كتب البروفيسور كمال ديب: هل الجزائر في خطر؟

خاص عربي برس

2019.01.17 - 06:07
Facebook Share
طباعة

 

في مطلع كانون الثاني/ يناير الجاري منعت السلطاتُ الجزائريّة عشراتِ السوريّينَ من دخولِ البلاد عبرَ حدودِها الجنوبيّة مع مالي والنيجر، وكشفت وكالاتُ أنباءٍ غربيّةٍ أنَّ سببَ المنع هو تسلّلُ عناصر سوريّة مسلّحة أتت من تركيا باستخدامِ جوازاتِ سفرٍ مزيّفةٍ، وتشكّل تهديداً أمنيّاً للجزائرِ التي عانت نفسها من حربٍ دمويّةٍ مع الجماعاتِ التكفيريّة في التسعينيّات.


ليست ضدَّ مواطنينَ سوريّين

ولقد حاولت المفوضيّة العليا للاجئين وضعَ اللّوم على الجزائرِ في عدم استقبالِ لاجئينَ تحتَ سقفِ القانون الإنسانيّ الدوليّ، ولكنَّ مسؤولَ الهجرةِ في وزارةِ الداخليّة الجزائريّة حسن قاسمي نفى اللّوم؛ لأنَّ السوريّينَ الذين يسعون إلى اللّجوءِ في الجزائر بهذه الطريقة من الحدودِ الجنوبيّة يُشتبَهُ بأنَّهم إسلاميّونَ متشدّدونَ وليسوا محلّ ترحيب. وحول سوريةَ أكّدَ "أنّنا استضفنا 50 ألفَ سوريٍّ في السنواتِ القليلةِ الماضيّة لأسبابٍ إنسانيّة"، مُشيراً إلى أنّه "لا يمكننا استقبال أعضاء جماعاتٍ مُسلّحة فارّينَ من سورية عندما يتعلّقُ الأمرُ بأمنِنا"، وأنَّ "نحو 100 شخصٍ وصلوا إلى الحدودِ الجنوبيّة بمساعدةِ مرافقينَ مسلّحينَ محلّيّينَ في الأسابيعِ القليلة الماضية، وقد جرى رصدُهم وطردهم بعد قليلٍ من تسلّلِهم إلى الجزائر، وأنّ هؤلاء السوريّينَ وصلوا عبرَ مطاراتٍ في تركيا أو الأردن أو مصر أو السودان أو النيجر أو مالي مستخدمينَ جوازات سفرٍ سودانيّة مزوّرة، وهذه -قطعاً- شبكةٌ إجراميّة ويتعيّنُ علينا أنْ نكونَ على أعلى درجةٍ من اليقظةِ كي لا نسمحَ لهم بدخولِ الجزائر".

 

والحقيقةُ أنّ هذا السياقَ بات عاديّاً؛ لأنَّ تركيا التي تحكمها اليوم جماعة الإخوان المسلمين بقيادةِ السيّء الذكر رجب طيب أردوغان هي النقطةُ المركزيّةُ لتجمّع الجهاديّة العالميّة وإيفاد المسلّحين التكفيريّينَ بالدرجةِ الأُولى نحو سورية التي تقعُ جنوبها ولكن عبر البحرِ المتوسّط أيضاً إلى ليبيا وتونس وفي مطلعِ هذا العام إلى الجزائر.


لا يُلدَغ المرءُ من العقربِ مرّتين 

لقد عانت الجزائرُ من حربٍ داميةٍ في تسعينيّاتِ القرن العشرين أسفرت عن مصرع 150 ألف شخصٍ، وانتهت الحربُ بانتصارٍ مُبين للدولةِ المدنيّةِ وهزيمة الجماعات التكفيريّة، وجرت حربٌ طويلةٌ في لبنان من العام 1975 إلى 1990 أسفرت عن مصرعِ 150 ألف شخصٍ أيضاً، ولكن لم ينتصر مفهومُ الدولةِ المدنيّة الذي كان غيابه سبباً من أسبابِ الحرب، بل طغت منذ 1990 صفقاتُ أمراءِ الحرب وحيتان المالِ الذين يحكمونَ لبنان اليوم.

 

ولكن هل نجت الجزائرُ تماماً من خطرِ الدوائرِ الاستعماريّة النَّشِطة في العالم العربيّ اليوم؟ في 11 تشرين الثاني الماضي 2017 أعلنَ رئيسُ الحكومةِ الجزائريّ أحمد أويحيى أنّ "بلداناً عربيّةً شقيقة" أنفقت 130 مليارَ دولار من أجلِ تدميرِ ليبيا واليمن وسورية". وتساءَل أويحيى أثناء جولةٍ انتخابيّةٍ في المدنِ الجزائريّة: "كيف سيكونُ حال الجزائرِ اليوم لو لم نتخلّص من المشاكل ولم ننجُ من كارثةِ الربيع العربيّ؟".

