كتبت اورنيلا سكر: حقيقة اهداف تركيا في شمال غرب سوريا

ترجمة بتصرف: أورنيلا سكر

2020.11.25 - 04:30
Facebook Share
طباعة

 تكشف مؤسسة كليجيندايل المعهد الهولندي للعلاقات الدولية المعنى بالدراسات الفكرية والأكاديمية الرائدة في شؤون الدولية والتي تقدم تحليلات وتدريب ونقاش عام من اجل تجهيز الحكومات والشركات والمجتمع المدني من اجل وصولهم الى عالم آمن ومستديم وعادل، ملخصٍ موجز عن السياسات التركية في الاقليم وتحليل الخطاب الرسمي لها وممارساتها الفعلية للهيمنة وإعادة الاعمار في شمال غرب سوريا. وقد خلص إلى أن تركيا تتبع استراتيجيا تسعى من خلالها إلى تحقيق السيطرة والنفوذ من خلال المزج ما بين الاحتلال العسكري وإعادة البناء على اساس منطق التتريك ونشر الاجهزة الداخلية للدولة التركية في الخارج. وتعتبر هذه الاستراتيجية بمثابة احتواء المكاسب السياسية والإقليمية للاكراد السوريين وعكس نتائجها. وقد تجاوزت تركيا كثيرا الائتلاف الوطني السوري، في الوقت الذي نجحت فيه استراتيجيا إعادة إعمار المنطقة العازلة  نسبيا في منطقة الباب-أعزاز – جرابلس حيث واجه مشكلة في منطقة عفرين التي يهيمن عليها الاكراد بفعل التكتيكات  القمعية التركية المشددة الامر الذي ادى الى تمرد الاكراد. الامر الذي سيخلق الكثير من المشاكل  وبخاصة ان ازمة الهجرة والمهارين بات يشكل هاجس كبير لدى المجتمعات الاوروبية وبخاصة الاتحاد الاوروبي.  ان الحديث حول اعادة الاعمار في سوريا وعودة اللاجئين والنازحين يطرح مشكلة الاكراد والمصير المجهول الذي ينتظر سوريا  في ظل الانتهاكات الدولية لحقوق الانسان.

