الشباب وتحدّيات الواقع (انتفاضة 17 تشرين الأوّل)

2019.12.09 - 08:52
Facebook Share
طباعة

 يشكّل الشباب فئة متميّزة في أيّ مجتمع، بل هم أكثر فئات المجتمع حركة ونشاطًا، ومصدر من مصادر التغيير الاجتماعيّ، كما يتّصفون بالإنتاج والعطاء والإبداع في المجالات كافة، فهم المؤهلون للنهوض بمسؤوليّات بناء المجتمع، إنّهم رجال المستقبل ونساؤه، إنّهم في مرحلة النموّ المتوثّب والمتطلّع إلى التغيير، ورسم طريق للمستقبل؛ فهم بداية التغيير في الواقع المجتمعيّ ومنظومة القيم، وهذا ما يتجسّد في الصراع بينهم وبين ومحيطهم الاجتماعيّ بشكل عام. إنّهم المنجذبون والساعون لكلّ ما هو جديد، وقد أُتيحت لهم في أيّامنا هذه محفّزات ومعطيات مهمّة لم تكن متوفّرة للأجيال السابقة.
ويتميّز الأفراد في مرحلة الشباب بوصف الأغلبيّة منهم خارج إطار العمل والزواج، وما زالوا في طور التساؤلات والبحث عن الذات، وذلك قبل أن يعيدوا ترتيب أولويّاتهم التي تحدّدها صعوبات الحياة اليوميّة.
من هنا، فإنّ هذه المرحلة تعدّ بمنزلة «هدنة» نفس اجتماعيّة توفّرها المجتمعات المعاصرة لأشخاصها، بحيث يسعهم أن «يهمّشوا» في رحابها ذواتهم عن تياراتها السائدة، وتعدّ حيّزًا زمنيًّا خاصًّا بهم يعيشون فيه اختبارات متميّزة.
ويمكن القول إنّ تناول موضوع الشباب يطرح عددًا من الإشكاليّات المحوريّة التي ينبغي أن توضع قيد الاهتمام، أولاها قضيّة المفهوم؛ فما الذي نعنيه بمفهوم الشباب؟ وثانيتها أهمّ الإشكاليّات التي يطرحها ملفّهم على المجتمع، وما ينبغي تقديمه من حلول لهذه الإشكاليّات، ففي المجتمعات الليبرالية مثلًا، يتمّ تشجيع الشباب على التجريب والمغامرة، بل على الثورة على ما هو شائع؛ لأنّ الانخراط في ذلك كلّه من شأنه تيسير عمليّة اختيار مسار تخصصيّ ومهنيّ وعاطفيّ أكثر صوابًا وتلاؤمًا مع شخصيّة راشدة فرديّة ومتكيفة.
ولا تقتصر وظيفة «التهميش الإيجابي» للشباب على إحداث آثار شخصيّة محبّذة لهم، بل تتعداه إلى إطلاق العنان للإبداع الثقافيّ لديهم، وهو دعوة ضمنيّة لهم إلى الإسهام في رسم معالم الثقافة وتجديدها، وتعيين ملامح ممارستها المستقبليّة استهلاكًا وإنتاجًا.
وإذا كانت هذه من بعض الوظائف الاجتماعيّة والثقافيّة لمرحلة الشباب في المجتمعات الليبراليّة، فإنّ هذا البحث يسعى إلى مقاربة المشاكل التي طرحها الشباب اللبنانيّون من خلال الحراك الاحتجاجيّ في 17 تشرين الأوّل، وكيف تمّ التعبير عنها، بما يعيننا على جلاء الوظيفة المتوخاة من مرحلة الشباب عندنا، ورصد ممارساتهم الثقافيّة في التعبيرات الاحتفاليّة التي مارسوها، والديناميّات التي تحكم تفعيلهم لتلك الوظيفة في مسار بناء هويّاتهم الاجتماعيّة.
