جرائمُ في حق العرب... هذا ما خلّده التاريخ للدولة العثمانيّة

احمد ابراهيم الابراهيم

2020.06.05 - 03:50
Facebook Share
طباعة

 

 
 
 
منذ 600 عامٍ تقريباً، سيطر العثمانيّون على ما يقرب من نصف بلاد العالم، وفقاً لتقديرات العديد من المفكّرين، على أطلال الخلافة الإسلاميّة، لكن في الحقيقة، إنَّ العثمانيّين ارتكبوا الكثير من المذابح بالعديد من الدول وعلى رأسهم الدول العربيّة حتى سقطت الإمبراطوريّة العثمانيّة، عام 1923م، على يد مصطفى كمال الدين أتاتورك، بإعلان تأسيس الدولة التركيّة الحديثة.
 
تحت حكم الدولة العثمانيّة حدثت العديدُ من المذابح، بخلاف مذابح الأرمن التي تمَّت خلال فترة الحرب العالميّة الأُولى، ووفقاً لمركز المزماة للدراسات والبحوث، فإنَّ بداية مجازر العثمانيّين ضدَّ العرب كانت مع اجتياح بلاد الشام بين عامي 1515 إلى 1516، فمع بداية الدخول العسكريّ العثمانيّ إلى بلاد الشام، استُبيحَت المدن، وتمَّ تدمير بنيتها الاجتماعيّة من خلال عمليّات الإفقار والطرد السكّاني واستجلاب مواطنين جدد، إضافةً إلى عمليّات الإبادة والقتل العشوائيّ.
 
وفي عام 1515 تمّت استباحةُ حلب ومعرّة النعمان أسبوعاً كاملاً سقط خلاله، 40 ألفاً في حلب، و15 ألفاً في معرّة النعمان، كما سقط إبّان استباحة دمشق عام 1516 قُرابة 10 آلاف شخصٍ خلال ثلاثة أيّامٍ فقط، وفي العام نفسه استُبِيح ريف إدلب وحماة وحمص والحسكة ممّا أدّى إلى تحوّلٍ كامل في البنية السكّانيّة نتيجة الموت قتلاً أو جوعاً، أو الهروب باتّجاه المدن الأخرى، وتمّ ترحيل كثيرٍ من أرباب المهن والصناعات إلى داخل تركيا.
 
كما وثّق المركز نفسه، ما قام به العثمانيّون في مصر على يد سليم الأوّل إبّان استباحة مصر عام 1517، فلم تختلف عمليّة الاستباحة العثمانيّة لمصر عن سابقتها في بلاد الشام، بل ربّما كانت أشدُّ وطأةً على اعتبار أنّ مصر مركزُ المماليك ومقرّهم الرئيس، إذ عَمِلَ الجيش العثماني في القاهرة على النهب والسرقة والإجرام، فيما شملت العمليّات العسكريّة للعثمانيّين، إلقاء القبض على المماليك والجراكسة ومن يُشتبه فيه بأنّه منهم، إضافةً إلى بعض العرب البدو، لتُضربَ أعناقهم بعد تعذيبهم. وتتباين إحصائيّات القتلى، إذ قدّرتها المصادرُ في حينها بحدود 10 آلاف شخصٍ خلال أربعة أيّام، وبعض المصادر ترى أنَّ هذا العدد من الضحايا وقع في يومٍ واحد فقط.
 
كما طالت انتهاكاتهم المساجد وتخريب الأضرحة والقبور، والتعدّي على الفرائض الإسلاميّة لناحية تعمّد الإفطار في نهار رمضان وشرب الخمور في الشوارع، وتعرية المارّة من ثيابهم، والتطاول على الأعراض، واستعباد سكّان القاهرة وربطهم بالحبال من رِقابهم، وإجبارهم على السخرة لدى الجيش العثمانيّ، وجلدهم. وهو ما تكرّر في غير موضعٍ من البلاد التي احتلّها العثمانيّون، وكما فعلوا في بلاد الشام، فقد عمد العثمانيّون إلى ترحيل أرباب المهن والصناعات إلى تركيا، إذ لم يكن لدى الأتراك أيّة خبرةٍ في الصناعة.
 
أمّا مركز سميث للدراسات والبحوث ذكر ما حدث من العثمانيّين تجاه دمشق، التي دامت تحت الحكم العثماني سحابة أربعة قرون منذ انتصار السلطان سليم الأوّل جيش المماليك في معركة مرج دابق شمال حلب يوم عام 1516.
 