إن حقيقة التدخل التركي السافر في سوريا كان هدفه الاطاحة الكاملة للنظام السوري واستداله بنظام الاسلام السياسي عبر انشاء مناطق خاضعة لسيطرت تركيا على طول الحدود التركية –السورية باعتبارها منطقة عازلة ضد مجموعات كوحدات حماية الشعب الكردي بعد اصبحت الان بمثابة التحديد الوجودي على الامن القومي التركي. لقد نفزت تركيا استراتيجية ( المنطقة العازلة) الجديدة هذه على مرحلتين: الاولى انشاء منطقة اقليمية على طول منطقة اعزاز –الباب –جرابلس من خلال عملية درع الفرات في عام 2016 ، والثانية في منطقة عفرين من خلال عملية غصن الزيتون في العام 2018. وقد تم تنفيذ كلتا العمليتين بالاستعانة بمزيج من الوكلاء في الجيش السوري الحر السابق الخاضعين للسيطرة الافتراضية من الائتلاف الوطني السوري والتدخل العسكري التركي المباشر (المرحلة 1). وبعد 1لك، بدأت تركيا بترسيخ سيطرتها وتعزيزها ضمن المنطقة العازلة الحديثة الانشاء من خلال الانخراط في اعادة بناء هذه المناطق. وتحقيقا لهذه الغاية، قامت بنشر مجموعة من الوساطات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والدينية(المرحلة 2). إن هذا الوقع يحيلنا الى فهم طبيعة السياسة التركية في الفعلية للهيمنة وإعادة الاعمار في شمال غرب سوريا بهدف فهم الدوافع التي تقف وراء ذلك وتقييم خطابها واثاره الحالية والمستقبلي للمشاركة التركية في الحرب الاهلية السورية.
ويركز السرد الرسمي للرواية التركية على ان الهدف من التدخل التركي في سوريا يأتي على خلفية تسين الوضع الانساني في سوريا، عن طريق الائتلاف الوطني السوري وعلى دعم هذه الهيئة المعترف بها على نظاق دولي من قبل 120 دولة ومنظمة باعتبارها المممثل الشرعي للشعب السوري ، حيث يعتمد ذلك على مبدأ المقاربة الانسانية والواعية تجاه الجانب الامني. على السطح يتوخى هذا المنهج نشر الادوات المدنية والادارية التركية لدعم الائتلاف الوطني السوري لاستعادة الاراضي المحررة واعادة هيكلتها. لقد شجعت تركيا هذا الائتلاف رسميا على تولي مسؤوليات الحكم وتوفير الخدمات في خلال الفترة الانتقالية بين نهاية الحرب الاهلية وإنشاء حكومة سورية جديدة وفقا لمطالب السكان على الرغم من انه ما من فترة انتقالية من هذا القبيل قد بدأت، إلا أن تركيا ظلت على أمد سنوات وحتى هذا الوقت الراعي لكل من الائتلاف الوطني السوري وجناحه العسكري، الجيش السوري الحر من اجل تحقيق هذا الغرض.
لكن تحت هذه الرواية الرسمية تحملت تركيا المسؤولية الكاملة والمباشرة عن اعادة اعمار تلك الاجزاء الواقعة في الشمال الغربي السوري الذي سيطرت عليه بعد انتهاء عملياتها العسكرية، واستخدمت ثقل اجهزتها الحكومية من اجل دعم جهودها هذه. واوضح عبدالله رزوق، وزير الخدمات في الائتلاف الوطني السوري  أن المجالس المحلية في المناطق الخاضعة للسيطرة التركية تعمل وتتواصل بشكل مباشر مع السلطات التركية من دون الرجوع الى الائتلاف. وعلى الرغم من ان الائتلاف الوطني لم يكن واثقا من وجوب انتقاد السلطة التركية  على جهودها الرامية الى اعادة اعمار مناطق الشمال الغربي السوري بسبب عجزه هو عن تحقيق الاستقرار في المنطقة، الامر الذي ادى الى تولي تركيا زمام الامور بفعل هذه التناقضات القائمة. 
علاوة على ذلك تشير الوقائع ان تركيا حاولت تتريك  سوريا عبر مشاريع اعادة الاعمار من خلال استغلال الاقتصادي للموارد السورية، وقمع الحريات السياسية والمدنية، وطرد الاكراد السوريين من المنطقة . إن التتريك هو مفهوم قومي عملت جمعية الاتحاد والترقي(تركيا الفتاة)،  على نشره في الاصل في اوائل القرن العشرين بهدف تشكيل دولة قومية بعيدا عن الامبراطورية العثمانية من خلال حرمان غير الاتراط بشكل منهجي اي الاكراد والعرب والالبان وغير المسلمين من حقوقهم الاجتماعية والسياسية والثقافية الراسخة. اضافة الى توحيد القومية ما ادى الى ابطال هيكلية السلطة اللامركزية والاعتراف بالهويات المتنوعة التي ميزت الامبراطورية العثمانية. من جانبها باتت الحكمومة التركية توظف سياسة التتريك في شمال غرب سوريا بطريقة مشابهة الى حد كبير،ما ادى لا فقط الى تعزيز الوجود التركي في سوريا، بل تعزيز اوراق اعتماد الرئيس اردوغان في الداخل. 
نتيجة لذلك ، ادت الجهود التركية  التي بذلتها في مجال اعادة الاعمار الى انشاء هيئات للحكومة والادارة –مجالس محلية في شمال غرب سوريا تعتمد كليا على دعم تركيا السياسي والاقتصادي والعسكري في بقائها، حيث امتازت هذه الخدمات بمزايا خدمت تركيا كثيرا. اولا: ان الانخراط في الاعامر المنظم منع حدوث فراغ في السلطة في المناطق الحدودية الرئيسية بعد العمليات العسكرية التي قامت بها تركيا، ثانيا: تعزيز قوة المفاوضات حول نظام سوريا ما بعد الحرب. ثالثا: تستفيد الشركات التركية من المشاريع الاستثمارية في مجال اعادة الاعمار في تعزيز اقتصادها المحلي.