تحتلّ الممارسات الثقافيّة موقعًا استثنائيًّا للإطلالة على عالم الشّباب، إنتاجًا واستهلاكًا، ومن خلال أنماط العيش والتصّرفات التي يختارونها ويروجوّنها إنّما يعبّرون عمّا يدور في عالمهم، ويبثّون تصوّراتهم حول العالم الأعم ورؤاهُم الخاصّة له، حيث الكثافة النسبيّة التي تميّز الممارسات الثقافيّة في مرحلة الشباب، وتوسع مجالاتها والشحنة العاطفية التي تسبغ عليها، كلّها تجعل البحث في تلك الممارسات استشرافًا للتحوّلات الثقافيّة عندنا، سواء أكانت هذه التحوّلات كامنة في مسار مجتمعاتنا أم جاءت نتيجة التلاقح الثقافيّ مع المجتمعات الأخرى.
فسابقًا كانت العائلة والمدرسة والمؤسّسة الدينيّة والتشكيلات الاجتماعيّة الأخرى توزّع الأدوار الأساسيّة في تشكيل هويّة الفرد الثقافيّة، لكنّها اليوم تتعرّض لتقلّبات هذا العالم المتبدّل والذي أنتج ممارسات ثقافيّة حيث تَلقّي واستهلاك أشكال التعبير والمنتجات الثقافية المختلفة من المؤلّفات الكتابيّة، الرواية والقصة والشعر، ومنها التشكيليّة كالرسومات والمنحوتات، والبصريّة والأدائيّة كالرقص والمسرح والموسيقى بأنواعها الحداثيّة «الراب والهيب هوب»، ولقد تمّ استخدام هذه الممارسات الثقافية في التعبير عن احتجاجات الشباب في الحراك الاحتجاجي الشعبي بتاريخ 17 تشرين الأوّل؛ فشباب اليوم يتعرّضون إلى ثقافة أجنبيّة في كلّ فرع من فروع الثقافة التي تنقل مداخلات إلى عقولهم، فيظهر مفعولها في سلوكهم وأسلوب معيشتهم، وفي التعبير عن معاناتهم، وأخطر ما في هذا الغزو يكمن في الجانب غير الماديّ من الثقافة الذي يشمل الأفكار والآراء والمعتقدات والمعايير والقيم التي على الشباب ترجمتها سلوكيًّا، ونقرأ بانتظام كيف أصبح لديهم عادات وتقاليد وأعراف وبدع يتمسّكون بها بشدّة إلى درجة التعصّب في الكثير من الأحيان وذلك لانبهارهم الشديد بها، و لهذه الثقافة الدخيلة قيمة كبيرة بينهم، بحيث يصبح مختزنها والمتأثر بها والداعي إليها مرموقًا بينهم.
ثورة الشباب
لقد اهتمّت البحوث السوسيولوجيّة منذ أواخر عام 1960 م بدراسة الشباب الذين يعبّرون عن إحدى المشكلات الاجتماعيّة التي يعانيها المجتمع، ولقد شهدت هذه الفترة اهتمام علماء النفس والتربية بالشباب، فقد طبّق عالم النفس البريطاني «سيرل بيرت» تصوّر «دوركايم» عن الانحراف بوصفه ظاهرة طبيعيّة، بيد أنّه أرجعه إلى مجموعة من الأسباب والعوامل ومن بينها التفاعل بين العوامل الوراثيّة والمؤثّرات الطبيعيّة.
ويرى «بيرت» أنّه بينما أكّدت البحوث أنّ الفقر يعدّ عاملًا مهمًّا من عوامل الانحراف فإنّ اهتمام هذه البحوث ذهب في اتجاه واحد من نواحي الفقر وهو الناحية المادية، ومن ثمّ أهمل الفقر العاطفيّ أو الأخلاقيّ، وخاصّة في نطاق الحياة الأسريّة، وبالمثل بحثت الأنثروبولوجيّة «مارغريت ميد» عن تفسير ظواهر المراهقة، واكتشفت أنّ المشكلات الحادة المرتبطة بهذه المرحلة العمرية هي من نتائج الحضارة الغربيّة، واتجهت أعمال مدرسة «شيكاغو» نحو تطويرالدراسات الإثنوغرافيّة عن العلاقة بين الحوار وأساليب الحياة والشباب، وذلك انطلاقًا من المتغيّرات الماديّة والثقافيّة التي صاحبت المجتمع الصناعي الحديث، واستخدم «دوركايم» في هذا المجال مفهوم «الأنومي» أو «اللامعيارية»، ويقصد بذلك أنّه حالة من فقدان المعايير تنشأ حينما يشهد النظام الاجتماعي العام ضربًا من التفكّك والانحلال، إذ يلاحظ أنّ طموحات الناس وتطلّعاتهم لم يعد ممكنًا إخضاعها لمتطلّبات النظام الاجتماعيّ الجمعيّ، فالمصدر الأساسي لحالة فقدان المعايير هو ذلك التوتر القائم بين السلطة الأخلاقيّة المجتمعيّة (أي تلك التي يفرضها الضمير الجمعي) والمصالح الفرديّة.
