كتبت باسكال عازار: عن الابادة العثمانية لمئات الاف اللبنانيين

2020.06.14 - 10:03
Facebook Share
طباعة


تذكر الإبادة الأرمنيّة في مئويّتها الأولى ذاك اللبناني المطبوع بالنسيان في مواجهة مع تاريخه المخضّب بالدم والموت، بشهداء قضوا حتماً في مجزرة سبّبتها سياسة تجويع ممنهجة. وتتسلّق أرواح شهداء سياسة التجويع التي فرضها العثمانيون على لبنانيي المتصرّفية سلّم الزمان، تحاول إيجاد مكان ينصفها أمام منصّة الذاكرة، تعيد إحياء ملامحها في صور جثث نتنة منتشرة في زوايا القرى وعلى أعتاب المنازل. وهياكل عظميّة يكسوها الجلد ولا يبرز منها إلا تلك العيون الجاحظة وسط جمجمة لا يبحث العقل الذي فيها إلا عن طعام يبدّد خوف الموت أو يؤخّر مجيئه لأيّام.

في زاوية أخرى ثمّة من تُطعم أولادها الهررة والكلاب، ولو استطاعت إشباعهم من لحمها الحي ودمها لما تردّدت. وكم يحكى عمّن وصل بهم الجوع إلى نهش الأطفال، وكم يحكى عن جائعات هجرن قراهن بعدما فُرض عليهن البغاء مقابل الرغيف. وكم يحكى... ويحكى... في روايات الأجداد وكتب التاريخ. غير أن الجوع الذي اختبره اللبنانيون في الحرب العالمية الأولى على أيدي العثمانيين، ليس مجرّد وثائق ومخطوطات، ولا هو فيلم يحاكي الحنين وأخبار البطولة والوطنيّة كما صوّره الرحابنة في "سفر برلك"، ولا هو مجموعة أسطر يدونها التلامذة على كرّاسات الإمتحانات الرّسميّة. إنها إبادة أطاحت بثلث سكّان المتصرّفية، أي ما يعادل نحو 250 ألف لبناني، وربّما أكثر. هي جريمة إنسانيّة، عذّبت وهجّرت وجوّعت وسرقت وقتلت أجدادنا، وحرّكت اللبنانيين في دول الإغتراب وأبكت جبران خليل جبران الذي قال فيهم "ماتوا صامتين لأن آذان البشريّة قد أغلقت دون صراخهم، ماتوا لأنهم لم يحبوا أعداءهم كالجبناء ولم يكرهوا محبّيهم، ماتوا لأنهم لم يكونوا مجرمين، ماتوا لأنهم لم يظلموا الظالمين، ماتوا لأنهم كانوا مسالمين، ماتوا جوعاً في الأرض التي تدرّ عسلا. ماتوا لأن الثعبان الجهنمي التهم كل ما في حقولهم من المواشي وما في أحراجهم من الأقوات". ورد في كتاب "لبنان 1914 – 1918 عبر وثائق وزارة الخارجيّة الفرنسيّة" للمؤرخ والباحث اللبناني الدكتور عصام خليفة ذكر إحصاء قام به الصليب الأحمر الأميركي "يقدّر فيه عدد ضحايا الجوع في جبل لبنان في العام 1917 بـ250 ألف نسمة من أصل 400 ألف وهو العدد الإجمالي للسكان". إنه من دون شكّ رقم يستحقّ التوقّف عنده والتساؤل عن سبب نسيانه.
ويرفض بعض الأصوات من بين المؤرخين وصف حالة الموت التي واجهت سكّان متصرّفية جبل لبنان خلال الحرب العالمية الأولى بسبب الجوع الذي تسبّب العثمانيون بجزء أساسي وكبير منه بالإبادة. وينصّ اتفاق منع جريمة الإبادة الجماعيّة والمعاقبة عليها الصادر بقرار عن الجمعيّة العامّة للأمم المتحدة في 9 كانون الأول 1948، على أن "الإبادة الجماعيّة، سواء ارتكبت في أيام السلم أو أثناء الحرب، هي جريمة بمقتضى القانون الدولي". ويعرّف الإتفاق الإبادة الجماعيّة بأنها "أياً من الأفعال التالية، المرتكبة بقصد التدمير الكلي أو الجزئي لجماعة قوميّة أو إثنية أو عنصرية أو دينية، بصفتها هذه: قتل أعضاء من الجماعة، إلحاق أذى جسدي أو روحي خطير بأعضاء من الجماعة، إخضاع الجماعة عمداً لظروف معيشيّة يراد بها تدميرها المادي كلياً أو جزئياً، فرض تدابير تستهدف الحؤول دون إنجاب الأطفال داخل الجماعة، ونقل أطفال من الجماعة عنوة إلى جماعة أخرى". ويظهر جليّاً من عرض نصّ الإتفاق، أنه يصحّ وصف الحوادث التي هي معرض بحث في هذا التحقيق بالإبادة الجماعيّة.

