د.محمد نور الدين في حوار حول تركيا لشبكة عربي برس

حاورته: أورنيلا سكر

2020.09.29 - 12:38
Facebook Share
طباعة

الباحث محمد نور الدين غني عن التعريف، فهو متخصص بالشأن التركي ومن أهم المطلعين على خبايا الكواليس المتعلقة بالسياسات التركية.
من هذا المنطلق توجه فريق عربي برس إليه للاطلاع على كواليس السياسات التركية فكان هذا الحوار.

س- ما هو حقيقة الدور التركي في ليبيا وسوريا والعراق ولماذا تتدخل في هذا المثلث؟
- التدخل التركي في العراق سبّاق على غيره، عندما كانت القوات التركية تطارد مقاتلي حزب العمال الكردستاني في الثمانينيات.
أما في سوريا فيعود التدخل التركي إلى بداية "الربيع العربي" عبر دعم المجموعات المسلحة المعارضة ومن ثم من العام 2016 بالتدخل العسكري المباشر واحتلال أجزاء من شمال سوريا.
أما في ليبيا فإن الاهتمام التركي يعود إلى مرحلة إسقاط معمر القذافي لكن الخطوة الأقوى كانت في نهاية العام 2019 مع توقيع اتفاقيتي ترسيم الحدود البحرية والتعاون العسكري مع حكومة فايز السراج.
قبل حزب العدالة والتنمية كانت منطلقات الاهتمام التركي بجوارها العربي أمنية. لكن مع حزب العدالة والتنمية أصبح هذا الاهتمام سواء في سوريا والعراق أو ليبيا جزءا من محاولات تنفيذ مشروع العمانية الجديدة برا وفي شرق المتوسط.


س- هل تعتبر أن تركيا فشلت في تحقيق أهدافها؟
- كان مشروع حزب العدالة والتنمية يضع نصب عينيه الهيمنة السياسية على كل المنطقة العربية.وقد نجح بداية في مصر وتونس والمغرب.لكنه عاد وفشل فيها إضافة إلى الفشل في إسقاط النظام في دمشق.وانتقلت أنقرة لتنفيذ الخطة باء وهي الاكتفاء بالهيمنة على مناطق الميثاق الملّي في شمال سوريا والعراق وقد أمكن لها ذلك إلى حد كبير في سوريا ونسبيا في العراق مع نجاح في ليبيا وإثبات حضور في شرق المتوسط.

 

س- البعض اليوم يتخوف من تصاعد الدور التركي في المنطقة العربية والمغرب العربي .
هل تجد أنها تعرقل مساعي التسوية أم تساند الحوار الوطني من أجل العبور إلى مرحلة انتقالية؟
- إذا كان المقصود ليبيا تحديدا فلتركيا مصالح سياسية هناك لمواجهة مصر والإمارات والسعودية وفرنسا واقتصادية لنيل حصة من الكعكة الليبية.وهي تعارض أو تؤيد حوارا من هنا أو هناك تبعا لما ينسجم مع مصالحها.لكن جولات الحوار الأخيرة في ليبيا بين الأطراف الليبيين قد تبدو منسجمة أكثر مع الخطة المصرية أكثر منها التطلعات التركية.

 

س - هل تعتقد أن لتركيا أطماع امبريالية بفعل هزيمته في الحرب العالمية الأولى لذلك تريد إحياء تاريخ الأجداد؟
- بالتأكيد.فالمسؤولون الأتراك في عهد حزب العدالة والتنمية جاهروا عشرا المرات بنيّتهم استعادة حدود "الميثاق الملّي" لعام 1920 والذي يشمل شمال سوريا وشمال العراق وعملوا فعلا على ترجمة ذلك بتدخلاتهم العسكرية.وفي شرق المتوسط يتحدث الأتراك دائما عن حماية حدود "الوطن الأزرق" أي حدود المناطق الاقتصادية الخالصة التي يسعون لها خارج قانون البحار الدولي لعام 1982 والذي يعطي مساحات بحرية واسعة لقبرص اليونانية واليونان والذي ترفضه تركيا.

 

س- نلاحظ اليوم أن تركيا تلعب دورا مسيئا على مستوى نشر التطرف والإرهاب من خلال دعمها تنظيم الإخوان الذين باتوا يشكلون خطرا على المجتمعات العربية وبخاصة الأوروبية . برأيك كيف يمكن الحد من هذه المخاوف على الأقل من وجهة نظر تركيا وبخاصة أن المخاوف هي صادرة عن استغلال المساجد في أوروبا بتجنيد الشباب من أجل الالتحاق بتنظيم داعش والجماعات المسلحة؟

 

