ عليه فتضيع الخططُ الغربيّة للعدوانِ، فعارضت بريطانيا وفرنسا والولايات المتّحدة وبكلِّ صلابةٍ المقترحات الهنديّة، وفَشِلَ المُؤتمرونَ في الوصولِ إلى اتّفاقٍ، وجرى التصويتُ على المشروعين الهنديّ والأمريكيّ، فحاز الأخيرُ على الأغلبيّة وإنْ كانت كلّ الدول التي وافقت عليه من حيث المبدأ أظهرت تحفّظاتٍ .
وتشكّلت لجنةٌ برئاسةِ رئيس وزراء أستراليا روبرت منديس؛ لنقل مشروعِ القرار الأمريكيّ إلى الحكومة المصريّة، ووصل منديس إلى القاهرة، والتقى عبد الناصر، ورجع خائباً من دونِ أنْ ينجحَ في مسعاه، وبعدها يعرض جون فوستر دالاس مقترحاً جديداً بتأسيسِ جمعيّةٍ من هيئة المنتفعينَ بالقناة تتولّى إدارة المرفق وتحصل الرسوم وتكونُ كلّ عرقلةٍ من جانبِ الحكومة المصريّة لعملها بمثابةِ خرقٍ لاتّفاقيّة القسطنطينيّة!! وحَظِيَ الاقتراحُ الأخيرُ بسخطٍ واستهجانٍ عالميّين .
(مؤامرة الانسحاب)
منذ إعلان قرار التأميم كان الرئيسُ عبد الناصر يعلم تماماً بإمكانيّةِ انسحاب العاملين الأجانب من العمل بالقناةِ لتوريطِ مصر ورجال التأميم في ما اعتقدوا أنَّ لا قبل لهم به "إدارة حركة الملاحة بالقناة" ولهذا كان التكليفُ الرئيسيّ للمهندس محمود يونس والمهندس عزت عادل بالتفرّغِ تماماً لدراسةِ نظام العمل وطبيعة حركة الملاحة ومعدّلات عبور السفنِ ومواقيت الإبحار والجداول الزمنيّة المحدّدة لقوافل عبور السفن.
واتّساقاً مع الدراسةِ السابقة تمَّ إلحاق 68 مرشداً مصريّاً للعملِ بهيئة القناة في الأيّامِ الأُولى للتأميم وجرت عمليّةُ تدريبٍ مُكثّفٍ لهم على إرشادِ السفن لقطاعاتٍ جزئيّةٍ من القناةِ بدلاً من النظام القديم إرشاد لكاملِ رحلةِ عبور السفن في القناة، وبهذا اكتسبَ كلّ واحدٍ من الجددِ خبرةً سريعةً بالإبحارِ في القطاع الذي تدرّب عليه من القناة.. وهي مجرى مِلاحيّ ضيّق يتطلّبُ الإبحار فيه بالنظر إلى أحجامِ السفن وأبعاده ومناطق المنحنيات فيه دقّةً ومهارةً وخبرةً ليسوا من الحاجاتِ العائمة للإبحارِ في البحار المفتوحة.
ومع نهايةِ شهرِ أغسطس كما يقولُ المهندس محمد عزت عادل رئيس هيئة القناة السابق وصاحب ملحمة تطوير المجرى الملاحيّ في شهادته للتاريخ: "بات واضحاً أنَّ ما ذهب إليه تفكير عبد الناصر وما توقّعناه وعملنا على تلافيه منذ البدايةِ كان صحيحاً، إذ انقطع عن العمل ومن دون أسبابٍ ما يزيدُ عن 50 مرشداً جميعهم من الفرنسيّين والإنجليز، وسرعان ما بدأت رائحةُ المؤامرةِ في الانتشار، إذ كانت تصلنا معلوماتٌ عن اجتماعاتٍ سرّيّةٍ لمجموعاتٍ من المرشدينَ والعاملين الأجانب تدورُ فيها الأحاديثُ عن الإضرابِ أو الانسحابِ من العمل، ولكن ما لم يكن هؤلاء يعرفونه أنّنا بتنا جاهزين تماماً للتعامل مع موقفٍ نُدرِكُ كلّ أبعاده مسبقاً، ولم يكن أيّ منهم يدرى أنَّ هذه كانت فرصةً ننتظرها لنتخلّص من الأجانب ولنمصر المرفق.
وبحلولِ ليلةِ 14 سبتمبر 1956 أعلن 366 موظّفاً فنّيّاً و155 مرشداً امتناعِهم عن العملِ ورغبتهم في الاستقالةِ وكانت المُفاجَأة من نصيبهم عندما قبلنا استقالاتهم جميعاً.
وهكذا لم يتبقَّ من المرشدين القدامى سوى 52 مرشداً، ومن الفنّيين والعمّال نحو 460، وكان هؤلاء جميعهم إمّا مصريّين أو يونانيّين رفضوا الاشتراكَ في المؤامرةِ على مصر.
