كتبت اورنيلا سكر: إلى اين يتجه مستقبل «الاسلام السياسي » في العالم

كتابة: أورنيلا سكر

2020.11.21 - 03:00
Facebook Share
طباعة

 
 
 
يعاني العالم اليوم ازمة إرهاب وتطرف تعود اسبابه إلى عدم الفهم الدقيق لقضية الارهاب ومحدداته بفعل نشر خطابات الكراهية التعصب والعنصرية اتجاه الاخر الذي يميز بين الاسلام والاسلام السياسي الذي يسيئ الى الاسلام والمسلمين من خلال ممارساته الخاطئة وتوجهاته العقائدية المشوهة والقاصرة في في فهم مضمون وابعاد الشريعة الاسلامية كما اخص بالذكر في هذا السياق الى المستشرق الفرنسي فرنسوا بورغا المتخصص في الاسلام السياسي حيث يسرد لنا واقع الاسلام السياسي من وضجهة نظر الضحية على اساس ان ممارسات الاسلام السياسي في العالم لم تاتي من عبث بل من خلفيات وأسباب شجعت على انتهاج منهج التطرف والارهاب من هنا كان لا بد من تسليط الضوء في هذه المقالة على قضية الاسلام السياسي  ومستقبله في العالم العربي والغربي بناءا على معطيات يتجاهلها البعض بهدف دس السموم وشيطنة الاسلام دون توصيف علمي دقيق لهذه المسالة التي بات تهدد أمان واستقرار المجتمعات دون استثناء والدعوة الى اسلمة الغرب واسلمة الروح .
 