إبادة أم لا؟

رغم الأرقام التي عرضها في كتابه عن الإحصاء الذي قام به الصليب الأحمر الأميركي أكّد خليفة أنه "حتى الآن ما من دراسة علميّة دقيقة تحدّد عدد الذين ماتوا في المجاعة بل ترجيحات". وأضاف "وضع داود باشا في العام 1913 إحصاء حدّد عدد سكّان متصرّفية جبل لبنان بـ414800 نسمة، لكن أرقام أعداد الوفيات بسبب المجاعة متفاوتة فتقرير الصليب الأحمر الأميركي يقدّر العدد بـ250 ألفاً، أما ترابو مسؤول المخابرات الفرنسيّة في أرواد فيقول أن العدد بلغ 110 آلاف في كسروان وجبيل والبترون والمتن غير أن هذا الرقم محصور بأربع مناطق فقط. والـEgyptian Gazette تقول 200 ألف، وترجّح تشتلر الألمانية 200 ألف بين سوريا ولبنان". وبالنظر إلى الترجيحات يقول خليفة إن "ثلث الشعب اللبناني قضى بسبب المجاعة وانتشار الأمراض، ولكنه يبقى رقماً ترجيحيّاً". أما إذا ما كان يصحّ وصف ما حصل بالإبادة فقال: "إن كلمة إبادة كبيرة جداً، ما حصل هو حصار وتجويع وإخضاع بسبب تخوّف العثمانيين من إنزال قد يقوم به الحلفاء في جبل لبنان، لقد كان ذلك نوعاً من حرب إستباقيّة". وأضاف "كمؤرخ أؤكد أن المجاعة شملت المسلمين والمسيحيّين والأمراض طالت كلّ الطوائف، أدين حتماً الكارثة التي وقعت، ولكنها ليست إبادة".
بدوره رفض الأستاذ في التاريخ العثماني في الجامعة اللبنانية الدكتور فاروق حبلص "اتهام العثمانيين بسياسة التجويع. فالحلفاء ضربوا حصاراً بحريّاً خلال تلك الفترة كذلك على الشاطئ، ولو كان هدف العثمانيين تجويع اللبنانيين لما أرسل جمال باشا كميّات من القمح إلى البطريرك الماروني خلال تلك الفترة ووزع بطاقات الإعاشة للتخفيف من الأزمة". ولدى الإستفسار عن صحّة ذلك مقابل مصادرة القمح والمواشي وغيرها من العثمانيين وسياسات التضييق قال: "أخطأت السلطنة العثمانية نعم، ولكن لا يجوز أن نلقي بكل الأمور على كاهلها، لا يجوز تضخيم الأمور، كما لا يمكن الحكم على حوادث وقعت منذ 100 عام بمعايير اليوم، لأن البشريّة تطوّرت كثيراً على صعيد مفاهيم الحريّة والديموقراطيّة والإنسانيّة".
ولكن نقيب الأطباء أنطوان البستاني مؤلف كتاب "تاريخ المجاعة الكبرى في جبل لبنان (1915 – 1918) إبادة مرّت بصمت" يصف الحوادث بأنها "إبادة من الدرجة الأولى حصلت نتيجة إرادة مسبقة وتمت ترجمتها بحصار برّي فرضه العثمانيون على كامل جبل لبنان لمنع إدخال القمح من البقاع وسوريا، وفي المقابل قاموا بمصادرة القمح من البيوت لإطعام جيوشهم". وأضاف: "لقد باع الأهالي بيوتهم ورهنوها مقابل كيس من القمح وباعت النساء أجسادهن، ما حصل كان رهيباً حرّك اللبنانيين في مصر وبلدان الإنتشار، ما جعل الملك الإسباني والولايات المتحدة يتحرّكان للضغط على السلطنة من دون جدوى". وانتقد من يقولون أن الحصار البحري الذي فرضه الحلفاء هو السبب مشيراً إلى أن "القمح يصل إلى الجبل عن طريق البر من البقاع وسوريا وليس من طريق البحر، وإذا كان الحصار البحري هو السبب فلماذا صادروا القمح من البيوت ومنعوا إدخاله إلى الجبل؟". وختمّ "ما قام به العثمانيون كان هدفه إبادة المسيحيين في الجبل، تماماً كالإبادات التي ارتكبوها بحق السريان والآشوريين والأرمن ويستحق هؤلاء منا تكريم ذكراهم.

