العرب بين الصحوة و النهضة

محمد الانصاري

2020.10.08 - 03:48
Facebook Share
طباعة

 غالبا ما يحدث تداخل في أدبياتنا الإسلامية و العربية بين مفهومي الصحوة و النهضة. و قديما شدد حكماء الصين على أهمية تسمية الأسماء بمسمياتها الدقيقة دفعا للخلط و الإضطراب و طلبا للتوازن الكوني. الصحوة هي إدراك بعد غفوة أو يقظة بعد نوم . أما النهضة فهي تلي الصحوة و تستلزم خطوات عملية للإنتقال من حالة السبات إلى حالة الحركة.

من المتعارف عليه أن العرب أستفاقوا من سباتهم تحت العصر العثماني المملوكي منذ نحو أكثر من مائتي عام حينما دكت مدافع بونابرت أسوار القاهرة. كانت تلك حالة الصحوة . جاء قرار النهضة عندما اتخذ الباب العالي و محمد علي تقريبا في نفس الوقت قرار إرسال البعثات العلمية الي الغرب. مع ظهور شخصيات فذة مثل رفاعة الطهطاوي و خير الدين التونسي بدأ العرب أولى خطوات النهضة. غير أن طريق النهضة لم يكن ممهدا كما ظن البعض؛ كان حلزونيا صاعدا هابطا مليئا بالعقبات و العراقيل.

كان أهم العراقيل الإستبداد الداخلي و الإستعمار الخارجي كما شخصهما أحد أبرز رجالات النهضة جمال الدين الأفغاني (1838-1897). هذة العراقيل كبت بالنهضة الى الصحوة مرة أخرى و أحيانا الى ما قبل الصحوة أي الغفلة . و حتى الأن ما زال العرب و المسلمون يتأرجحون بين الصحوة و النهضة. ما زال سؤال الأمير شكيب أرسلان في أوائل القرن العشرين يحكمنا الى اليوم: لماذا تخلف المسلمون و تقدم غيرهم؟

منذ الاستقلال من المستعمر الأجنبي في الخمسينيات دخلت المجتمعات العربية على إستحياء مرحلة جديدة من الصحوة. و بدا لوقت ما أن الانظمة القومية في مصر و بلاد الشام و العراق على الأخص سوف تأخذ بيد مجتمعاتها للإنتقال من الصحوة الى النهضة. بدا للحظة ما أن الطريق الى النهضة ممهدا على خط مستقيم و ليس حلزونيا ، و جاءت هزيمة 1967 لنرتد جميعا على أعقابنا بعد أن عشنا جميعا حلما نهضويا جميلا اكتشفنا بعدها أننا لم نبرح مكاننا من السبات و أنه لم تكن نهضة حقيقية بل حتى و لا صحوة حقيقية بل وهم . و كان ذلك و لا شك بفعل العامل الثاني من عوامل السقوط : الاستبداد الداخلي. وكانت جنازة أخر رمز من رموز النهضة الزائفة مهيبة. لقد حاول عبد الناصر أن يجر قاطرة النهضة و لكنها كانت بلا دواليب.

و في السبعينات تجدد الحديث عن الصحوة و النهضة و لكنه حديثا للاستهلاك الداخلي دون خطوات فعلية. و الان لدينا جيل جديد تتبدى فيه بعض مظاهر الصحوة ، جيل الربيع العربي. لكنه جيل مثقل بإرث الصحوة الموهومة والعولمة الطاغية التي يتحكم فيها المستعمِر سابقا و يشكلها كيفما يريد . و يحق ان نتساءل عدة أسئلة: هل يمكن الانتقال من الصحوة الى النهضة بالتكنولوجيا و العولمة فقط؟ هل يجب إحياء و إعادة التراث ؟ هل الحل في الهرولة الى التطبيع مع إسرائيل؟ هل نرتمي في أحضان أمريكا؟ هل يمكن النهوض و شبابنا مفتون بطريقة الحياة الغربية كما لم يفتن جيل من قبل ؟ هل يمكن ان ننهض و قسم من شبابنا على النقيض يكفر المجتمعات و الأنظمة و لا يرى في الدين سوى مجموعة من الأوامر و النواهي ؟ أسئلة كلها مشروعة. لكن من المؤكد أن النهضة لا زالت حلما بعيد المنال في الوقت الذي نحن غير واثقين فيه من أننا في مرحلة الصحوة أصلا.

قبل ان أختم مقالي وجب التنويه انه مع التراكم المعرفي للبشرية ككل ومع حضور العولمة الطاغي فان الوقت الذي يستلزمه النهوض يقل كلما تقدمت البشرية في العلوم والمعارف التي أصبحت متاحة للجميع . لقد نهض الغرب في ثلاثة قرون 1600-1900 ويمكن ان ننهض في أقل من ذلك بكثير. فقط علينا أن نقرر حقا.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 5 + 4