في عام 1985 وفي ذروة الاحتلال الروسي لأفغانستان، صدر كتاب لباحث فرنسي اوليفيه روا، حمل عنوان «الإسلام والحداثة السياسية في أفغانستان». حصد الكتاب نجاحاً منقطع النظير، وترجم إلى لغات عديدة، كما وجد احتفاء من كليات الحرب السوفييتية، التي وجدت فيه مرجعاً مهماً لفهم الشعب الأفغاني، وطريقة إدارة القيادات الدينية للحكم المحلي.
لإعداد ذلك الكتاب بقي روا في أفغانستان بعض الوقت، مسجلاً ملاحظاته عما سماه الإسلام المحلي، وارتباطه بالحراك السياسي والنضال الوطني. كان روا شاهداً على نمو المدارس التي ستصبح لاحقاً نواة لحركة طالبان. لم يكن ذلك سهلاً في ظل اشتعال الحرب، وسيولة الوضع الأمني، لذلك كان مضطراً لتغيير اسمه من وقت لآخر، والدخول في مغامرات خطرة سوف يحكي عنها لاحقاً في مذكراته، كانتحال شخصية شيخ سني، والمشاركة في تجارة السلاح، من أجل إنجاز فهم أعمق للحالة الإسلامية في أفغانستان وفي عموم بلاد آسيا الوسطى.
من الحالة الأفغانية إلى التجربة الإيرانية في الحكم، إلى إعداد تقييمات عامة حول الحركات الإسلامية، وصعود الاتجاه السلفي، تحول روا خلال العقود التالية إلى خبير بشؤون المنطقة، وازداد دوره أهمية بعد الالتفات العالمي للحركات الجهادية بعد تفجير الحادي عشر من سبتمبر، وغيره من الأعمال الإرهابية، التي قام بها تنظيم «القاعدة» وإخوانه، حيث كان مطلوباً منه تقديم تفسيرات حول العنف الإسلامي، وحول رفض المجتمعات الإسلامية للحداثة.
رفض روا عرضاً مغرياً للعمل خبيرا في وزارة الخارجية الفرنسية، التي دأبت على الاستعانة بالمميزين من المستشرقين، كما حدث مع استعانتها بأسماء مثل لويس ماسينون، الذي عمل مع جورج بيكو إبان فترة إنجاز مخطط اقتسام المنطقة (معاهدة سايكس- بيكو). ذلك كان مجرد تعريف بسيط بالرجل الذي صار يعلم عن شؤون العالم الإسلامي ما يجهله كثير من أبنائه، خاصة أنه لم يكتف بالبحث المدرسي والانحصار بين أروقة المكتبات، وإنما عمل على تحقيق ذلك الفهم، عبر الدراسات الميدانية، والوقوف بنفسه على التجارب وعبر الالتقاء المباشر بكثير من الفاعلين. لأجل هذا فإن رؤية أوليفيه روا لمستقبل حزب «العدالة والتنمية» الحاكم في تركيا حالياً مهمة، فهل يرى أن الحزب ما يزال في لحظة التوهج والصعود؟ أم على العكس هو في طريقه للانحدار؟ كانت حادثة عودة آيا صوفيا لتكون مسجداً، بعد 86 عاماً من المؤثرين تحويلها إلى متحف تاريخي على يد مؤسس تركيا الحديثة كمال أتاتورك، مناسبة مهمة بالنسبة لروا للتعليق على ما يحدث في تركيا، التي تحتدم فيها النقاشات والجدل حول الهوية والحراك الإسلامي، الذي يمثله الحزب الحاكم وهي الشعرة التي قسمت ظهر البعيل الامر الذي اعاد إحياء الصراع التاريخي بين الشرق والغرب بناءا استغلال ممارسات اردوغان واستغلاله للاسلام السياسي لأهداف سياسية وجيوسياسية واقتصادية خاصة بالدولة التركية من اجل التوسع والهيمنة والسلطة.الامر الذي اعاد إحياء الصراع التاريخي بين الشرق والغرب بناءا استغلال ممارسات اردوغان واستغلاله للاسلام السياسي لأهداف سياسية وجيوسياسية واقتصادية خاصة بالدولة التركية من اجل التوسع والهيمنة والسلطة.
ويرى أوليفييه روا لموقع «قنطرة» الألماني، أن الدافع الحقيقي خلف إعادة المسجد التاريخي لم يكن الدين، ولكن الكسب السياسي، الذي تمثل العودة إلى العثمانية القديمة التي نادى بها أردوغان والتي تعتبر أحد أهم أركانه، مؤكداً أن العثمانية الأردوغانية ليست بالضرورة نسخة دينية، بقدر ما أنها أقرب لنسخة محافظة من القومية، تحقق الكسب السياسي من خلال حالة الابتهاج التي عمت جميع الاتجاهات، بما فيها غير المتدينة، بهذا الحدث الذي جاء في وقت كانت فيه شعبية الحزب على المحك.  ويذكّر روا بأن استعادة آيا صوفيا كان هدفاً معلناً لليمين القومي، الذي كان من أبرز الداعمين لخطوة الحكومة، وهكذا فإن أردوغان كسب أصوات المؤيدين والمنافسين معاً. إضافة إلى ذلك يرى أوليفيه روا، أن العثمانية الأردوغانية ليست بالضرورة نسخة دينية، بقدر ما أنها أقرب لنسخة محافظة من القومية مؤكداً أن الحزب «لم ينجح في أسلمة المجتمع بشكل معمق، ما عدا في بعضِ النقاطِ الهامشيةِ مثل، حريةِ ارتداءِ الحجابِ، وزيادةِ الضرائبِ على المشروباتِ الكحوليةِ، وإعادة كتابةِ بعض النصوص المدرسية»، وهي ملاحظة مهمة، ففي ذروة نجاح الأحزاب ذات الهوية الإسلامية وتحولها من منطق التنظير الدعوي إلى واقع الدولة، يتم التركيز على البناء المادي، مع إغفال الجانب الروحي الحقيقي الذي تتم الاستعاضة عنه بالكثير من الخطب واللافتات الإسلامية، وفي هذا يقول روا بشكل حكيم، وهو يشير إلى ما حدث من تحويل لآيا صوفيا، «إن أسلمة الحجارة أسهل من أسلمة الأرواح». بحسب روا فإن إتاحة المجال العام والسماح بدخول بعض المتدينين (المحجبات نموذجاً) لم يعن دخول المزيد من الملتزمين دينياً، أو الإسلاميين الذين ما زالت البيروقراطية والمؤسسة العلمانية الراسخة تعيق انخراطهم في كثير من مجالات الدولة.
وفي سياق مختلف يقول الدكتور محمد شتاتو أستاذ محاضر في جامعة الرباط الدولية والمتخصص في الاسلام السياسي وجور الارهاب ، أن مستقبل الاسلام السياسي بإتجاهه نحو الانحسار لانه لم يتمكن من ممارسة  ياسة قابلة للتعايش في مجتمعات غبر اسلامية وقد اعتمد العنف بدلاً من ممارسة الحوار والتعايش السلمي مع الثقافات الاخرى بشكل ديمقراطي وانفتاحي على الاخر وقاصراً عن تقديم مشروع بديل لمواجهة الحجج التي يعزف عليها وهي مسالة الاستعمار . ويتساءل دطتور شتاتو ماذا قدم الاسلام السياسي الى المجتمعات العربي-الاسلامي سوى التخلف والانسداد والارهاب والتخلف ، أين مشروعه التنويري ؟ مشيراً الى ان خطاب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون كان محقاص فيه بقوله ان الاسلام في كأزق وانه ينبغي العودة الذات الاسلامية ومراجعاتها ، مضيفاً ماذا حقق الاسلام السياسي في مصر وتونس والمغرب وليبيا؟.
ويؤكد في السياق نفسه الدكتور صابر مولاي احمد المتخصص في الفكر الاسلامي والدراسات القرآنية، أن الإسلام السياسي فشل لانه عجز عن تقديم رؤية انسانية نحو مؤتلف انساني جامع يسوده قبول الاخر وروح التسامح الذي دعا اليها الاسلام (لقد جعلناكم جعوباً وقبائل لتعارفوا غن اكرمكم عند الله اتقاكم). نحن اليوم في القرن الواحد والعشرين لم نستطيع  ادارة دنيانا بفكر كلاسيكي  لا يصلح لهذا الزمان ، فالمطلوب اعادة تحديث التراث الاسلامي واستنباط احكام حديثة تنويرية تخدم العقل والحداثة وعصرنا الذي نعيش فيه وليس طرح المناكفات والمزايدات في بموضوع الاخلاقوية غير المنسجمة مع روح الدين والتي تهدف فقط الى تأجيج العواطف والثأر للماضي بفكر مهزوم من الداخل . فإذا كان من مطلب للمقاومة ومناهضة الاستعمار ، فالتكن المواجهة بمستوى التحدي والتحديات التي فرضت علينا من خلال مشروع سياسي تنموية حداثوي يسهم في البناء والتقدم والانفتاح على الاخر ومواجهة التحديات بالعلم والتنوير والاصلاح الديني والتراث ونقد الذات والموروث الثاقفي. 
وبالختام ، إن احياء الخلافة والشريعة الاسلامية بشكل قاصر ومنحرف ليس هو الحل ما يقودنا الى سؤال عميق هل يدعم الملايين الاسلام السياسي عن قناعة ببرنامجه؟ أم أنهم كانوا يصوتون طمعاً في استمرار الرفاه الاجتماعي الذي بانحساره سيتوجهون لدعم خيار بديل غير آمن  عجزوا عن تحقيقه فطافت الحركات الاسلامية المتطرفة كتعبير عن ازمة هوية فشل المسلمين في رسم معالمها؟
 
Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 5 + 4