وقد اعتمدت تركيا على رضا الاطراف في تلك المناطق المتنازع عليها ضمن عملية درع الفرات التي تشمل اعزاز والباب وجرابلس مما ادى الى تطورات اقتصادية ايجابية وما كان هذا التوافق الكبير ليتم لولا  التوافق العرقي التركماني او الديني السني للسكان السوريين في ممر اعزاز –جرابلس مع تركيا، وكذلك لولا موقف السكان المحليين الذين ابدو تعاونا وتقديرا اتجاه التدخلات التركية. وقد قال المهندس زكريا الحاج حسن في الباب بقوله ان الاعتماد على تركيا امر تاريخي وطبيعي.ولايزال لدينا اقارب في تركيا متساءلا: هل سنكون جزءا من تركيا؟وهل سنكون دولة صغيرة مستقلة؟ لا نعرف. ان القوميون سيقولون هذا استعمار والمتدينون سيقولون إننا جميعا مسلمون، ليس لدينا مشكلة. في الايام الماضية كنا امة واحدة من اسطنبول الى اليمن الى المغرب.
وفي المناطق ذات الاغلبية غير الكردية التي تم الاستيلاء عليها في اثناء عملية درع الفرات.أ قامت تركيا مؤسسات تعكس الهياكل والممارسات التركية . وارست ظروفا مواتية للاستثمار الخاص التركي ومشجعة لعودة اللاجئين، حيث تعكس هذه المؤسسات الطابع القومي الاسلامي في تركيا. وتتجلى هذه النزعة القومية من خلال ادخال اللغة التركية في مناهج المدارس الابتدائية في المنطقة. كماتتجلى اسلامية الدولة في رجال الدين البالغ عددهم 1472 ةال5686 استاذا دينيا  التي وظفتهم مديرية ديانات-وهي مديرية الشؤون الدينية التابعة للحكومة من اوساط السوريين لنشر التفسير السياسي التركي للاسلام بين السكان المحليين، بما في ذلك المشاعر المعادية للاكراد ولجماعات غولن. اضافة الى تزويد الالاف من المسؤولين السوريين الذين تم تدريبهم في تركيا ويتقاضون رواتب شهرية من الحكومة التركية وارغمت المجالس على الحصول على بطاقات هوية جديدة مزودة برمز خاص بتركيا يوفر لهم الحصول على خدمات اجتماعية  مثل الصحة والتعليم حيث تعتبر كل هذه الاجرات جزء من عملية التتريك التي تهدف الى التأثير والهيمنة على المنطقة وليس دعمها فقط.
إن الهدف من كل هذه العمليات هو تأمين عودة اللاجئين السوريين من تركيا الى سوريا واستقطاب تأييد واسع لسياسة تركيا في المنطقة بهدف تحقيق المشروع التركي التي بات عقيدة امنية مترسخة عملت عليها تركيا من خلال ربطها بمفهوم الامن في سوريا على اساس الدعوة جعل السوريين يكدون على مطلب تنحي النظام الاسد وتسليم الحكم الى الاخوان المسلمين الذي تشرف عليه تركيا عير سياسة المسح الجغرافي والديمغرافي الذي عملت تركيا على تحقيقه في سوريا عبر المعارضة السورية عبر احتواء مكاسب الاكراد السوريين وابطالها. حيث من ممكن القول أن تركيا تعتزم البقاء في المدن التي احتلتها وسيطرت عليها تمهيدا لضم اراضي الى تركيا وانشاء مناطق انفصالية تحت الحماية التركية . مع العلم ان التقدم التركي على الارض لم يؤد الى ايجاد حالة امنية تضمن الحفاظ على  المصالح المحققة. ولا يبدو الوضع غير مستقر في عفرين وغارقا في الفساد مثل منطقو اعزاز-جرابلس- الباب وحسب، بل وانه ايضا عرضة للضغط الذي يمارسه النظام السوري والمقاومة الكردية.
كما أن السيطرة التركية في شمال غرب سوريا تتعارض مع جملة من الاهداف الاستراتيجية  للإتحاد الاوروبي حيث سيصبح هدفه التوصل الى حل سلمي للنزاع وبخاصة ان الحديث قائم على اساس تمسك التركي بأراضي سوريا من شأنه ان يخلق نزاعا مجمدا جديدا. ثانيا: يتناقض تهميش تركيا للائتلاف الوطني السوري بشكل مباشر مع دعم الاتحاد الاوروبي لهذه الهيئة  باعتبارها جزءا من الجهود التي تبذلها لحل النزاع.  ثالثا: تعارض مبدأ تركيا المعي والنهج العسكري الممارس بحق الاكراد مع مبدأ الاتحاد الاوروبي القائم على فكرة تعزيز الديمقراطية وحقوق الانسان في سوريا. رابعا: عدم توافق المشروع التركي مع الاتحاد الاوروبي حول مسألة الحكم الذاتي مقابل التزامات الاوروبية بوحدة الاراضي السورية. خامسا: من شأن عودة اللاجئين القسرية من تركيا الى سوريا ان تنتهك القانون الانساني الدولي الامر الذي قد يسهم في موجة جديدة من اللاجئين السوريين الى اوروبا.
وفي الختام ، لن يرغب الاتحاد الاوروبي في تعريض الاتفاق الذي تم مع تركيا بشأن الهجرة للخطر من خلال تبني موقف حرج للغاية. وبالتالي ، فإن المنطقة العازلة الامنة نسبيا الواقعة تحت الحماية التركية لن تسمح بعودة اللاجئين السوريين من تركيا من اجل تكون العملية  متناسبة مع استراتيجيا الاتجحاد الاوروبي حول اقصاء الحدود واللاجئين. فهل ستترك تركيا منفردة في شمال غرب سوريا التي استوطنتها من اجل الحد من التداعيات السلبية الناجمة عن الحرب الاهلية السورية مما يؤدي الى الحؤول ددون الاستقرار الاقليمي طويل الامد؟ وهل سيتعين على تركيا المشاركة بشكل حاسم في الحوار السياسي والمفاوضات الواسعة|، ما قد ينجم عنه خطر المزيد من الانعكاسات على العلاقات الاوروبية-التركية؟     
 
المصدر: فان فين إيرون، جيوبوليتيكيا إعادة الاعمار في سوريا، حالة ماتريوشكا،لاهاي:كلينجيندايل،2019
 
Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 9 + 1