فقد شَهِدَت دمشقُ في تلك الفترة الفوضى والحروب الأهليّة، إلى جانب إرهاق الشعب بالضرائب وهجمات البدو وانعدام الأمن وجور بعض الإقطاع المحلّيّ. وفي عام 1831 دخلت البلاد في حكم محمد علي باشا، فكان حكمه فيها حكماً إصلاحيّاً من نواحي الإدارة والاقتصاد و‌التعليم، إلّا أنَّ سياسة التجنيد الإجباريّ التي انتهجها أدّت إلى تململ السوريّين من حكمه، وقيام ثوراتٍ شعبيّةٍ متتاليّة ضدّه بين عامي 1833 و‌1837، وقد استطاع السلطان عبد المجيد الأوّل بدعمٍ عسكريٍّ من روسيا القيصريّة و‌بريطانيا و‌النمسا استعادة بلاد الشام في عام 1840.
 
كما ذكر مركز المزماة للدراسات والبحوث، ما وقع في ليبيا إيزاء الحكم العثماني، إذ ارتكبت القوّات العثمانيّة ضدّ قبيلة الجوازي في مدينة بنغازي مجزرةً سمّيت بـ"الجوازي" عام 1816 في ولاية برقة شرق ليبيا، وقُتِل فيها أكثر من عشرة آلاف فردٍ من قبيلةٍ واحدة، انتقاماً من ثورة المدينة التي اندلعت ضدّ حكم أسرة القره مانللي ورفضهم دفع الضرائب المفروضة.
 
وجاء في فيلمٍ وثائقيٍّ عن جرائم الدولة العثمانيّة في السعوديّة، انتجته مجموعةُ خالد بن نايف الإعلاميّة، ما قامت به القوّات العثمانيّة في حقّ الدولة السعوديّة (الأُولى)، إذ تقدّمت قوّات إبراهيم باشا، وسيطرت على معظم نجد لمدّة 9 أشهر، ارتكبت خلالها جرائم بَشِعة في حقِّ الأمراء والعلماء وقادة المجتمع وعامّة الناس، ثمَّ عاد إلى مصر مدمِّراً ما في طريقه كلّ ما قابله من قلاعٍ وحصون، ناهباً المواشي والممتلكات ومخرِّباً للحقول. فيما قامت القوّات العثمانيّة بقتل 230 رجلاً. كما نهب أموالهم ومتاعهم ومواشيهم وقسماً من أبنائهم، وفرض ضرائب باهظةً على من تبقّى، وأتلف مزارعهم.
 
كما قام الوالي العثمانيّ فخري باشا، باستقطاع المدينة المنوّرة وإلحاقها بالدولة العثمانيّة وتهجير أهلها، ثمّ تتريكها بدلاً من سكّانها الأصليّين، حتى أنّه لم يبقَ فيها إلّا 140 رجلاً وعدد من النساء. وأعمل فيها النهب والقتل وهتك الحرمات، وسلب كلّ مدّخرات الحجرة النبويّة الطاهرة، ناقبين الحائط المدار حول القبر طلباً للجواهر والنقود من هدايا الخلفاء العباسيّين وأمراء المسلمين، إضافةً إلى صعودهم فوق القبّة الخضراء لسرقة الهلال المُذهّب.
 
إذ نهب الجنودُ العثمانيّون آلاف من مقتنيات الحجرة النبويّة الشريفة الثمينة، من بينها جوهرةُ الكوكب الدرّيّ والبردة النبويّة ومصحف عثمان بن عفان، ومحتويات مكتبة عارف حكمت والمحموديّة من مخطوطاتٍ نادرة، موجودةٌ جميعها حالياً في متحف "توب قابي" في إسطنبول.
 
