اللاحسم في البنية الثقافية العربية

محمد الانصاري

2020.02.17 - 04:33
Facebook Share
طباعة

 تعاني البنية الثقافية العربية الراهنة من إنشطارات فكرية عديدة و تصدعات معرفية مزمنة. و عنوان ذلك كله هو اللاحسم و سيادة التوفيقية التلفيقية. و هذه الأزمة ليست وليدة اليوم كما قد يظن البعض، و لكنها تعود الى قدوم الاستعمار الى منطقة الشرق الاوسط ابتداء من الحملة الفرنسية فصاعدا ؛ أي منذ ما يزيد على مائتي عاما. تلك الحملة التي أيقظت العرب و المسلمين بعد سبات زاد على الخمسمائة عام. 

 
و يمكن رصد مظاهرهذا  التلفيق الغير محمود في ثلاث مجالات : فكرية و أدبية و سياسية. و من الجدير بالذكر أن من أهم المفكرين العرب الذين تناولوا هذا الموضوع باستفاضة هو المفكر البحريني محمد جابر الأنصاري في كتابيه الماتعين : "الفكر العربي و صراع الأضداد" و" تحولات الفكر و السياسة في مصر و محيطها العربي. " 
 
القضية الفكرية السياسية الاولى بامتياز هي الصراع بين الدين و الدولة و أيضا بين أنصار المشروع الإسلامي و أنصار القومية الوطنية القطرية و العروبية ناهيك عن الصراع بين هذين الأخيرين (القٌطريين و العروبيين). و هنا تتبدى آلية اللاحسم القابعة في البنية الذهنية و الثقافية  للطرفين بانعكساتها المجتمعية و السياسية. فالصراع اللامحسوم دائر منذ فجر النهضة العربية في القرن التاسع عشر و لم يحسم حتى الأن؛ و لا يبدو أنه سيحسم في المدى القريب. أنا أتحدث بالدرجة الاولى عن صراع الافكار. أما على أرض الواقع فذلك شأن أخر إذ يبدو أن التيارات العلمانية ممثلة بالعسكر و الأنظمة الملكية قد كسبت جولة من جولات الصراع في الوقت الحالي دون أن تحسم علاقتها تماما بالشرعية الدينية. 
 
الأخطر من ذلك هو عدم قدرة أيا من الطرفين على تقديم رؤية حاسمة إذ يدأب كل طرف على دغدغة مشاعر الأخر تحت مسمى " الأرضية المشتركة" و التي هي في الأساس مفهوم ملتبس. فلم يستطيع الإسلاميون حتى الأن من تقديم موقف حاسم من قضايا مثل الهوية و العروبة و المرأة و القوانين الوضعية و الفن و الأصالة.......الخ. و بالمثل هناك إشكاليات عالقة لدى الطرف الأخر تدور حول نفس القضايا. و يبدو أن كل طرف يقدم تنازلات على حساب الحسم المعرفي راجيا ان يسحب من الرصيد الجماهيري للطرف الاخر. من هنا ظهر التوفيق و التلفيق في هذه القضية.
 
فإذا ما انتقلنا الى ساحة المعرك الفنية و الأدبية نجد آلية التوفيق و اللاحسم تعمل بنفس الضراوة في قضايا مثل الشكل و المضمون و الوظيفة الإجتماعية أم الجمالية للأدب  (الفن للفن أم الفن للتغيير) ؟. منذ الصراع بين طه حسين و محمود أمين العالم في الخمسينيات لم تحسم تلك القضية. و في الشعر، وإن بدا أن قصيدة النثر تنتصر الا إن القضية لم تحسم بشكل نهائي و فاصل. و السبب أيضا هو تقديم التنازلات. 
 
سياسيا، نعاني من لاحسم شديد في موضوع حرية المشاركة السياسية و تداول السلطة تستوي في ذلك الجمهوريات و الأنظمة الملكية. و يبدو أننا بعد أكثر من مائة سنة على بداية النهضة لم نحسم موقفنا من الديمقراطية حكاما و محكومين و هذا بيت القصيد. و في واقع الأمر تشير الثورات و احتجاجات الشارع العربي بموجتيه الى رغبة عارمة في الديمقراطية. و لكن هناك قطاع كبير من الشعوب العربية تهتم بالامن و الاقتصاد على حساب الديمقراطية.
 
يشير دكتور محمد جابر الأنصاري الي فترتين توفيقيتين. تعود الفترة الأولى الى أواسط العصر العباسي حيث ترجم العرب فكر اليونان القديم و حاولوا " التوفيق" بينه و بين الشريعة. ثم هناك الفترة الحديثة التي و جد العرب فيها أنفسهم في مواجهة الغرب المنتصر المستعمر بباروده و علومه. و لكن يؤكد دكتور الانصاري أن ثمة فارق أساسي بين المرحلتين التوفيقيتين. في المرحلة الأولى كنا حضارة غالبة  منتصرة بينما في المرحلة الثانية كنا حضارة مغلوبة. فهل اللاحسم جزء من تكويننا الذهني الثقافي أم هو طاريء طرأ علينا بسبب الإستعمار
 
Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 10 + 9