تراكم الأخطاء في تركيا يعقد مهمة إنقاذ الاقتصاد

اعداد مراد بيسين

2020.11.19 - 11:55
Facebook Share
طباعة

 
يرى مراقبون ان إدارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان لاقتصاد بلاده تطرح تناقضات حول طريقة تسييره للمؤسسات المالية، حيث يدعي أن أسعار الفائدة المرتفعة كانت تضخمية ويستخدمها الممولون الأجانب وحلفاؤهم المحليون للسيطرة على حكومته وثروة شعبه في حين أن تحركاته الجديدة تبيّن عكس ذلك.
وانتقد أردوغان معدلات الفائدة المرتفعة قبل يوم من عقد البنك المركزي اجتماعه الأول بشأن السياسات النقدية تحت إدارة محافظ جديد للبنك من المتوقع أن يعيد الضوابط النقدية.
وقال الرئيس التركي في اجتماع مع ممثلي الشركات في أنقرة “يجب ألا يتضرر مستثمرونا من أسعار الفائدة المرتفعة”، وواصلت الليرة التركية تراجعها إلى ما يصل إلى 1.1  في المئة بعد بيانه.
وجاءت تصريحات أردوغان فيما توقع محللون ، أن لجنة السياسات النقدية التابعة للبنك المركزي سوف ترفع معدل الفائدة الخميس، ما يمثل تغييرا في عهد ناجي إقبال الذي جرى تعيينه في السابع من نوفمبر بعدما استنفد سلفه احتياطي العملة الأجنبية التركي محاولا تعزيز العملة المنهارة.
والأسبوع الماضي، تعهد أردوغان الذي يقول إن معدلات الفائدة الأعلى تتسبب  في التضخم ولا تحد منه، بدعم فريقه الجديد الخاص بالإدارة الاقتصادية بسياسات من شأنها إراحة المستثمرين.
ويقول محللون، “ربما يكون الرئيس التركي رجب طيب أردوغان قد وصف نفسه كمنقذ للانهيارات الاقتصادية لحكومته بعد إقالة رئيس البنك المركزي في نهاية الأسبوع واستقالة صهره من منصب وزير الخزانة والمالية”.
وأضافوا “أثبت أردوغان أنه خبير تكتيكي بارع في السياسة الداخلية والشؤون الدولية منذ توليه السلطة قبل 17 عاما، مما عزز قبضته التنفيذية على البلاد وتجنب سلسلة من التحديات لحكمه”.
وفي العام 2007، أوقف أردوغان محاولة قام بها جنرالات البلاد ممن حاولوا أن يكون لهم رأي في من يترشح للرئاسة. وفي العام 2013، أمر بشن حملة شرطية ناجحة على الاحتجاجات المدنية في جميع أنحاء البلاد. وبعد ثلاث سنوات، خرج منتصرا على محاولة انقلاب، يُزعم أن العقل المدبر لها هي شبكة إسلامية سرية بقيادة حليف سياسي سابق.
وبعد تمديد سلطاته التنفيذية في الانتخابات الرئاسية في عام 2018، يمكن القول إن أردوغان وضع نفسه لمواجهة أكبر تحدّ في حياته السياسية. لكن هذه المرة، كان من صنع يديه.
وفي يوليو 2018، صدم العديد من الشخصيات البارزة في حزبه بإبعاد محمد شيمشك، الاقتصادي في مؤسسة “ميريل لينش” للاستثمار الذي ساعد في الإشراف على الاقتصاد التركي لمدة تسع سنوات، لصالح صهره عديم الخبرة، بيرات البيرق، الذي أخذ دور قيادة وزارة الخزانة والمالية.
وتراجعت أسعار الأسهم والليرة بشكل حاد. وعمل أردوغان بجد لتحويل تركيا إلى قوة إقليمية، حيث تدخل في سوريا وليبيا وأرسل سفن استكشاف إلى البحر الأبيض المتوسط لتحدي الحقوق السيادية لليونان المجاورة. ثم اشترى صواريخ روسية الصنع أس – 400 متحديا بذلك الولايات المتحدة.
وساعدت محاولات أردوغان لمركزية صنع القرار الاقتصادي والسيطرة عليه بمساعدة البيرق، الرئيس التنفيذي السابق لصناعة الطاقة والمتزوج من ابنته إسراء، في إشعال أزمة العملة في صيف عام 2018 ونوبة ثانية من الاضطراب المالي الحاد هذا العام.
وفي قلب المشاكل، كانت هناك مجموعة من السياسات الاقتصادية التي وصفها العديد من المحللين بأنها “أردوغانوميكس”. حيث سعى هذا “التفكير السحري” إلى تصوير أسعار الفائدة على أنها أداة شريرة للقوى الأجنبية التي تسعى إلى تقويض طموحات تركيا في أن تصبح واحدة من أكبر 10 اقتصادات في العالم.
