كتبت اورنيلا سكر: إن الإرهاب والتطرف في أوروبا هي مسؤولية غربية وإخوانية

كتابة: أورنيلا سكر

2020.11.27 - 09:50
Facebook Share
طباعة

 
ينظر إلى التطرف والارهاب كونه مرضاً وطريقة  في الحياة . عندما يلجا الافراد إلى العنف لتوفير الشعور بالحيوية . ويقول عالم النفس الامريكي آرنو غروين  إن غياب الهوية المرتبطة بالتطرف ناتج من هدم الذات بسبب سيطرة شعور بكراهيتها، وهو  ما يؤدي بدوره الى سيطرة مشاعر الثأر من الحياة نفسها  على الفرد، وشعوره بأنه تحت الإكراه لاغتيال إنسانيته. في هذه الحالة ، لا ينظر الى التطرف كونه تكتيكاص أو إيديولوجيا، بل مرضاً يتغذى على هدم الحياة. من يقتضي النظر في موضوع العنف والتطرف والغرهاب من وجهة نظر كلية لكن ما يهمني البحث فيه في هذه المقالة هو الارهاب الذي يستخدم من أجل شرعنة  القرارات السياسية والاقتصادية التي تقوم في واقع الامر بتجريد  المواطنين وحرمانهم  من إمكانية للقرار مما يؤسس ذلك لتراكمات في أزمة الهوية والاندماج والتطرف وهذه هي حال بعض المجتمعات الاوروبية التي تعاني ازمة الارهاب والمهاجرين والأصوليات وما يقابلها من أصوليات مضادة سواء مسيحية أو إسلامية.
وتشير سعيدة كيلر المساهلي، أستاذة في اللّغة واللّسانيات والسينماتولوجيا، والمناضلة من أجل حقوق الإنسان والتي أسّست في زيوريخ منتدى “من أجل إسلام تقدّمي”، وهي اليوم ناشطة سياسيّة تكتب وتشارك في النّدوات والنّقاشات الدّائرة في سويسرا والعالم العربيّ. حيث نالت الجائزة السويسريّة  لحقوق الإنسان عام 2016 .وقد صدر لها كتاب مهمّ  عن الحضور اللاّفت للأصوليّة في سويسرا تحت عنوان:  سويسرا محور الأصوليّة الإسلامويّة خلف كواليس المسجد، حين سألت عن جيل الإخوان المسلمين الجديد الّذي تشير إليه في كتاباتها وتدخّلاتها التلفزيونيّة؟
أجابت أنّهم يريدون خلق خلًف لهم يؤبّدون من خلاله وجود الجماعة  في أوروبا، ففي 2002 قدّم الإخوان المسلمون محاضرة حول الموضوع تحت عنوان "التّربية الإسلامية في أوروبا " في مدينة بون الألمانيّة، من تنظيم المركز الثّقافيّ الاسلاميّ الموجود بإيرلندا وجمعية علماء الاجتماع المسلمين في بريطانيا وألمانيا. وكان من بين الحضور، تقول، الكثير من الفاعلين الإخوان المعروفين في أوروبا كطارق رمضان، محمد كرموس، أحمد جاب الله وإبراهيم الزيات. وكان هدفهم الأوّل التّفكير في طرق تعليم الأجيال القادمة كيف يوطنون رسالة الإسلام وروحه داخل البيئة الأوروبيّة الّتي يعيشون فيها  ومواجهة تحدّي البرامج المدرسيّة العلمانيّة وغيرها الّتي لا تتوافق مع تراث الاسلام. وعن المقصود برسالة الإسلام وروحه لدى الإخوان تقول سعيدة أنّه بطبيعة الحال ذلك الإسلام الإخواني المتشدّد، الدّعوي الحامل لفكرة “التّمكين” . هو الإسلام السّياسي الّذي يهدف عبره المقاولون في الدّين إلى إنهاء التّنوع بين المسلمين وسجنهم جميعا في خانة واحدة موحّدة هي صفة (مسلم).
وحول أسباب هذه الممارسات من قبل الاخوان المسلمين في أوروبا ، تقول الكاتبة أن ذلك ياتي ليسهل التّحكم فيهم والحديث باسمهم، كما يؤكّد الباحث برنار روجييه في كتابه الصّادر أخيرا "الأقاليم المحتلّة من طرف الإسلاميين". وتتعجّب سعيدة إذ كيف يمكن لتنظيم مصنّف كتنظيم إرهابي في عدّة بلدان عربيّة وتتهيأ بلدان أخرى في أوروبا وأمريكا لاتّخاذ نفس الموقف، إلى مزاولة نشاطه في 79 دولة حسب ما ذكر الإخوان ذاتهم في ملتقى سري كما يكتب موقع” أنترسيبسن ” أخيرا!