- الدعم التركي للتنظيمات الإرهابية معروف وموثق وفي مقدمها تنظيم داعش وجبهة النصرة وعشرات التنظيمات المسلحة الموجودة في إدلب.ويشكل عناصر هذه التنظيمات "جيشا موازيا" تستخدمه تركيا حيثما تعذر استخدام الجيش الرسمي النظامي.وبالفعل شهدنا نقل عناصر من هؤلاء المرتزقة من إدلب إلى مناطق عفرين وجرابلس وشرق الفرات ومن ثم إلى ليبيا والآن إلى أذربيجان لمواجهة أرمينيا وناغورنو قره باخ.وربما غدا نجدهم في مكان آخر.وهذا أمر خطير جدا من زاوية القانون الدولي.ولا شك أن استغلال المساجد في أوروبا لتجنيد إرهابيين بالغ الخطورة على الأمن والاستقرار في داخل أوروبا نفسها عندما يعود هؤلاء من المناطق التي أرسلوا إليها.لكن يجب الإشارة هنا إلى أن الأوروبيين ليسوا بعيدين عن دور رئيسي في تشجيع الإرهاب من خلال إرسالهم عناصر إرهابية للإلتحاق بداعش والنصرة في سوريا والعراق والمنطقة العربية ككل ودورهم في تأجيج الحرب على سوريا ولا يزالون حتى الآن يدعمون احتلال أجزاء من سوريا من خلال ما يسمى التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب.
أما الإخوان المسلمون فهم ركيزة أساسية في خطط حزب العدالة والتنمية للسيطرة على المنطقة العربية والعمل على خلع الأنظمة.

 

س- سؤال بعد سقوط الإخوان المسلمين عبر محمد مرسي في مصر وانتقال هذه القيادة إلى تركيا . من يقود الإخوان المسلمين فعليا؟ ومن يشغلها؟

- في الواقع بعد الحملة التي تعرض لها الإخوان المسلمون في أكثر من بلد فإن قيادات الإخوان البديلة أو الجديدة توارت عن الظهور العلني.لكن المؤكد أنها تنظر إلى تركيا ملاذها الأقوى والآمن التي تستظهر بها لتبقى حاضرة.

 

س- من الواضح أن الإخوان المسلمين يأخذون الدولة الإسلامية نموذجا لنظام حكم . هل لك أن تعرف لنا نموذجا حيا للدولة الإسلامية عبر التاريخ وهل تعتقد أن لاردوغان مشروع حضاري عندما يساهم بتحويل متحف تراثي -تاريخي يسجد تاريخ العلاقات البيزنطية- الإسلامية إلى مسجد. ؟؟؟
- لم يُقم الإخوان المسلمون دولة في تاريخهم.وربما في العصر الحديث كنا أمام نموذجين للدولة الإسلامية واحدة في أفغانستان وأخرى في إيران.وفي الحالة التركية هناك محاولة جدية وإن كانت ستأخذ وقتا لإقامة دولة إسلامية تحت مسمى العثمانية الجديدة. وفي هذا الإطار تأتي محاولات تديين المناهج التعليمية وتنشئة جيل متدين من الطلاب والشباب ومن الخطوات التعبوية لذلك تحويل آيا صوفيا إلى مسجد وتحويل كنيسة "كارييه" في منطقة الفاتح باسطنبول إلى جامع قبل عدة أسابيع.

 

س- كيف تقيم هذا الانتهاك وفي أي إطار تضعه ولأي اعتبارات؟
- إذا كان لمحمد الفاتح اعتبارات دينية في القرون الوسطى لتحويل آيا صوفيا إلى مسجد فإن تركيا اليوم بلد شريك في حوار الحضارات ومرشح للدخول في الاتحاد الأوروبي.لذلك فإن خطوة إردوغان الأخيرة حول آيا صوفيا غير مقبولة وتحيي النزعات الدينية وتعمقها.لكن إقامة المشروع العثماني القومي- الديني يتقدم على ما عداه لدى نخب حزب العدالة والتنمية.

 

س- هل تعتقد أن إستراتيجية تركيا التي يقودها اردوغان قد فشلت ؟ أين وكيف؟

- هناك إستراتيجية محددة لإردوغان تتسع وتضيق وفقا للظروف لكنه لم يتخل عنها أبدا.وما دام ممسكا بتلابيب السلطة فلا يتوقع لهذه النزعة أن تطوى.وهي تعرف النجاح في مناطق والفشل في مناطق أخرى لكن ما هو واضح أن هذا المشروع لا يجد من يؤيده سوى قطر ويحظى بمعارضة شبه كاملة لذا فالمشروع محكوم بالفشل طال الزمان أم قصر.

 

س- في الوقت الذي كانت تجري فيه محادثات سلام مع حزب العمال الكردستاني. لماذا فضل التحالف مع الجماعات الإسلامية المسلحة ضد الأكراد في سوريا؟
- هناك ثابتة واحدة لدى إردوغان وهي إنكار الهوية الكردية أينما كانت.وعندما كان يجري محادثات مع أكراد تركيا فإنما لغايات تكتيكية انتخابية سرعان ما يعود لقتلهم واعتقالهم.لذلك فإن تحالفه مع التنظيمات الإسلامية المتطرفة ضد الأكراد مسألة بديهية بالنسبة له.