كتب الشيخ محمد الطيّب الساسي في صحيفة القبلة بتاريخ 1917، عن تنكيل الجنود خلال حكم فخري باشا بأبناء القبائل والبدو الذين يَفدُون إلى المدينة بقليلٍ من الأرز والدخن والذرة وغير ذلك ممّا انتفع به الناس خلال الحصار، إلّا أنَّ الأتراك الطورانيّين الظالمين صاروا ينكّلون بكلِّ بدويٍّ يأتي بشيءٍ من أسباب المعيشة، فيسلبونه ما بيده ويحبسونه ويقتلونه". إضافةً إلى مدّ خطِّ السكّة الحديديّة الذي كان يتوقّف عند باب العنبريّة إلى داخل أحشاء المدينة المنوّرة، إلى قرب باب السلام تحديداً، هادماً في طريقه شارع العينيّة والأسواق والأسوار والبيوت على من فيها، وكان الهدفُ من ذلك تحويل الحرم النبويّ إلى قلعةٍ عسكريّةٍ ومخزنٍ للسلاح من دون مراعاةٍ لحرمة "الحرم النبوي" الشريف. وقد أدّت إجراءات فخري باشا إلى تفشّي المجاعة فيمن تبقّى من النساء والأطفال، حتى بلغ الأمر بالأسر لأكل حشائش الأرض والبرسيم وبقايا الحيوانات، وعملت نساء المدينة عند الجيش التركيّ حاملاتٍ للأتربة وبقايا ومخلّفات طريق القطار، إذ قامت قوّات فخري باشا، بجريمة تطهيرٍ عرقيّ -وفق التوصيف المعاصر- أو ضمن ما عُرِفَ بالترحيل الجماعيّ (سفر برلك) لمن تبقّى من أهل المدينة.
 
أمّا عن العراق، فوفقاً لمركز سميث للدراسات والبحوث، إنَّ العثمانيّين حاصروا كربلاء بين عامي 1842و1843، وقاموا بقصفها بالمدافع وقطع نخيلها ونهب ممتلكاتها، وتتباين الإحصائيّات في حجم الضحايا بين 4 آلاف رجلٍ وامرأة وطفل إلى 9-10 آلاف، فيما تذهب بعض المصادر إلى أنَّ العددَ فاق الـ24 ألفاً.
 
كما وثّق المركز أيضاً، سلسلة الجرائم العثمانيّة، تلك التي وقعت بحقّ بلدة عراق الكرك إحدى البلدات الأردنيّة، نتيجة انتفاضة أهلها على الجور العثمانيّ. إذ قامت القوّات العثمانيّة باتّخاذ الأطفال والنساء دروعاً بشريّة داخل إحدى المضافات؛ لإرغام الفرسان على تسليم أنفسهم، ثمَّ جمع فرسان عشيرة المواجدة بالإضافة إلى كلِّ ذكرٍ من العشيرة، بمن فيهم أطفال، من دون أيّة محاكمةٍ مدنيّةٍ أو عسكريّة، وربطهم إلى بعضهم وقتلهم، وإلقاء جثثهم في كهفٍ ما زال قائماً، دون السماح بدفن جثامينهم، فيما أُلقِيَ شيخ المواجدة ومرافقته من أعلى القلعة، وكان العثمانيّون يُقيّدون كلّ اثنين من فرسان المواجدة معاً أو يربطون رقابهم إلى حجرٍ كبير، ويُلقونهم من أعلى أسوار القلعة. وذهب ضحيّة هذه المجزرة قرابة 85-100.
 
كما ذكرَ مركزُ المزماة للدراسات والبحوث، أنَّ العثمانيّين قاموا بحصار وتجويع لبنان وإخضاعه عام 1917، خوفاً من إنزال قوّات الحلفاء فيه، أي أنَّ القوّات العثمانيّة قامت بحربٍ استباقيّة على الشعب اللبنانيّ من (مسلمينَ ومسيحيّين)، أدّت إلى وفاة عشرات الآلاف من أصل 400 ألف هم سكّان المنطقة. وتذهب تقديرات الاستخبارات الفرنسيّة إلى أنَّ مجملّ الضحايا بلغ 110 آلاف لبنانيٍّ في أربع مناطق فقط، فيما ترتفعُ التقديرات الألمانيّة إلى 200 ألف في سورية ولبنان. أمّا تقديراتُ الصليب الأحمر الأمريكيّ فقد جاوزت 250 ألفاً، وشمل الحصار منع دخول المواد الغذائيّة (القمح بشكلٍ أساس) من سورية إلى جبل لبنان، ومصادرة القمح الموجود لدى اللبنانيّين لإطعام الجيش العثمانيّ، ترافق ذلك مع عمليّاتِ ترحيلٍ إجباريّ (سفر برلك) لقسمٍ من سكّان لبنان.
Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 2 + 6