وادعى أردوغان أن أسعار الفائدة المرتفعة كانت تضخمية ويستخدمها الممولون الأجانب وحلفاؤهم المحليون للسيطرة على حكومته وثروة شعبه. ومن خلال تصويره لتهديد خارجي يلوح في الأفق لتركيا، سعى أردوغان إلى استغلال نقاط الضعف لدى الطبقات المحافظة الأقل تعليما والأكثر فقرا في تركيا وحشدها بوعد النصر الوشيك ضد هؤلاء الذين يحيكون تلك المؤامرة الغامضة بحسب زعمه.
وفي يوليو من العام الماضي، أقال أردوغان محافظ البنك المركزي لفشله في خفض أسعار الفائدة. وبعد الإجراء التقليدي للبنك المركزي، رفع الحاكم السابق للبنك المركزي، مراد تشيتنكايا، تكاليف الاقتراض بشكل كبير وأبقاها مرتفعة لعكس الخسائر الحادة لليرة وضمان عدم تكرار أزمة العملة لعام 2018. لكنه دفع ثمن تلك الجهود من وظيفته.
وفي أواخر عام 2018، عيّن أردوغان نفسه رئيسا لصندوق الثروة السيادية في البلاد، الذي تأسس قبل عامين، وعين البيرق نائبا للرئيس. وكان الصندوق، المكون من أكبر المؤسسات الصناعية العامة في تركيا، قد تولى أيضا السيطرة على البنوك التركية الحكومية.
ثم شرع أردوغان في استخدام أموال البنوك للمساعدة في دعم الشركات الأقرب إلى حزبه وهندسة طفرة في الاقتراض من قبل الشركات والمستهلكين. وكانت سياسات الإقراض لبنك زيرات وبنك خلق مدعومة بسياسات محافظ البنك المركزي الجديد الذي اختاره أردوغان، مراد أويصال، الذي خفض أسعار الفائدة بنحو الثلثين إلى 8.25 في المئة في غضون 10 أشهر من وصوله.
لكن طفرة الاقتراض أدت إلى زيادة الطلب على الواردات في الوقت الذي بدأ فيه تفشي فايروس كورونا في الإضرار بمبيعات الصادرات التركية. واتسع عجز الحساب الجاري للبلاد بشكل ملحوظ وبدأت الليرة في الانخفاض مرة أخرى.
وكان البنك المركزي قد بدأ في إنفاق المليارات من الدولارات من احتياطياته من العملات الأجنبية للدفاع عن الليرة حيث حول الأتراك العاديون مدخراتهم إلى الدولار واليورو والذهب. كما تورط البنك المركزي في مقايضات العملات مع البنوك الحكومية لدرجة أن احتياطياتها من العملات الأجنبية بدأت تتحول إلى سلبية.
وفي سبتمبر، اضطر أويصال إلى زيادة سعر الفائدة القياسي إلى 10.25 في المئة لدعم الليرة، لكنه أبقى بعد ذلك على هذا الارتفاع دون تغيير في اجتماع الشهر التالي، مما أربك توقعات الاقتصاديين. وقد عزا معظم المحللين القرار إلى أردوغان ومعارضته لزيادة تكاليف الاقتراض.
واعتبارا من يوم الجمعة الماضي، ارتفعت خسائر الليرة مقابل الدولار منذ بداية العام إلى أكثر من 30 في المئة. وفقدت العملة ما يقرب من نصف قيمتها منذ أن تولى أردوغان والبيرق زمام الاقتصاد في يوليو 2018. وجاء رحيل البيرق يوم الأحد والذي تم الإعلان عنه عبر حسابه على إنستغرام بمثابة صدمة شخصية لأردوغان.
لكن الصحافة فشلت في الإبلاغ عن الاستقالة لأكثر من 24 ساعة، في انتظار تأكيد القصر الرئاسي عليها، وهو ما فعله أخيرا في وقت متأخر من يوم الاثنين. وكان أردوغان قد نظر في طلب صهره وقبله بالعفو من واجباته، وفقا لبيان صحافي.
ومع تواجد البيرق في لندن، قام أردوغان بتعيين لطفي علوان، الموالي للحزب ونائب رئيس الوزراء السابق، ليحل محله. وقد أعرب علوان عن دهشته من حصوله على الوظيفة، قائلا إنه لم يكن يتوقع ذلك. وفي غضون ذلك، بدأت تقارير في وسائل الإعلام تنتشر بأن أردوغان أقال أويصال بعد أن اكتشف أن البنك المركزي قد استنفد معظم احتياطيات تركيا من العملات الأجنبية.
ويبدو أن الرئيس صُدم من قلة السيولة النقدية المتبقية للبنك، على الرغم من تغطية وسائل الإعلام الأجنبية والصحافة المعارضة لهذا القصور.
 
Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 6 + 2