وتضيف الكاتبة أن القرضاوي كان من المؤسّسين لــ "المجلس الأوروبي للبحث والفتوى"، وهي هيئة تصدر فتاوى مبسّطة في مختلف أمور الحياة للمسلمين المقيمين في أوروبا. وقد ترأس يوسف القرضاوي "الاتّحاد العالمي للعلماء المسلمين” طوال عشريات. وسواء التّنظيمات الجمعويّة الإخوانيّة على المستوى الأوروبي كـــ "فيدراليّة المنظّمات الإسلاميّة في أوروبا” أو الجمعيات الوطنيّة كــ "اتّحاد المنظّمات الإسلاميّة في فرنسا" والّتي تسمّى اليوم بــ”مسلمي فرنسا"، كانت كلّها من بنات أفكار القرضاوي أو من إيحائه . ويشرف على هذه التراث الاصولي مجموعة من الباحثين الأكفّاء في تسيير التّضليل وتمّ تشبيب الطّاقم المدير في المنظّمتين العالميتين الإخوانيتين المذكورتين سابقا حيث أصبح أكثر تواصلا  مع قواعده في كامل أوروبا.  وقد ظهرت آثار ذلك التّجديد الإداريّ مباشرة بعد المظاهرة ضدّ الإسلاموفوبيا الّتي نظّمها "ائتلاف مناهضة الإسلاموفوبيا بفرنسا" القريب جدّا من تنظيم الإخوان المسلمين و الذي يغذي خطاب “الضحية الدائمة” الى درجة راح دون حياء يعتبر المسلمين في فرنسا اليوم كيهود فرنسا في الثلاثينات من القرن الماضي. وقد رأى النّور في نوفمبر  2019 “مجلس أئمة أوروبي" جديد. وعلاوة على العرض الرقمي المتجدّد تجاه الباحثين عن الفتوى، تدعّمت مجالس الفتوى بخدمات اللّغة الفرنسيّة والألمانيّة. وتمّ إطلاق "تطبيق فتوى" يتضمّن أحيانا توصيات سخيفة للجاليات المسلمة في الغرب. وتعود الكاتبة لتشرح لنا تركيز الإخوان على التّربية والتّعليم فتقول أنّها تبقى وصفة الإّخوان الناجحة والفعّالة هي اهتمامهم بالتّعليم. ففي بداية تسعينيات القرن الماضي وبمساعدة يوسف القرضاوي تمّ تأسيس "المعهد الأوروبي للعلوم الإنسانيّة " في مدينة شاطو شينو على ملكيّة تابعة لاتّحاد الجمعيات الإسلاميّة في فرنسا، ممثل الإخوان في فرنسا، والمسمّى اليوم بــ مسلمي فرنسا كما سبق وأن ذكرت. وهو معهد يهدف عبره الإخوان إلى تكوين  إطارات وأئمة ومعلّمين ومرشدين لتعليم الإسلام كما يرونه هم. والإسلام سياسي دائما في إيديولوجيّة الإخوان. ورغم الإسم الأوروبي الّذي يحمله، هذا المعهد، تقول سعيدة،  فلا يتعاون مع أيّة مؤسّسة تعليميّة غربيّة بل هو في تواصل مع الجامعات الإسلامويّة في ماليزيا وفي العالم العربيّ. وسرعان ما يتحوّل المتخرجون من المعهد الإخوانيّ إلى أئمة ينشرون الفكر المتحجّر في المساجد والمصلّيات وما يسمّى مراكز إسلاميّة. وليس هذا فحسب، تضيف، بل هناك اليوم فضاء جامعي لنفس المعهد بسانت دوني بباريس لاستقبال ألوف الطّلبة ونفس الشّيء في مقاطعة الألزاس وفي مدينة أورليون. علاوة على وجود مدارس خاصّة كثيرة لها ارتبطات بثانوية ابن رشد الّتي لا تحمل من الفيلسوف الكبير سوى اسمه. وليس هذا مقتصر على فرنسا بل تتمدّد تلك المؤسّسات التعليميّة نحو ألمانيا وبريطانيا حيث تتطوّر هذه المعاهد والمدارس الإخوانيّة بشكل كبير. هناك أيضا نسخة من المعهد الأوروبي للعلوم الإسلاميّة في فرانكفورت. لقد قامت محاولات كثيرة للحدّ من هجوم الإخوان على أوروبا وإيقاف زحفهم إلّا أّنه ومع الأسف الكبير يقف تمويلهم الكبير من طرف قطر والكويت حائلا دون ذلك. وما يثير مخاوف بعض الأوروبيين هو تعاون الإخوان وتقرّبهم من تركيا أردوغان في السّنوات الأخيرة.  