 

في تشرين الأوّل 2010 اندلعَ ما يُسمّى بـ"الربيع العربي" في تونس وامتدّ بسرعةٍ عام 2011 إلى مصرَ وليبيا وسورية واليمن والعراق، وهي دولٌ ذات أنظمةٍ مدنيّةٍ جمهوريّة، وتبيّنَ خلالَ أشهر أنّ أميركا ودولَ الغربِ بمساعدةِ عددٍ من الدولِ العربيّة تسعى إلى إقامةِ حكوماتٍ تُديرها جماعاتٌ دينيّةٌ إخوانيّةٌ وسلفيّة. فنجحَ هذا المسعى مؤقّتاً في مصرَ وتونس المقرّبتين من أميركا أصلاً، ولم ينجح بالسرعةِ المطلوبة في الدولِ الجمهوريّة الأُخرى، لا بل بدا مستحيلاً في الجزائر التي اختارت النأي بنفسِها، فكان لا بدَّ من الحربِ على ليبيا واليمن وسورية.


ابحث عن فرنسا

وكانت فرنسا رأس حربة حلف الناتو ضدَّ ليبيا عام 2011، والتي أُطلقَ عليها اسم "عمليّة رياح الجنوب "Le vent du sud وهو اسمٌ محبّبٌ للفرنسيّينَ ذكّرهم باستعمارِهم القديم للجزائر، وكان إسقاطُ ليبيا حلقةً من سلسلةٍ تطالُ الشمالَ الإفريقيّ وصولاً إلى "دول الساحل" (الصحراء الإفريقيّة الكبرى)، مالي وتشاد والنيجر، فوضعُ اليدِ على شمالِ إفريقيا كان ضروريّاً لأميركا للسيطرةِ على حقولِ الطاقة، وتوقيع شركة غازبروم الروسيّة عقوداً مع نيجيريا خلقَ حاجةً أميركيّةً للسيطرةِ على الجزائر وليبيا؛ فالجزائر بلدُ غازٍ ولكنّه أيضاً مفتاحُ عبورِ إفريقيا إلى أوروبا.

 

وكان لا بدَّ من وضعِ اليدِ –أيضاً- على مالي المجاورة، وهي بلدٌ فقيرٌ جنوب الجزائر، ففي مطلع 2012 أخذَ الرئيسُ الفرنسيّ فرنسوا هولاند يمارسُ الضغطَ على الجزائرِ لتشاركَ في حملةٍ عسكريّةٍ غربيّةٍ لوضعِ اليدِ على مالي، فرفضت الجزائرُ وقرّرت عدم المشاركةِ في مشاريعِ الاستعمارِ الجديد، وبعد عامٍ تقريباً، في 11 كانون الثاني 2013، قرّرَ هولاند بدءَ الحملةِ العسكريّة بقوّاتٍ فرنسيّةٍ ودعمٍ أميركيّ، فمرَّ الاحتلالُ الفرنسيّ – الأميركيّ لدولةِ مالي كأنّه حدثٌ عابر ولكنّه كان فقرةً مهمّةً في نهبِ ثرواتِ القارّةِ الإفريقيّة.

 

في حديثٍ في صحيفةِ نيويورك تايمز ذكرَ قائدٌ عسكريٌّ أميركيّ أنّ "الانقلابَ في مالي كان يجري التحضيرُ له منذ خمسِ سنوات (أي منذ العام 2007، عندما بدأ البنتاغون إعدادَ خططٍ لإسقاطِ عددٍ من الدولِ بينها سورية، وفق مذكّراتِ الجنرال وزلي كلارك)، مُشيراً إلى تدفّقِ السِّلاحِ الثقيلِ والمقاتلينَ من ليبيا إلى مالي، ولقد تعاونت فرنسا بشكلٍ وثيقٍ أكثر من أيِّ بلدٍ آخرَ في الاتّحادِ الأوروبيّ؛ لوضعِ اليد على العالمِ العربيّ وشمال إفريقيا، وجاءت ثمراتُ هذا التعاونِ الأميركيّ - الفرنسيّ في إفريقيا في غزوِ الناتو لليبيا واستعمالِ إرهابيي تنظيم القاعدة والسلفيّين، وفي إعادةِ السيناريو نفسه في مالي بعد شهورٍ قليلة (آذار 2012)، فيما هجمت جيوشُ المرتزقةِ التكفيريّة على سورية في الوقت نفسه.