وكُتب أيضاً:

نزيف الذاكرة الرومية، مليونان ومئة ألف شهيد، 19 أيار ذكرى المذابح التركية بحق اليونانيين:

في 19 أيار (مايو) من كل عام تقام الذكرى السنوية للشهداء الروم الأرثوذكس الذين قُتلوا على أيدي العثمانيين في العام 1915 خلال تلك المجازر الدموية الفظيعة التي أرتكبت بحقهم في إقليم البنطس (البونتيك) وفي حلب وكيليكيا، وقد بلغ عددهم نحو مليونين ومائة ألف شهيد، عدا عن أولئك الذين تهجروا وتشردوا من مدنهم وقراهم حتى يومنا هذا.
فنحن لا ننساهم في صلواتنا، ولا يبرحون من ذاكرتنا الجماعية، تخليداً لذكراهم ومحبة ووفاءً لأرواحهم.
في عام 1994 ، تم اختيار 19 أيار من قبل البرلمان اليوناني ذكرى الإبادة الجماعية في بونتيان من قبل الأتراك. تعتبر "الابادة الجماعية" واحدة من أحلك اللحظات في التاريخ ، ليس فقط بالنسبة لليونانيين ، ولكن للبشرية أيضا. على إثر "الإبادة الجماعية"إختفى وتهجر السكان من موطن أجدادهم وتاريخهمفي بونتوس ، وقد كانت بونتس جزء حيوي وفريد من الناحية الثقافية تحتوي على السكان اليونانيين الذين كانوا يقاتلون من أجل البقاء على قيد الحياة منذ حوالي 3000 عام.
تُظهر السجلات أن هناك ما لا يقل عن 350.000 من أبناء شعب بونتي اليونانيين الذين تم إبادتهم من خلال عمليات القتل النظامية من قبل القوات التركية ، وعمليات الترحيل التي تتضمن مسيرات الموت ، والتجويع في المخاض ومعسكرات الاعتقال ، والاغتصاب والقتل الفردي.
فليكن ذكرهم وذكر جميع اﻷموات مؤبدا".

وقال أنطون سعادة:

"لقد أخذ الأتراك إسكندرونة، ومن الآن يقولون أنها تركية، وهم سينشرون آيديولوجيتهم فيها، ويطلقون عليها اسماً تركياً، وهم لن يتوقفوا عند هذا الحد، إنهم يريدون السيطرة على حلب والجزيرة".
"تركيا هي الأقرب، البلد الأقوى والأكثر خطورة التي تنظر إلينا بعيون جشعة. هم ينتظرون اللحظة المناسبة لتحقيق ميزة سياسية من سورية وهي في أزمة. بعد ذلك ما هو واجبنا عندما نعرف جشع عدونا؟ علينا أن نكون أقوياء لأن الضعف سيسمح للعدو أن يأكلنا ونحن أحياء. خصوصاً، أن مجتمعنا فقد الوحدة التي كانت موجودة بيننا، وهذا السبب في كسر سورية بسهولة، وما يزال مستمر حتى الآن. هم يرون في وحدتنا خطراً على خططهم".

وأخيراً في الإعادة إفادة:
إنتبه لأفكارك لأنها سوف تصبح كلماتك، وانتبه لكلماتك لأنها سوف تصبح أفعالك، وإنتبه لأفعالك لأنها سوف تصبح عاداتك، وإنتبه لعاداتك لأنها سوف تصبح طبعك، وإنتبه لطبعك لأنه سوف يصبح مصيرك.
ولا تنسى أن الجزاء من جنس العمل. فإعمل ما شئت فإنك مجزي به، فإسلك أي طريق شئت ، فأي طريق سلكت وردت على أهله.

الإهانة أو الشتيمة هي طاقة سلبية ، وإستنادا الى قوانين الفيزياء quantum physics التي ذكرتها في المقدمة أعلاه: قانون حفظ الطاقة أو قانون بقاء الطاقة الذي ينص بأن الطاقة لا تفنى ولا تستحدث من العدم، ولكنها تتحول من شكل إلى آخر، ومن صورة إلى أخرى فتتحول الطاقة من نوع إلى آخر، ولكنها لا تفنى وتختفي، بل تبقى موجودة للأبد. كذلك هي الأفكار والكلمات وعلى إختلاف نوعيتها إن كانت جيدة أو سيئة.
لذلك أذكر لك أيضاً القانون الكوني للخالق جلّ وعلى: كل خير تفعله يعود إليك أضعاف الأضعاف وكل شر تفعله يبقى لديك ويتضاعف أضعاف الأضعاف. ولأن ذلك كذلك فما هو مصير أسيادك العثمانيين الجدد؟
 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 2 + 10