ومع الساعات الأُولى لليوم التالي 15 سبتمبر كانت الإدارة المصريّة للمرفقِ على موعدٍ مع أوّل اختبارٍ حقيقيٍّ لقدرتِها، إذ توافدَ على مدخلي القناة 50 سفينةً وهو عددٌ لم يكن مسبوقاً لعبورِ السفن في يومٍ واحدٍ، وكانت أغلبها ترفع أعلامَ فرنسا وبريطانيا، وخذلهم الله وخذلتهم نوايا الرجال، فتمكّن العددُ القليل من المرشدينَ المصريّينَ واليونانيّينَ من إرشادِ كلّ السّفن وفي توقيتاتٍ قياسيّةٍ أذهلت خبراء المِلاحة حول العالم وهكذا اجتازت الإدارةُ المصريّة للقناة المؤامرة وأحالتها إلى نجاح .
)إيدن ودالاس .. لندن مجدّداً)
ومن جديد، عاد وزيرُ خارجيّة الولايات المتّحدة دالاس إلى بريطانيا في 19 نوفمبر 1956 حاملاً معه مقترحاتِهِ لتأسيسِ جمعيّةِ المنتفعينَ وآخر لمقاطعةِ قناة السويس، ومرّةً جديدةً انتهت أعمال المؤتمر إلى فشلٍ ذريعٍ، وأعلنت مصر رفضها لكلِّ ذلك على اعتبارِ أنَّ مشروع جمعيّة المُنتفعينَ يتعارضُ مع السيادةِ الوطنيّة والكرامة المصريّة غير أنَّ الاقتراحاتِ بالأساس تسعى إلى الإقرار بقيامِ كيانٍ غير شرعيٍّ باقتراحٍ ممّن لا يملكونَ الشرعيّة.
وإثرَ المؤتمر الفاشل الأخير الذي عقدته دولُ جمعيّة المنتفعينَ بلندن، واختتمَ أعماله في 5 أكتوبر 1956، بدأت بريطانيا وفرنسا في زيادةِ وتيرةِ الدفع بحشودِهما العسكريّة البحريّة إلى مناطقِ جنوب شرق البحر المتوسّط كتمهيدٍ لعمليّاتِ فتحٍ ميدانيّ وإنزالٍ بحريٍّ تقرّرَ تنفيذها ضمنَ خطّةِ العدوان العسكريّ على مصر، وتقدّم البلدان الاستعماريّان بمذكّرةِ احتجاجٍ ضدّ مصرَ في مجلسِ الأمن بهدفِ الحصولِ على غطاءٍ شرعيٍّ من الأُمم المتّحدة لغزوِ مصر، وعقد المجلسُ اجتماعه في اليومِ نفسه بحضورِ مصر، وهكذا دارت وللمرّةِ الأُولى مناقشاتٍ جدّيّةٍ بمشاركةِ الدكتور محمد فوزي وزير خارجيّة مصر الذي عرضَ موقفَ مصر كاملاً، ودارت مشاوراتٌ بمشاركةٍ روسيّةٍ، إلّا أنَّ مندوبا بريطانيا وفرنسا عادا للحديثِ عن توصياتِ مؤتمرِ لندن وبالطبع رفضت مصر ذلك، وتحدّدَ يوم 29 من أكتوبر لإجراءِ جولةٍ جديدةٍ من المفاوضات بمقرِّ الأُمم المتّحدة في جنيف، ولكنَّ وزيري خارجيّة بريطانيا وفرنسا لم يحضرا، فقد كان العدُّ التنازليّ للحربِ قد اقتربَ من نهايته، ففي هذا اليوم نفّذت مُقاتلاتُ التحالف طلعاتٍ جويّةً استطلاعيّةً في سماءِ مصرَ وتصدّت لها الطائراتُ المصريّة .
)تحالفُ العدوان)
وفي مساءِ اليوم نفسه كانت المُفاجأةُ ظهور اللّاعب الأخير الأشدّ قذارةً (إسرائيل)، فلم يكن متوقّعاً أنْ تُشركها بريطانيا وفرنسا في الاعتداءِ على مصر، وسرعان ما بدأت خطّة الثلاثيّ القَذِر في التكشّف، إسرائيلُ تخترقُ الأراضي المصريّة في جبهةِ سيناء، والقوّات المصريّة تتصدّى لها، وهنا بريطانيا وفرنسا أصدرتا إنذاراً ثنائيّاً لمصرَ بوقفِ جميعِ العمليّاتِ العسكريّة وسحبِ جميعِ القوّات إلى مسافةِ 10 أميالٍ من قناة السويس، على أنْ تقبلَ مصر احتلال القوّات الإنجليزيّة والفرنسيّة للمواقعِ الرئيسيّة في محافظات القناة الثلاث، وأعطت الدول المُنذِرة مصر المدافعة عن أرضِها وإسرائيل المُعتديّة، والتي كانت دخلت إلى سيناء مهلةَ 12 ساعةً لتنفيذ ما جاء بالإنذارِ، أي كان على مصر أنْ تتركَ أرضها لإسرائيل وقناتها ومدن القناة للتحالفِ الفرنسيّ البريطانيّ!!