وهنا لا يسعنا إلّا الاستشهاد بثورة الشباب في فرنسا عام 1968، كنموذج في هذا السياق، فهي في الأصل ثورة ضدّ المجتمع وتقاليده العتيقة الموروثة عن القرن التاسع عشر، كانت ثورة ضدّ هيبة مختلف رموز الحرس القديمة، وضدّ هيبة أرباب العمل في المصانع، أو المعلّمين في المدارس، إلخ، وقد قام بها الطلاب على أساس المطالبة بالحريّات تحت شعارَي «منع الممنوع» و«لا تعطني حريّتي سأتولى الأمر بنفسي»! ثمّ رُفعت الشعارات الاقتصاديّة لاحقًا.
إنّ ما أنجزته ثورة الشباب عام 1968على المستوى الاجتماعيّ والثقافي غيّر وجه فرنسا حتى يومنا هذا، وأقنع السياسيّين بأنّ الشباب لاعب أساسيّ في الحياة العامّة، ولا بدّ من أخذه في الحسبان، كما أنّ ثورة 1968 كان لها مفعول الدومينو على الحركات الطلابيّة في العالم .
وتمثّل ثورة الشباب عادة عرضًا من أعراض الأزمة الاجتماعيّة والثقافيّة التي يشهدها المجتمع، وفي وقتنا الراهن تتضمّن هذه الأزمة صراعًا من التغيّرات التكنولوجيّة الهائلة والتي تحدث في المجتمع المعاصر والنظام الاجتماعي والنسق الثقافي، فقد أوجد التغيّر التكنولوجيّ أدوارًا كان فيها الشباب أكثر فئات المجتمع تأثرًا وإحساسًا بهذه الأزمة الثقافيّة المعاصرة بوصفها أزمة تتصل بكيانهم وهويّتهم، أي بعدم قدرتهم على تحديد الهدف والمعنى من الحياة بمقاييس مستقلّة.
وهناك عامل رئيس يساعد على ظهور الحركات الاجتماعيّة للشباب وثقافتهم الفرعيّة وتكوينها، هو الظروف البيئيّة الحديثة، و ما ينطوي عليه من عوامل مكّنت الشباب من الاتصال بعضهم ببعض، وتطوير اهتماماتهم وأنماط سلوكيّة مشتركة بعيدة، إذا جاز التعبير، عن الأنماط السلوكيّة التقليديّة.
مشاكل الشباب
إنّ العنصر الأساسيّ المحرّك لهذه التظاهرات هو الشباب الذين تختلف مطالبهم ولكنّها تجمع على المطالبة بالعيش الكريم، من التعليم الى الصحّة إلى تمنّي البقاء في الوطن؛ فنجد أنّ شباب الحراك الاحتجاجي المطلبي الشعبي رفع بتاريخ 17تشرين الأول 2019 بعض المصطلحات والشعارات التي أريد لها أن تكون خاصّة بهذا الحراك، بعدما تكرّر تردادها بين الشباب المحتجّين تخلّلها تعبيرات احتفاليّة شعبيّة واجتماعيّة، وعلى الرغم من أنّ ما لاحظناه في حركة الاحتجاج الشعبيّ عدم توحد المطالب والأهداف، حيث كانت مختلفة ومتنوّعة بحسب تنوع الفئات التي شاركت فيها، كما لم يكن «للثوار» قائد أو قيادة تعرف ماذا تريد، أو يعرف الجمهور إلى أين تأخذهم هذه القيادة. فلم نجد لهم قيادة واحدة معروفة وعلنيّة.
