الثورة المعرفية أولا

محمد الأنصاري

2020.08.11 - 04:35
Facebook Share
طباعة

 
منذ نهايات 2011 –عام ثورات الربيع العربي- وحتى هذه اللحظة، يثار سؤال مركزي و مصيري لدى النخبة العربية : لماذا فشلت ثورات الربيع العربي؟. باستثناء تونس، تعاني بقية البلدان التي ظهرت فيها تلك الثورات من مشاكل مزمنة تعيق مسيرة التنمية السياسيية و الإقتصادية. ولقد تعددت الإجابات على السؤال المذكور مما قد يوحي بعدم وجود إجابة واحدة. في رأيي البمتواضع الاجابة يمكن تمثلها في سطر واحد؛ لقد وضعت الثورات العربية الحصان قبل العربة كما يُقال كناية عن الخلط في الترتيب و الأولويات.
 
إذا ما إخترنا النظر للتاريخ الغربي كمرجعية و معيار – كما هو الحال واقعيا في أغلب الأحيان- سوف نجد أن كل الثورات الغربية التي أثرت في البنية الاقتصادية و الإجتماعية و السياسية في المجتمعات الغربية، تميزت بميزتين : الإمتداد الزمني و الثورة المعرفية التي تشكلت على أساسها الثورات السياسية التي أطاحت بالتحالف بين الكهنوت و النبلاء. كانت الثورة الفكرية أساس الثورات السياسية في الغرب منذ الثورة الصناعية و حتى الثورة البلشفية مرورا بالثورة الفرنسية التي إستغرقت قرن من الزمان لكي تكتمل في صورتها النهائية.
 
أما في عالمنا العربي المصاب بداء السياسة العضال، فإن أخر ثورة معرفية كانت في القرن الثامن حين أنشأ المأمون دار الحكمة التي أخذت على عاتقها ترجمة جواهر التراث اليوناني من موقع قوة و ليس من موقع ضعف. عندنا تباعدت السياسة عن العلم و التصقت بالدين. فكانت المأساة. من أهم المفكرين العرب الذين وضعوا أيديهم على هذه الحقيقة كان الراحل محمد عابد الجابري حين قسم تكوين العقل العربي الى بيان و عرفان و برهان. و إقتران السياسة بالدين ليس مشكلة في حد ذاته الا إذا تباعدت السياسة و الدين عن العلم و المعرفة كما حدث عندنا بعد القرن الثامن الميلادي.
 
و اقولها بوضوح لن تنجح الثورات السياسية الا إذا تاسست على الثورات المعرفية. و لن تتحقق الثورات المعرفية بدورها الا اذا تحققت ثلاثة شروط لا أقل. الشرط الاول ان تكون العقلية البرهانية-باللغة الجابرية-هي الموجه الأول لكافة أوجه النشاط المعرفي كما كان الأمر في العصر الذهبي للحضارة الإسلامية . و يجب أن ندرك أن البرهان و العقلية البرهانية لا يتعارضان مع قدسية النص الديني بل تؤكده و تعضده. و هناك الكثير ممايقال في هذا الشأن مما يضيق المقال عن ذكره.
 
الشرط الثاني متعلق بتراكمات الحصيلة الفقهية و الفكرية و الفلسفية الهائلة المتاحة للعقل العربي ان يمتص منها كيفما شاء ووقتما شاء. و أنا هنا أتحدث عن التراث الإسلامي و الغربي على السواء. و هذا الأخير أصبح متوافرا نتيجة للثورة المعلوماتية الهائلة . و في المحصلة النهائية فإن العلم هو نتيجة تراكم جهود البشرية جمعاء منذ بدء الخليقة و ليس وليد الحضارة الغربية وحدها.
 
الشرط الثالث و الأخير أن يعود للمؤسسات الاكاديمية دورها الفاعل في المجتمع و الدولة. و هذا الدور غائب تماما في عالمنا العربي حيث هناك انفصال بين الجامعة و الشارع. أيضا هناك إنفصال أشد بين الجامعة و صانع القرار السياسي حيث يفني علماؤنا أعمارهم في دراسات و أبحاث للترقية العلمية تودع في نهاية الامر في قسم الرسائل الجامعية في المكتبات دون أن يستفيد بها صانع القرار. الوضع مختلف في الغرب حيث تلعب الاكاديميا دورا مؤثراً في المجتمع و الدولة بشكل أو بأخر. في العصور الوسطى كان علماء المسلمين يقومون بهذا الدور
 
الثورة المعرفية التي ترتقي بسلوك المواطن ووعيه يجب ان تسبق الثورة السياسية لان هي الضمان الوحيد لنجاح أي إنتفاضة سياسية. بدون الثورة المعرفية ستظل ثوراتنا السياسية تدور في دائرة جهنمية مغلقة من الدم و الشعارات التي لا تسمن و لا تغني من جوع.
Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 3 + 6