رفضت مصرُ الإنذارَ وبدأ العدوان الثلاثيّ رسميّاً في 31 أكتوبر 1956 ويتوجّه عبد الناصر إلى الجامعِ الأزهر لينالَ شرعيّة القائد المُقاتِل التي لم تمنح لقائدٍ مصريّ عبر التاريخ إلّا من الجامعِ نفسه، ويقف جمال خاطبا في جموع الشعب " لقد أعلنت باسمكم بالأمس أننا سنقاتل ولن نستسلم .. ولن نعيش عيشةً ذليلةً مهما كلّفنا الأمر ومهما استمروا في خطتهم العدوانيّة ."
واحتلّت أجزاءً محدودةً من بورسعيد بعد عمليّةِ إنزالٍ مشتركٍ للتحالف الانجلو فرنسي، كانت مُكلفةً لهم من حيث عددِ ما خسروه من أرواح، إذ إنَّ رجالَ المقاوَمةِ الشعبيّة حولوا إقامتهم إلى جحيمٍ مستعرٍ، فلم يتمكّنوا من تجاوزِ مواقع تمركزاتهم العسكريّة .
وفي تلك الأثناء يوجّه الاتّحاد السوفيتي رسائلَ ثلاث إلى الرئيسِ الأمريكيّ ورئيسي وزراء فرنسا وبريطانيا وإلى رئيس وزراء إسرائيل جاء فيها أنَّ الاتّحاد السوفيتي بعث بمذكّرةٍ إلى الأُمم المتّحدة يقترحُ فيها استخدامَ القوّة البحريّة والجويّة الروسيّة إلى جانب قوّاتٍ من دولٍ أُخرى لوقفِ الاعتداء على مصر، والذي يُهدّد بقيامِ حربٍ عالميّةٍ ثالثة!!
ومن جانبِها ندّدت الولايات المتّحدة بالعدوان الإسرائيليّ وتقدّمت بمشروعٍ لوقفِ إطلاق النار، وفي مساء يوم 6 نوفمبر أصدرَ مجلسُ الوزراء البريطانيّ قراراً بوقف العمليّاتِ العسكريّة.
وعلى الرغم من صدورِ قرارِ وقف إطلاق النار استمرّت عمليّاتُ المُقاوَمة، وأعلن الرئيسُ جمال عبد الناصر أنَّ مصرَ لن تقومَ بتطهير القناة، ولن تسمح بإعادةِ تشغيلها إلّا بعدَ انسحابِ آخر جنود قوّات العدوان من أراضيها، وهو ما حدث بعدها في أعقابِ الانسحابِ التامِّ لقوّاتِ العدوانِ عن بورسعيد في 23 من سبتمبر عام 1956 .
)حريّة)

وهكذا خرجت مصرُ من معركةِ التأميمِ مُحتفظةً بقناتِها، والأهمّ بكرامتها وعزّتها الوطنيّة، وصحيحٌ أنَّ بعضَ الخسائر لَحِقَت بها جرّاء هذا العدوان إلّا أنّهُ صحيحٌ كذلك أنّها خرجت من المعركةِ وكامل ترابها الوطنيّ وحتّى غزّة والعقبة التي كانت إسرائيلُ دخلتهما أُجبِرَت بصلابةِ الموقف المصريّ على الانسحابِ منهما من دونِ شروط.
وتمكّنت مصرُ من إعادةِ فتحِ القناةِ أمام الملاحةِ الدوليّة في 9 أبريل 1957 لتبدأ بعد ذلك ملاحمُ تطويرِ المجرى الملاحيّ للقناةِ التي توالت بعد ذلك على أُسسٍ من العلمِ والدّراساتِ الدقيقة، ونفّذت بالخبراتِ المُكتسبة لأبنائِها المصريّين الذين يعودُ الفضلُ في وجودِهم لقرارِ التأميم .
وأخيراً، فإنَّ مصرَ خرجت من تجربتِها مع تأميمِ القناة بانتصارٍ سياسيٍّ مُحقّق عزّزَ سيادتها الوطنيّة، وفي المقابل كان للحدثِ تأثيراتٌ هائلةٌ على الآخرين، وبكلِّ موضوعيّةٍ أسهم موقفُ مصر الثابت دفاعاً عن حقوقِها في فضحِ أغراضِ القوى الاستعماريّة واهتراءِ مواقفها، وألهب انتصار مصر في معركتِها من أجلِ الكرامة مشاعر العزّة الوطنيّة ونوازع الثورة في كلّ بلدانِ العالم التي كانت لم تزل ترزحُ تحت نيرِ الاستعمارِ، فاشتعلت الثوراتُ التي خرجت من رحمِ الثورةِ المصريّة الأمّ هنا وهناك فتحرّرت أُممٌ واستعادت شعوبٌ أوطانها وسيادتها.. ليتوارى دورُ المستعمرِ وتزول إمبراطوريّاتٌ سادت ذات يوم العالمَ بفضلِ شمسٍ أشرقت في أرضِ مصر فأعلنت زوالَ شمس إمبراطوريّةٍ لم تكن تغربُ عنها الشمسُ.
Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 8 + 7