غير أنّه تمّ رصد الاحتجاجات التي عبّر عنها الشباب الذين شاركوا في التحرّكات الشعبيّة وتمّت الإضاءة على المشكلات التي صُنّفت على الشكل الآتي:
• . اقتصاديًّا:
- بروز الإحساس بالفقر
يرى الشباب في المجتمع المدروس أنّ الواقع الاقتصاديّ متأزّم، ولا سيما أنّهم غير راضين عن مصروفهم اليومي ويرونه غير كاف، حيث البطالة وندرة فرص العمل، ومنهم من يرى أنّ أسباب ذلك تعود إلى عدم التنظيم في البلد وعدم ملائمة الاختصاص مع متطلّبات سوق العمل، إضافة إلى تشبّث الأهل بتوجيه أبنائهم إلى مزاولة اختصاص معيّن لا يرغبون به عادة.
وتشكّل العلاقة الجدليّة بين التعليم والاختصاصات وسوق العمل مرتكزات أساسيّة في المجتمع قد تقوده إلى الازدهار إذا تمّ التنسيق بين الوزارات والمنظّمات والهيئات المعنيّة أو إلى اندحار المجتمع نحو الهاوية لفقدان التنسيق وعدم القيام بالأبحاث والدراسات للملاءمة بين التعليم وسوق العمل وهي الركن الأساس في تمكين الدولة. أمّا معادلة التعليم والاختصاصات وسوق العمل فتُختصر اقتصاديًّا بـ: الإنتاج ـ التوزيع ـ الاستثمار.
فثمّة من يعاني من مشكلة البطالة، حيث لا يجدون العمل المناسب لمؤهلاتهم وقدراتهم، أو لأنّهم لا يجدون فرص عمل في العموم، أي أنّهم إمّا يعانون من البطالة الرأسيّة التي تعني التفاوت بين طبيعة القدرات والمهارات والمؤهلات التي يحملها الشاب ونوعية العمل الذي يعمل به، أو يواجهون سوقًا تستبعدهم، فلا يجدون فرصة عمل تستوعبهم؛ ولذلك يضطرّون إلى السفر للخارج. أو قد يلجأون للعمل الحرّ بالحصول على قروض ميسّرة من قلّة قليلة من المصارف أو من خلال الجمعيّات الأهليّة، وذلك لعمل مشروعات صغيرة في مجالات اقتصاديّة متنوّعة، كلّ حسب الخبرات التي لديه، وبحسب الجماعات المرجعيّة التي ينتمي إليها، وهذا يشكّل عبئًا إضافيًّا عليهم.
هذا معناه أنّ مشكلة البطالة يتولّد عنها عدد من المشكلات، ويرتبط بها عدد من الحلول المقبولة مجتمعيًّا، فمن ناحية المشكلات، قد تؤدّي البطالة إلى زيادة العنف الشبابي وولادة عصابات صغيرة من الشباب وبالذات في المناطق العشوائيّة والفقيرة، تمارس العنف والبطلجة. كذلك فإنّ البطالة ترتبط بالإقبال على المواد المخدّرة، للحصول على المتعة والهروب من المسؤوليّات الاجتماعيّة والعجز عن التحقق الذاتي، علاوة على هذه المشكلات ذات الصلة، يوجد لدينا عوائق بنيويّة أساسيّة تحول دون تحقيق تقدّم حقيقيّ في مواجهة القضية، أوّلها غياب قيمة العمل الجماعيّ، ورفض العمل غير الحكومي وتوقيف التوظيف في المؤسّسات الرسميّة.

المشكلة الأولى مرتبطة بطبيعة التنشئة التربوية في المدارس والجامعات، حيث نجد أنّ النشاط الجماعي داخل هذه المؤسسات التربوية في تراجع شديد، ولا يتمّ وضع هذه القيمة كقيمة أساسيّة لتقييم الطلاب، وبالتالي ينشأ الطلاب على الفرديّة والأنانيّة؛ لأنّ مصدر التقدير الأدبي والمعنوي هو القدرات الذاتية، وليس العمل في جماعة.
