الفكر السياسي عند رفاعة الطهطاوي

محمد الانصاري

2020.05.30 - 05:15
Facebook Share
طباعة

 
 
 
لم يكن لمفهوم التنوير في مصر نفس المعنى قبل بزوغ نجم رفاعة رافع الطهطاوي(1801-1873)  اللهم ما شاع من معاني مرتبطة بأثار الحملة الفرنسية على مصر بقيادة نابليون بونابرت. من أثار تلك الحملة ظهور المطبعة في مصر و ظهور الجرائد الرسمية بالفرنسية و العربية و التركية و تأسيس المجلس العلمي المصري و الذي كان من أهم إنجازاته بعد رحيل الحملة صدور 22 مجلد يصف مصر بالتفصيل إداريا وسياسيا و جغرافيا و علميا تحت إسم وصف مصر بقلم و ريشة علماء الحملة الفرنسية الذين ظل أغلبهم في مصر بعد رحيل بونابرت. 
 
من الأثار السياسية المهمة للحملة الفرنسية إضعاف الروابط المصرية العثمانية  مما نتج عنه بشكل غير مباشر تولي محمد علي باشا حكم مصر نزولا على رغبة مشايخ و أعيان المصريين. و من المعلوم لدى المثقفين العرب و غيرهم أن هذا الالباني الطموح كان لديه مشروع كامل لحكم مصر و تأسيس إمبراطورية مصرية في المنطقة.  ذلك هو نفسه محمد علي الذي لم يتعلم القراءة الا في سن الاربعين و كان يأمر بقراءة صفحات من كتاب الامير لميكافيلي عليه كل ليلة.
 
في كنف مشروع محمد علي (1805-1848) تالق رفاعة الطهطاوي الذي عين إماما لاول بعثة تعليمية في عهد محمد علي الى فرنسا حيث تفوق الامام –مقيم الشعائر-الأزهري على الطلبة انفسهم في الانتهال من مصادر العلم التي اتاحتها تلك التجربة و لمدة ست سنوات (1826-1831). و يفال أن الطهطاوي في تلك البعثة قد تعلم الفرنسية في ستة شهور. بينما ركز غالبية الطلبة بتوجيه من محمد علي على الفنون و الصنائع العملية، عكف الطهطاوي على العلوم النظرية التي إشتملت على الفنون و الأداب و القانون و العلوم السياسية و المشاهدات الاجتماعية و الثقافية. 
إنني أهتم هنا بالجانب السياسي من نشاط الطهطاوي لانه الجانب الذي لم يقدر له أن يوظف توظيفا شاملا في مشروع محمدعلي الذي أهتم ببناء الجسور و السدود و المستشفيات لخدمة الجيش المصري أولا قبل ان يهتم ببناء العقلية المصرية. فمن بين 44 طالبا يشكلون اول بعثة لفرنسا كان هناك ستة فقط يدرسون الادارة و القانون و السياسة و الباقي يدرسون العلوم العسكرية و الهندسية. بين يدي كتاب هو في الأصل رسالة دكتوراة قدمت الى أحدى الجامعات المصرية بعنوان : من الفكر السياسي عند رفاعة الطهطاوي : فكرة الدولة. للدكتور زكريا صادق الرفاعي
 
يشير الباحث الى أن فترة السنوات الستة التي قضاها رفاعة في باريس كانت من الثراء بمكان في تشكيل رؤية رفاعة لمفاهيم سياسية مثل الدستور و القوانين و الحكومة. إلا إن المفهوم الذي إختصه رفاعة بالإهتمام هو مفهوم الدولة. و قد تميز فهم الطهطاوي للدولة و الذي كان أثرا مباشرا لتفاعل خلفيته الدينية مع مشاهداته الغربية بانه ليس ثمة تعارض بين  التحديث و الشريعة. 
 
ويمكن الحديث عن ثلاثة ركائز للدولة في فكر الطهطاوي عن الدولة كما أشار اليها الباحث زكريا صادق الرفاعي. الدولة في فكر رفاعة بناء واقعي و ليست نظرية. و هذا يعني ان كل خبرة رفاعة الاصلاحية بعد عودته من باريس تعاملت مع الدولة المصرية كواقع قائم بأبنية و مؤسسات و ليس على مستوى النظرية فقط. محور التحليل الثاني هو حتمية استقلال الدولة المصرية عن الآستانة ، فقد كان يؤيد نزعة مشروع محمد علي للإستقلال. أخيراشدد رفاعة على مركزية الدولة المصرية و طابع الحكومة المركزية في مصر. 
 
من الواضح أنه رغم الخلفية الاصلاحية الاسلامية لرفاعة الا ان حديثه عن الدولة نتاج من خليط ليبرالي اسلامي. و ما كنا لنفهم ذلك الا بالتعمق في المكون الاسلامي الليبرالي في فكر رفاعة.
Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 10 + 3