 

والأساليبُ باتت معروفةً، إثارةُ النعراتِ في ليبيا ومالي بين مدنيّينَ وسلفيّينَ وبين عربٍ وبربر وأفارِقة، وبين تكفيريّينَ ومدنيّينَ في سورية وبين أكرادٍ وعربٍ ومسلمينَ ومسيحيّين في العراق (فرّق تَسُد).


استهدافُ الجزائر

لقد زارَ وزيرُ الخارجيّةِ الأميركي جون كيري الجزائرَ عام 2016 مباشرةً بعد جولةٍ أوروبيّةٍ قامَ بها تحتَ عنوان: (أمن الطاقة)، ولم يكن من سببٍ لزيارتِهِ الجزائر سوى دلالةٍ على أهميّةِ الغازِ الجزائريّ لأوروبا، وكذلك الإشارة إلى أهميّةِ المخزونِ غير المُكتَشفِ في المغرب، ولئن لم تُساير الجزائر خططَ باريس وواشنطن ونأت بنفسِها، فمنذ التدخّل العسكريّ الفرنسيّ في مالي تضاعفت موجاتُ النازحينَ الأفارقة إلى الجزائر، ولقد كشفت محطّة "روسيا اليوم" في صيفِ 2017 عن مخطّطٍ فرنسيٍّ - إسرائيليّ لإغراقِ الجزائر بموجاتٍ من المُهاجِرين الأفارقة تُجبرُ أعدادهم الكبيرة الحكومةَ الجزائريّة على توطينِهم على أراضيها، ووفق "روسيا اليوم" أيضاً، فإنّ مديرَ الخطّةِ، وهو ضابطٌ كبيرٌ فرنسيّ يُدعى جوزيف كليغري، يهدف إلى إغراق الجزائر بستة ملايين مهاجرٍ أفريقيّ خلالَ عشر سنوات، حيث يتولّى الجيشُ الفرنسيّ في مالي دفعهم شمالاً وتسهيل انتقالِهم نحو الأراضي الجزائريّة لمعاقبةِ الجزائر التي رفضت التنسيقَ مع فرنسا عسكريّاً في إفريقيا، كما عُوقِبَ لبنانُ لعدمِ المشاركةِ الفعّالةِ ضدَّ سورية، بدفعِ مليوني نازحٍ إلى أراضيه لتغييرِ ديمغرافيّته.

 

ومنذ 2012 أخذَ الإعلامُ الجزائريّ ينتقدُ الحروبَ التي يقودُها الجيش الفرنسيّ في بلدانِ الساحل الإفريقيّ خدمةً لمصالحِها الاقتصاديّة، وأنَّ فرنسا بعدما فَشِلَت في جرِّ الجيشِ الجزائريّ كـ"دركي" لحمايةِ مصالح فرنسا في الساحل، حيث تستغلُّ شركاتها مناجمَ اليورانيوم والثرواتِ الباطنيّة، تريدُ نقلَ ملايين الأفارقة إلى الجزائر.

 

والمشهدُ يتكشّفُ اليوم أنّ الجزائرَ ما تزالُ تحت رادار الخطر، فوجهةُ واشنطن النهائيّة هي تطويقُ الصين وروسيا شرقاً وقبل ذلك إيران، ولذلك أشعلت أميركا النيران في الدولِ العربيّة الجمهوريّة، وأسقطت ليبيا وتونس ومصر في شمال إفريقيا بعدما ضَمنَت ولاءَ المغرب وموريتانيا سابقاً، وهكذا حصّنت واشنطن ظهرها وهي تستعدُّ لتطويقِ إيران، ولكنَّ الجزائرَ استمرّت علامة فارِقة وراء ظهرِ أميركا التي تشخصُ ناظريها شرقاً، ما يعني أنّ هناك في واشنطن من يفكّرُ في عملِ شيءٍ لتطويعِ الجزائر، فإذا كان لبنان الصغير قد صمدَ في وجهِ العواصف التي تهبُّ في المشرقِ العربيّ وقاومَ الأعداءَ جنوباً بوجهِ إسرائيل وشرقاً بوجهِ التكفيريّينَ ويكادُ ينجحُ في المحافظةِ على استقلالِهِ وسيادتِهِ، فلا شكَّ أنَّ الجزائرَ بلدُ المليون شهيد تواصلَ نهجَ الاستقلال، ومن هنا رفضها تسلّل المجموعاتِ التكفيريّة من الحدودِ الجنوبيّة مع مالي والنيجر اللّتين خضعتا لمشيئةِ الاستعمارِ الغربيّ وباتَ دخولُ وخروجُ التكفيريّينَ سهلاً.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 2 + 3