أمّا المشكلة الثانية فهي مشكلة مرتبطة بالطبيعة الخاصة للعمل الحكومي وما تتوفر فيه من ميزات لا يجد الشباب لها مثيلًا في القطاع الخاص أو في العمل الحرّ، ففي القطاع الخاص يجد الشاب نفسه مهدّدًا من صاحب العمل، وخاضعًا لإرادته، إذ يمكن الاستغناء عنه في أيّ وقت، خاصّة أنّ بعض الشركات تجبر المتعاقدين للعمل لديها على التوقيع على الاستقالة قبل التعيين، حتى يسهل الاستغناء عنه في الوقت المناسب، كما لا تتوفر فرصة الحماية من مخاطر العمل.
واللافت أنّ مشكلة البطالة كانت على رأس القضايا التي رأى الشباب ضرورة مواجهتها في انتفاضة 17 تشرين الأوّل في وقت يمرّ فيه الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بتحدٍّ ديمغرافيّ خطر، مع عدم وجود وظائف كافية لمكوّن الشباب الديمغرافيّ المتضخم، والوضع في لبنان أكثر خطورة؛ لأنّه يحتاج إلى إيجاد عدد من الوظائف يساوي ستة أضعاف المتوفّر حاليًّا لاستيعاب 23 ألف شخص ينضمون لسوق العمالة سنويًّا، بحسب دراسة رعاها الاتحاد الأوروبي ، فنسبة البطالة بين الشباب تصل إلى 35%، وهو رقم مرتفع في ظلّ غياب رؤية اقتصاديّة أو زراعيّة أو صناعيّة لدى الحكومات المتعاقبة لتأمين فرص العمل وتشجيع الإنتاج الوطنيّ.
• سياسيًّا:
أولًا: واقع الانتماء السياسيّ
نجد أنّ شريحة كبيرة من الشباب في الحراك تعاني من الحالة السياسيّة والسياسيّين، وتشكو من عدم توفر الحوار الجدّي والفعّال بين القوى الحزبيّة؛ لإيجاد الحلول وتطبيقها، وليس الحوار من أجل الحوار فقط، فمثل هذه الحوارات باتت حاجة ملحّة لكلّ مجتمع تُفرض عليه تحدّيات كبيرة كالتحدّيات التي يواجهها لبنان، والتي تتطلّب تماسكًا ووعيًا مجتمعيًّا لا يمكن أن يتحقّق إلّا من خلال الجلوس مع جميع الأطراف والوصول إلى الحلول، إضافة إلى غياب مفهوم المواطنة التي تعدّ أساسيّة ومهمّة في تحديد الانتماء، ويرى الشباب أنّهم يعيشون حالة ضغط وكبت للحريّة. الشباب يعي أنّ المواطنة قيّمة من حيث السّلوك والممارسة كما أنّها صبغة اجتماعيّة لا يمكن الشّعور بها إلّا إذا تمكّن الفرد منهم من الاندماج في الحياة الاجتماعيّة في جميع النّواحي، ولكن التّهميش والإقصاء الذي يشعر به مجموع الشّباب في المجتمع اللبنانيّ، حسب ما صرّحوا على وسائل الإعلام أو وسائل التواصل الاجتماعيّ، يجعلهم يشعرون أنّهم قد ابتعدوا عن درجة المواطن الذي يسهم في الدّورة الاقتصاديّة، والذي يمكن أن يؤسّس حياة مستقلّة، ولكنّهم في الوقت ذاته يرون أنّ «المواطنة من القيم والمبادئ المهمّة التي من الواجب تدعيمها داخل المجتمع، وقد تسهم عديد المؤسّسات الاجتماعية الفاعلة داخل المجتمع في ذلك منها المؤسّسات التّقليدية كالمدرسة والأسرة والمؤسّسات الحديثة كالمؤسّسة الإعلاميّة ، في حين أنّ القسم الآخر منهم متكيّف مع واقعه السياسيّ من حيث انتمائه إلى إحدى القوى الحزبيّة البارزة، ويجد أنّه لا يحتاج إلى أيّ انتماء آخر، فهو يكتفي بهذا الانتماء الذي يحقّق له وجوده وقوّته على الأرض.