 

س - ولماذا برأيك ينادي في ليبيا بوصول فتحي باشاغا والتخلي عن فايز السراج في إشارة إلى إدانة الإخوانية والتصويب باتجاه شخصيات معتدلة. ماذا يعني ذلك؟

- لا اعتقد أن إردوغان متمسك بأحد لا بوزير الداخلية ولا بفايز السراج.همه الوحيد هو ترسيم الحدود البحرية مع ليبيا كما هو يريد وقد حصل ذلك، واقتطاع حصة من الكعكة النفطية الليبية وهو لم يحصل بعد عليها.

 

س-ماذا يحدث الآن في قمة بوزريقة المغرب وأين وصل الحوار الليبي _ الليبي والسوري _السوري وما الفرق بين الواقعين على الأقل من جهة نظر الدور التركي ؟؟
- إن وقف التقدم التركي عند خط سرت- الجفرا ،كذلك استئناف الحوار بين المكونات الليبية هو نجاح للرئيس المصري عبدالفتاح السيسي.لكن لا يبدو أن هذه المكونات قادرة على الوصول إلى تفاهمات نظرا لأن القوى الخارجية المؤثرة لم تتوصل بعد فيما بينها لاتفاقات.لذا فالوضع قد يستمر على ما هو إليه فترة طويلة وللأسف. والأمر نفسه ينطبق على الحوار السوري السوري حيث لا تزال تركيا تعارض أي صيغة لا تتضمن انسحابا للرئيس السوري من الحياة السياسية لاحقا.

 

س - وما هي حقيقة الصراع التركي الروسي اليوم في ليبيا؟؟؟
- روسيا عادت إلى ليبيا من بوابة الشركات الأمنية والتدخل التركي في ليبيا فاجأ الروس.لكن المعضلة أن مصر لا تستطيع أن تذهب بعيدا في التعاون مع الروس في ليبيا ضد تركيا باعتبار أن واشنطن ترفض أي تدخل أو نفوذ روسي في ليبيا.وهذا ما خلق أحيانا مساحات ضيقة للتفاهم بين تركيا وروسيا ولكنه لا يرقى إلى مستوى التنسيق في سوريا.

 

س- كيف يمكن الحديث عن السلام في منطقة الأبيض المتوسط الذي يشهد توتر في العلاقات التركية -الأوروبية من جهة والتركية -القبرصية واليونانية؛ وما هو دور فرنسا وألمانيا أمام هذه التحديات وبخاصة أنه تتصاعد أصوات تشتكي حول الضغوطات التي يفرضها اردوغان على أوروبا على خلفية الهجرة والمهاجرين. ؟؟؟
- لماذا أوروبا تسمح بدخول المهاجرين غير الشرعيين إلى أوروبا؟
- تحول شرق المتوسط إلى منطقة صراع بعد اكتشاف النفط والغاز الطبيعي فيه.والصراع الآن يكمن على حدود المناطق الاقتصادية الخالصة لكل دولة.وفي ذلك تباين في الاجتهادات.لذلك فإن المشكلات فيه لا تحل إلا بالسياسة وتبادل المصالح ولاسيما في ملف ترسيم الحدود البحرية بين تركيا وكل من اليونان وقبرص اليونانية.وهذا يكون بربط القضايا الخلافية في أكثر من مكان وهذا يزيد من تعقيدات الوصول إلى حلول.
أما بالنسبة لملف اللاجئين فإن تركيا كما أوروبا يتاجران به.فتركيا تكسب منه مساعدات مالية تنالها من الأوروبيين، والأوروبيون لا يريدون حلا للملف السوري الذي من خلاله فقط تحل مشكلة اللاجئين. وبداية الحل وقف دعم أوروبا وتركيا للإرهابيين في سوريا وانسحاب تركيا وأميركا من هناك وإعادة بسط شرعية الدولة السورية على كل أراضيها وخلاف ذلك فإن الأمور معقدة ومفتوحة على احتمالات التصعيد والتفجير وعدم الاستقرار.

 

س - بالختام ، هل تعتقد أن في ظل هذه التحديات يمكن بناء تكامل إقليمي يحقق الاستقرار والسلام في منطقة البحر المتوسط وفي العلاقة بين الشرق والغرب ؟ كيف؟
- لقد أثبتت التطورات في الشرق الأوسط في العشرين سنة الأخيرة أن الصراعات بين الدول والمكونات كثيرة وعميقة وان إقامة نظام إقليمي هو مسألة افتراضية وهمية.والحل يكون على مستويين:الأول داخل كل دولة من خلال إقامة نظام ديمقراطي كامل يعترف بالهويات والحقوق الثقافية والسياسية لكل المكونات تحت سقف الدولة الواحدة.والثاني هو عدم تدخل الدول في الشؤون الداخلية للدول الأخرى وعدم تحويل أراضي أي دولة منطلقا لأي عمليات عسكرية ضد الدولة الأخرى.فإذا ما تحقق ذلك وهو أمر بعيد الاحتمال،يمكن التوصل إلى تفاهمات وتعاونات وتنسيق في قضايا الحدود والمياه والنفط والتجارة..
 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 2 + 8