الكتابة في زمن الإنكسار

محمد الانصاري

2020.08.29 - 10:32
Facebook Share
طباعة

 
 
من يستقطع من وقته و جهده النذر اليسير لمتابعة  الأعمدة و المقالات في الصحف العربية هذه الأيام ، لا بد و أن ينزعج من نبرة التشاؤم الصارخة فيما يخص الحديث عن القومية العربية و النظام الإقليمي العربي الذي يبدو أنه لم يعد له و جود. في الرابع عشر من أغسطس أجرت الأهرام كبرى الصحف المصرية لقاء مستفيضا مع السيد أحمد أبو الغيط الأمين العام لجامعة الدول العربية لم يذكر فيه و لو لمرة واحدة شيئا عن كيفية تفعيل أو إحياء النظام الاقليمي العربي او السياسات العربية المشتركة. طيلة اللقاء تحدث السيد ابو الغيط عن الخطر الايراني-التركي على " الدولة الوطنية العربية." لم يذكر خطر إسرائيل و لو حتى بإشارة عابرة.
من المفترض  أن  الدور الأساسي للجامعة العربية هو تفعيل النظام الاقليمي العربي و ليس الدفاع عن الدولة القطرية. ثم إنه من المفترض أنه على الأقل من وجهة نظر الجامعة العربية ، فان اسرائيل تظل هي العدو الرئيسي للعروبة و ليس إيران أو تركيا. و لكن يبدو أن شهادة وفاة النظام الاقليمي العربي قد صدرت بالفعل. و منذ زمن طويل. و يبدو أنه في ظل الهرولة للتطبيع لم تعد إسرائيل عدوا يحسب له حساب. 
ينعكس هذا التراجع على كتابات كتاب الاعمدة و المقالات العرب في صورة تشاؤم و سخرية مريرين يعكسان ألم و حزن دفين على ما آلت إليه أحوال النظام الاقليمي العربي. و يمكن في هذا الصدد رصد ثلاثة خصائص واضحة في توجه كتاب الاعمدة و المقالات العرب في هذه الأيام. 
وهذه الخصائص، التشديد المرضي على أنه " لم يكن في الإمكان أبدع مما كان."  و ربما يكون مبعث هذا الاتجاه عند بعض الكتاب العرب حاجة نفسية لتبرير الاحباط و التعايش معه. فها هو دكتور محمد علي السقاف في أحد أعداد جريدة الشرق الاوسط اللندنية  في شهر أغسطس يبدأ مقالاته بتقرير " أكثر من قرن منذ اتفاق سايكس-بيكو و العالم العربي على حاله تقريبا كما كان مسرحا لتدخلات القوى الأجنبية  الاقليمية والدولية" 
أما الكاتب المصري جميل مطر فيختار السخرية و سيلة للتعبير في مقال في نفس الجريدة بعنوان " لوحة الشرق الاوسط: تجديد أم إبتكار؟ " يقول مطر واصفا حال الشرق الاوسط على لسان أدميرال تركي من ضحايا الثورة التطهيرية الاردوغاتية " توقعت لوحة تقليدية بخطوط من لونين الابيض و الاسود فإذا بي أمام لوحة شديدة الشبه بلوحات بيكاسو. "
السمة الثانية لهذه الكتايات هي الواقعية الشديدة التي تقترب من البرغماتية. و هذه نجدها في كثير من كتاب الخليج العربي على الأخص. و الواقعية ليست موضع ذم في حد ذاتها. و لكننا أ حيانا ما نكون أمام حالة صارخة من التضاؤل و الدونية و نكران الثوابت. ها نحن كاتب خليجي شهير يتولى الدفاع عن سياسات ترمب ضد حملة " اليسار الامريكي" لا لشيء الا أنه يتصور ان ترامب يحقق مصالح الخليج. عن اي عوار فكري نتحدث. 
السمة الثالثة في الكتابات الراهنة هي الحديث المستفيض عن عداوة إيران و تركيا للعرب مع التلميح باستحياء عن عداوة اسرائيل. و هنا يتبادر الى الذهن عشرات بل مئات المقالات التي تنحو هذا النحو حتى انه حدث نسيان متعمد لعداوة اسرائيل في ظل تصعيد العداء مع ايران و تركيا حتى يظن المرء أن المنطقة العربية تتعرض لموجة جديدة من " الشعوبية."
 

 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 9 + 7