ثانيًا: الفساد السياسيّ
يتذمّر الشباب من الوساطة (الواسطة)، أي التدخّل السياسيّ للحصول على مكسب ما، ما يؤدّي إلى إلغاء دور الكفاءة والعدالة في الحصول على الوظائف والعمل؛ فيشعر الكثير من الشباب بالقلق والخوف من المستقبل نظرًا إلى وجود معوّقات تحول دون الوصول لتطلّعاتهم وطموحاتهم وأهدافهم في الحياة، فيردّدون: «إذا ما في دعمة سياسيّة ما منوصل لأيّ مركز»، وهذا يروّج الشعور بالاحباط بين الفئة الشابة حيث المحسوبيّة والاستزلام الذي يساعد على تحقيق أهدافهم بحسب تصريحات الأغلبيّة منهم؛ فقد خرج أغلب الشباب الذين انتفضوا طلبًا للعدل ورفضًا للطبقة الفاسدة، مندّدين بالطبقة الحاكمة من وزراء ونوّاب ورئيس جمهوريّة، وكان المشترك بين جميع الشباب الذين احتجّوا في كلّ المناطق هو المطالبة بمحاسبة الطبقة الحاكمة، واستبدالها وتغييرها واختيار الأفضل، وبناء دولة حديثة ليس فيها هدر ولا نهب ولا محسوبيّات، دولة تستعيد المال المنهوب والأملاك العامة المسروقة والمصادرة.
• تربويًا وثقافيًا:
أوّلًا: المناهج التربويّة التقليديّة
ناشد الشباب في الحراك الشعبيّ المعنيّين لتحديث المناهج التربويّة التي تتوافق مع الأسلوب التعليميّ الحديث، ورأوا أنّ المناهج المعمول بها تفتقد إلى التوجيه الصحيح ضمن دائرة الاختصاصات المتنوعة، بحيث كلّ اختصاص وقابليّته للعمل، وكانت شكواهم «حتى اليوم، ورغم تعدد الوزراء والمعنيّين بالتربية والطلاب لم يلتفت أحد لهذه الأزمة».
كما طالب الشباب بتوحيد الكتاب المدرسيّ والمناهج التربويّة مع تعزيز التعليم الرسميّ، ودعم الجامعة اللبنانية، والمطالب على اختلافها وتعدّد مضامينها ارتدت ثياب العتب وتلوّنت بالملامة على الوزراء المسؤولين عن مستقبل ضائع وآمال بدّدتها الأيّام ووعود عفا عليها الزمن؛ فبرأيهم أنّ المطالب متعدّدة والتحرّكات الفعليّة ما زالت حبرًا على ورق لم يتحقق منها شيء.
ثانيًا: أزمة الواقع الثقافيّ
يوجد مشكلة الاقتناع بالقيم الموزّعة ما بين المحلّي والوافد، حيث يتداخل الوافد مع المحافظ ، ليدخل فئة من الشباب في إشكالات وصراعات إضافة إلى الفراغ المسيطر، وغياب مفهوم ارتياد الأماكن الثقافيّة كما هو مطلوب بسبب غياب مسألة العادة habits، فأغلبهم يدخّنون النارجيلة لتمضية أوقاتهم، أو يستخدمون الإنترنت للمراسلة والمحادثة، فكان لافتًا عدم اقتصار احتجاجات الشباب على الاحتشاد والهتافات السياسيّة فقط، بل ارتفعت أصوات الأغاني والأناشيد الوطنيّة وعقد بعضهم حلقات دبكة، كما شهد الحراك مشاهد أكثر طرافة كإقامة حفل شواء بين المعتصمين، وملء حوض للسباحة والجلوس فيه، زفّة عرسان، حلق شعر أحد المعتصمين بما يشبه صالون حلاقة مجهّز...
