معركة البحر المتوسّط.. فلمن تذهب الغلبة.

خاص عربي برس _ د.هادي وهاب

2020.08.20 - 06:45
Facebook Share
طباعة

‎درجت العادة منذ قيام الحكم العثماني أن يبني السلاطين المتعاقبين على العرش مسجدا يعكس هويتهم الإسلامية كسياسة متبعة في ارجاء السلطنة.
‎وهكذا ارادها سلطان القرن الواحد والعشرين، منقلبا بذلك على الدولة العلمانية التي بناها كمال أتاتورك، مؤسس الدولة التركية في فترة ما بعد الحرب العالمية الأولى، فبنى مسجد "تشاميلجا" في إسطنبول، أحد أكبر المساجد في اسيا، وحول كنيسة "آية صوفيا" عام ٢٠٢٠ من متحف إلى مسجد تماما كما فعل السلطان محمد الثاني عام ١٤٥٣.
‎فاردوغان الطامح إلى إعادة الدور التركي إلى الواجهة، شهر سيفا بيمناه وراية الخلافة الإسلامية بيسراه.
‎فحاول شكلياً مواجهة أمريكا لاستعطاف الرأي العام التركي الذي يبدو ناقماً على الغرب. حصل ذلك بإتباع سياسة متناقضة للولايات المتحدة في سورية وتوقيف القس الأمريكي اندرو برونسون تحت ذريعة تبشيره بالديانة المسيحية. رغم العقوبات الأمريكية التي تلت ذلك، هددأردوغان بشراء منظومة الدفاع الروسية س-٤٠٠. كل ذلك كان بحسابات داخلية، إقليمية وإسلامية، رغم أن واقع الأمر يختلف عن ما يتم تسويقه.
‎فاجتاح السوق الإقتصادية في الشرق الأوسط، وعندما اندلعت الحرب السورية إستعان بإسرائيل كطريق مرور للبضاعة التركية تجاه دول ما وراء المتوسط، وهذا يعكس حجم التنسيق التركي الاسرائلي.
‎سياسيا، وجد اردوغان ضالته بالاخوان المسلمين فانهمك بدعمهم حيثما وجدوا، من سورية إلى ليبيا، مرورا بلبنان ومصر وتونس. حتى انه سهل عبور مقاتلو داعش عبر حدوده. كل هذا كان بدعم ومال قطري.
‎لكن محاولات السيطرة على الشرق الأوسط زينها اردوغان بإرسال اساطيل بحرية وجنود أتراك إلى طرابلس في ليبيا ما أعطاه قوةً في البحر المتوسط. فهنا أرض المعركة الطاحنة والتنافس الجيوسياسي.
هي معركة خطوط سياسية وباطنها تنافس على الغاز و السيطرة على بحر يمثل خط امداد للاقتصاد العالمي ولطالما شكل نقطةً إستراتيجية للقارات الثلاث: أفريقيا، اسيا واوروبا.
لكن السلطان العثماني الجديد وحلفائه في مأزق. فهم في منافسة شديدة مع جهتين اجتمعتا لتطويقه.
أوّلا، المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة ومصر، وثانيا، فرنسا وقبرص اليونانية واليونان، عدّوه التّاريخي.
العلاقة على مرّ الزمن كانت متشنّجة بين السعودية وتركيا. فقد تنافسوا في أوائل القرن التاسع عشر على السّيطرة على الساحة السنيّة كما يحدث الآن، فكانت الغلبة للعثمانيين الذين يعتبرون أن العرب خانوهم عندما عقد الشريف حسين اتفاقا مع بريطانيا خلال الحرب العالمية الأولى عُرف بمراسلات حسين-مكماهون، وذلك لإطلاق الثورة العربية ضد الاحتلال العثماني مقابل اعتراف بريطانيا بحق السيادة على أراضي السلطنة.
ولذلك، يبدو أن السعودية وحلفائها اتجهوا للمواجهة التي ما زالت ناعمة إلى هذه اللحظة.
المواجهة هنا أصعب وأهم من مواجهة إيران لسبب وجيه: اذ تسهل شيطنة إيران "الشيعية"، تصعب شيطنة تركيا "السنية".
وفي الجهة الأخرى، تعتبر اليونان أن العثمايين احتلوا أراض كانت تحت سيطرتها ولن يسمحوا بكسرهم مرّة أخرى. وفرنسا الطامحة للعب دور جديد في الشرق الأوسط تدرك أهمية اللعب في المتوسّط فأرسلت جزأ من أسطولها إلى لبنان برسالة تحمل في طيّاتها رسالة إلى أردوغان. كما يهم فرنسا أخذ حصّة من الغاز الذي بدأ يظهر في المتوسط من تركيا إلى مصر واليونان وقبرص ولبنان واسرائيل.
الأهم من كل ذلك أن امريكا لم تعد مهتمة بالشرق الأوسط كما كانت سابقا، فباستثناء حفاظها على أمن إسرائيل، يهمها فقط تطويق الصين ومواجهتها. فالخطر الحقيقي على استمرار واشنطن كقوة احادية يأتي من بكين.
المنافسة على المنطقة تأتي لتعبئة الفراغ الذي بدأ يُخلفه الأمريكي الذي يروي الدبلوماسيون الأمريكيون نيّة الإدارة الأمريكية بالانسحاب تدريجيا منذ مدّة لمواجهة الخطر الأكبر.
في ظل ذلك، يبدو أن الأمريكي يميل إلى موقف الفرنسي-السعودي وحلفائهم بانتظار ما قد يخلّف هذا الصراع على المنطقة.
رغم ضبابية ما قد يحدث في المعركة على المتوسط، الأكيد أنه في أوقات ملئ الفراغات وصعود أو زوال قوى، هناك حلين لا ثالث لهما: معركة عسكرية (مباشرة أو غير مباشرة كما يحصل في ليبيا) أو تقبّل وتسوية.
بانتظار رسم الصورة النهائية وخطوط الطول والعرض في البحر الأبيض المتوسّط، على الجميع انتظار الإنتخابات الرئاسية الأمريكية وما سينتج عنها من مفاوضات إيرانية-أمريكية ومشاهدة تراصف الصفوف بين الحلفاء من المحورين المتصارعين على الشرق الأوسط بحلّته الجديدة.

 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 4 + 7