أمّا عن الإخوان الأتراك وهجومهم على أوروبا فتقول السويسريّة من أصل تونسي، أنّه يوجد مئات المساجد تابعة للحركة الإسلاميّة التركيّة "ميلي غوروس" في كلّ أرجاء أوروبا وخاصّة في ألمانيا. هي نسخة الإخوان التركيّة الّتي تشيّد مسجدا كبيرا بمدينة ستراسبورغ الفرنسيّة على مساحة 7000 متر مربع وغير بعيد من هنا يشيّد الإخوان العرب بتمويل قطري مسجدا كبيرا متعدّد الخدمات بمدينة مولوز يهدف من ورائه الإخوان إلى عزل المسلمين نهائيا عن الفرنسيين الآخرين إذ يتوفّر في هذا الفضاء خدمات تجاريّة ورياضيّة وثقافيّة إسلاميّة كما يدّعون
نحن هنا لسنا  بصدد الهجوم بل طرح حقيقة صعود الاصوليات في اوروبا بناءا على هذه المعطيات ومن جهة اخرى ، إن الدول الغربية لها دور في تعميق هذه الاختلافات وتجذر التطرف والعنف والارهاب في أوروبا من خلال سياسة التهميش والإكراه التي تمارسه بعد الدول الاوروبية بحق المهاجرية واللاجئين والمسلمين والمغاربة من الجيل الثاني والثالث والرابع (ووو)، حيث يقول الكاتب الفرنسي جان راسبيل في سبعينيات القرن الماضي في روايته أن وجود المهاجرين القادمين من القارة الهندية إلى أوروبا وكأنه استبدال الحضارة الاوروبية بأخرى. ويعتبر في السياق نفسه المفكر اليهودي ذو الاصول الجزائرية أريك زيمور أن مجيئ المسلمين إلى اوروبا هدفة  فرض الشريعة الاسلامية والعباءة والحجاب التي تتناقض مع المبادؤ الجمهورية الفرنسية. 
لهذا ، فالمجتمع الغربي مطالب بإدانة جميع أنواع الارهاب والقضاء على كل الدوافع والمحركات الرئيسية التي اسهمت في إنتاج كل التصورات الضاربة في التطرف والانغلاق، ومواجهة كل الصور النمطية عن الارهاب الاسلامي الذي شاركت في إنتاجه اكثر فاكثر القناعات الغربية الراسخة ووسائل الاعلام الغربية التي اختزلت التطرف في الاسلام السياسي وجماعاته وتياراته وسمحت باتنشار التطرف والتعصب والعنصرية وخطاب الكراهية اتجاه الاخر اي الاجانب عبر مأسات احزابها اليمينية المتطرفة التي ركبت موجة الهوية الضيقة بهدف تحصيل اصوات انتخابية كما فعل ماكرون وغيره مستغلة الاوضاع الاجتماعية والسياسية والفكرية التي يدسها المسترقين ويتغذون من خلالها لصناعة التوحش وتصدير بيانات الحرب على الارهاب المزيف والكاذب.
في الختام، إن الفهم العميق لجذور العنف والإرهاب والتطرف يحتاج الى التصميح وارادة  الدول الغربية لمواجهة الظاهرة بكل وجوهها واشكالها من دون تمييز على اساس عرقي ةإثني وديني ونزاع الهوياتية لتحقيق مكاسب سياسية واقتصادية واشراك الدول الاسلامية في الجهود الدولية لمكافحة الارهاب وبخاصة الاسلاموفوبيا بهدف توفير الظروف المناسبةومحاصرة الارهاب وتجفيف منابعه وافكاره المسمومة من اجل التعايش والتسامح تحت سقف المواطنة وسيادة القانون وتكافئ الفرص والعدالة الاجتماعية بعيدا ً عن التهميش والاقصاء .
 
Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 2 + 2