هذه المشاهد وغيرها أثارت ردود فعل، منها الإيجابيّ من جانب مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعيّ بالعالم العربيّ، حيث أشاد الكثيرون بالروح التي تسود الأجواء متمنّين للبنانيّين «قضاء ثورة ممتعة»، ومنها السلبيّ باعتبار أنّ هذه الشعارات لم تعكس حقيقة ما كان يجري في الساحات فلم تكن تلك المصطلحات/ الشعارات صادقة فيها وما يدور خلفها، لا بل أدّت تلك الشعارات دورًا أساسيًّا في التضليل الناعم للرأي العام، وحتى للجمهور الواسع من المتظاهرين والمحتجّين، كما شكّلت تهديدًا على استمرار هذا الحراك لتحقيق أهدافه المحقّة.
وكان البارز تدنّي قيمة الوقت لدى شريحة كبيرة من شباب، فالفراغ والروتين يسيطران على الوقت خارج الدراسة، وهذا الوقت هو للنوم والتسلية، والملاحظ أنّ هذه المشكلة المتعلقة بالفراغ دفعت بعضهم إلى التوجّه للعمل التطوّعي أوالانضمام الى جمعيّات ومنظّمات مشبوهة تتبع استراتيجيّة واضحة، ويأتي في هذا الإطار عدم توفر المراكز الشبابيّة والطلابيّة، وقلّة وعي الشباب بأهميّة المشاركة في الحياة العامّة، واهتمامهم بمشكلاتهم الحياتيّة، ما يقلل من مشاركتهم في المجال العام، والقوانين التي تعيق مشاركتهم، وقلّة الحريّة المتاحة أمام الشباب للمشاركة، إلى جانب ضعف المنظّمات غير الحكومية الواضحة الأهداف، وعدم الاهتمام برأي الشباب فيما يتصل بالقضايا العامّة.
ثالثًا: مشكلة التعامل مع المعلومات
نتحدّث اليوم عن عصر المعلومات، ويتميّز هذا العصر بأنّه عصر شبكات المعلومات العالميّة، ففيه توسّعت حدود نشر المعلومات تقنيًّا ومكانيًّا، وأصبحت المعلومات موجودة أينما كان وبأشكال متعددة، ومنذ السبعينيات من القرن الماضي بدأ الحديث عن عصر الانفجار في المعلومات.
فالمعلومات، وإن كانت متوفّرة أمام الشباب على شبكة الإنترنت بغزارة والتوصل إليها مباشرة عكس الطرق التقليديّة، فهي ليست على الدوام ملائمة لمتطلّباته كباحث عن معلومة ولا يمكنه الوصول إليها بمجملها، وهذا ما نلمسه أثناء الطلب من طلّاب الجامعات والمدارس عند إجراء بحث في مواد معيّنة، فنجده ينقل المعلومة من الإنترنت كما هي من دون استخدامها بالشكل المطلوب أو حتى من دون استيعابها قبل نسخها؛ من هنا تبرز ميزتان ترتبطان بعمليّة البحث: غزارة المعلومات من جهة ولحظويّتها من جهة اخرى.
ولكنّ هاتين الميزتين تخفيان مشكلتين: صعوبة في التوصل إلى المعلومة المناسبة من جهة، وتقييم صحة المعلومة من جهة أخرى، من هنا أصبح التدريب على إتقان التعامل مع المعلومات ضرورة متواصلة يحتاج إليها الشباب لاستيعاب المعلومات وإتمام معارفه وتوظيفها بما يخدم أهدافه، ولقد شهدنا انتشارًا كبيرًا لصور، فيديوهات، تعابير، هتافات، انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعيّ وتمّ تداولها ونقلها، كلّ عبّر بطريقته عن وجع عايشه، فتنوّعت أساليب التعبير، فجأة لم تعد الأحداث الصغيرة والأزمات العابرة في لبنان تتصدر مواقع التواصل الاجتماعي، بل تحوّلت تلك المنصات التي أسهمت في اشتعال شرارة المظاهرات في العديد من الدول العربيّة إلى صرخة واحدة في دولة صغيرة، فكان هاشتاغ «#لبنان_ينتفض» هو صدى التحرّك الشعبيّ على مواقع التواصل، كما انتشر على موقعيّ تويتر وفيسبوك هاشتاغات #الأموال_المنهوبة و#إجا_وقت_نحاسب و#يسقط_حكم_المصرف و#كلن_يعني_كلن و#ثورة_الإنسان و#ثورة_المظلومين بكثافة. وعاد إلى التداول هاشتاغ #الشعب_يريد_إسقاط_النظام الذي راج مع انطلاق مظاهرات عام 2011 في بعض الدول العربيّة، وهذا الى جانب إعطاء التحركات الاحتجاجية طابعًا كرنفالايًّا قد يشذّ، أحيانًا عن صورة الثورة المرجوّة.
