العثمانيون والتتريك

فاتح منصور

2020.06.14 - 09:10
Facebook Share
طباعة

هذا هو التّاريخ يعيد نفسه، ففي كلّ مكان حلّت فيه الدّولة العثمانيّة كان وباؤها يضرب المناطق التي تسيطر عليها، إذ درج السّلاطين المتعاقبون على ضخّ دماءهم الملوّثة في المجتمعات المستعمرة عن طريق فرض لغتهم الهجينة من جهة واستجلاب البدو الرّحل من كلّ بقاع أواسط آسيا لتوطينهم في البلاد المستعمرة في سعيٍّ حثيث لتغيير الوجه الديموغرافي للمناطق الخاضعة للحكم العثماني، تلك المناطق التي كانت وما زالت تشكّل نقاطاً غير متجانسة مع محيطها إلى وقتنا الحاضر.
فمن الاستيلاء على البلدان إلى تغيير أسماء المدن والقرى، واستجلاب العنصر التّركي ليحلّ محلّ أهل البلد الأصليين وما يستتبع ذلك من تهجير ونفي وظلم.
ربّما كانت سياسة التتريك هي الحالة الاستعماريّة الأكثر تميّزاً عبر التّاريخ لدرجة أنّها حملت هذا الاسم الذي يميّزها عمّا سواها، ولم يجاريها في ذلك سوى الدّولة الصهيونيّة التي اتّخذت اسم التّهويد لأعمالها الاستيطانيّة الشّنيعة.
 
مما يفرّق التتريك عن بقية سياسات الظلم العثماني أنّها جريمة مستدامة، أي أنّها لا تتوقف، فبغضّ النّظر عن الظلم الآني الذي طبّقته الدّولة العثمانيّة أثناء تطبيق التتريك إلا أنّ تبعات ونتائج هذه السياسة ما زالت ماثلة حتّى يومنا هذا، فمن مأساة كريت إلى الحرب القبرصيّة مروراً بحرب البلقان كلّها كانت من النتائج التّاريخيّة لسياسة التتريك، بالإضافة إلى العديد من البؤر التي لا تزال تشكّل جراحاً غير قابلةٍ للشّفاء رغم مرور مئات السنين.
 
 
المشكلة أن تركيا العلمانية عادت لتبنّي هذه السيّاسة العثمانيّة من جديد في توجّه عنصري القصد منه إعادة إحياء الامبراطورية البائدة، فها هي تغيير أسماء القرى في شمال وشمال شرق سوريا، وتقرّ المناهج التركيّة في تلك المناطق، كما أنّها تنتهج نفس الأسلوب مؤخّراً في بعض مناطق ليبيا. فهل يتنّبه العالم إلى مثل هذا النّوع من الجرائم المستدامة ويتصدّى لها؟ 
 
Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 2 + 6