إنّ الثورة هي مشروع هدم نظام وبناء نظام جديد سياسيّ واقتصاديّ وثقافيّ واجتماعيّ. و للثورة قيادة يعرفها الناس ترشدهم وتقودهم وتحدد لهم الأهداف والأولويات، والثورة ليست الجماهير العفويّة التي تنزل إلى الشوارع، بل هي عمل منظم من حيث التوقيت والإعداد وتوزيع الأدوار وتشكيل اللجان ووضع الخطط وسوى ذلك مما يحتاجه أي عمل على هذا المستوى من الخطورة.

رابعًا: الشكوى من عدم المساواة
كان للنساء الجزء الأبرز في هذه التحرّكات، ونجد أنّ الحركة النسويّة في لبنان أصبحت جزءًا من هذه الحركة الاجتماعيّة على مستويات مختلفة، حيث إنّها لم تكن منفصلة عن الحراك الشعبيّ، فقد أدّت المرأة اللبنانيّة دورًا في صياغة المطالب الشعبيّة حتى لناحية الوجود في الساحات.
وهذا كان نتيجة رفع مستوى الوعي لدى النساء من جانب الجمعيّات النسويّة المنتشرة في لبنان، ما شكّل دفعًا بارزّا لوجودها بقوّة في محاولة لإسقاط النظام، وإنتاج بديل جديد قادر على إنصاف المرأة اللبنانيّة، وتحقيق نوع من أنواع المساواة في العدالة الاجتماعيّة.
على الرغم من التطور والتقدم الذي شهده المجتمع اللبناني عامة على هذا الصعيد، يتردد على ألسنة الشابات مفهوم التمييز في الأدوار بين الجنسين، ويتجلى ذلك بحسب تعبيراتهنّ على عدم القبول بالنساء المحجّبات في بعض الوظائف، إضافة إلى المطالبة بإعطاء أولادها جنسيّتها في حال الزواج من أجنبيّ، وهذا لا يجعلنا نغضّ الطرف عن تناقض في مواقف الشباب في لبنان بشكل عام واتجاهاتهم وآرائهم، حيث نجد من يؤمن بضرورة المساواة الكاملة بين الجنسين نتيجة التغيير الحاصل في بعض العادات والتقاليد، وتارة أخرى نجد من يبرّر للتمييز بينهم نتيجة تأثّرهم بما ورثوه من قيم ولا سيّما ذات الصلة بالمعتقدات الدينيّة، فهناك تنميط جذري يحدّد موقع كلّ فرد منهم ودوره داخل الأسرة متماثلًا مع طبيعة البناء الاجتماعي العام في المجتمع، ما جعل ممارساتهم تتسم بالكثير من التردّد بين الميل إلى التماثل والاندماج الثقافيّين والرغبة في التمايز والاختلاف الثقافيّين، من جهة أولى ميل الشباب إلى تجاوز الماضي وجزء كبير مما توارثوه من ثقافة بما فيها مسألة التمييز، من خلال تقبّلهم ثقافة الآخرين واتجاهاتهم وممارساتهم، ومن جهة رغبة هؤلاء الشباب في التشبث بالماضي وأصالته والدفاع عن الموروثات الثقافيّة، ولا سيّما ما يرجحونه منها إلى الخطاب الدينيّ.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 2 + 7