كتبت أورنيلا سكر : أردوغان والعثمانية المتخيلة في لبنان

عربي برس

2020.11.28 - 10:34
Facebook Share
طباعة

من يدرس تاريخ العثماني بتعمق يجد أن الواقع  والمكانة والظروف قد اختلفت  تفوق امبراطوري وصل الى أسوار فيينا إلى  فتى مراهق يتخيل عثمانية أجداده الذي يريد إحيائها عبر تجنيد وتسهيل مرتزقته ونشر المدارس المسمومة باسم الإسلام  واستغلال ضعف المسلمين لتحقيق مكاسب سياسية واقتصادية في لبنان عبر دعم الثورات الملونة التي أفسدت الربيع العربية وأجهدته في سوريا ولبنان بشكل خاص والتي تعيق أي مشروع نهضوي خدمة لأهداف استعمارية بحجة أنها المدافع عن العالم الإسلامي السني مستغلة عديد من القضايا التاريخية المستأنفة مثل الصراع السني-الشيعي ومواجهة المد الفارسي والمد العبري  بهدف سد فراغ اليأس والإحباط الفشل في لبنان عبر اللعب على توازنات الطائفية واستغلال الطائفة السنية المهمشة في عكار وطرابلس المناطق الفقير التي تعاني العوز والفقر بهدف تجنيدهم وتحولهم إلى بؤر للذئاب المنفردة والتكفير والدعشنة بهدف إحداث الفوضى والإخلال بأمن لبنان تحت شعار فرق تسد. 

لا يمكن القول أن لتاريخ السلطنة العثمانية دور قذر فهي مارست حقها في تحقيق امبراطوريتها مثلها مثل أي دولة أخرى  لكن،ما  يمكن أن نقول إنها لم تكن عنصرا وعاملاً مساعدا لتطوير المجتمعات الإسلامية والعربية بل كرست كل أوجه الاحتقان والإكراه الديني والتخلف وهي ادخلت سياسة المحصوبيات والإرتشاء في لبنان حيث تعاقب عليها النظام الطائفي لبنان من جهة، وتجنيد كل البلدان التي فتحتها بهدف القتال من أجل الامبراطورية العثمانية وتقسيم العالم إلى دار حرب ودار الإسلام  فكان دور الجهاد العثماني على يد الانكشاريين مسيء لمفهوم الجهاد الإسلامي الأمر الذي أعطى مادة دسمة إلى المستشرقين لضرب الإسلام على غرار كتابات المستشرق برناردلويس في كتابه حول "الإسلام في مأزق" و"الإسلام والغرب" الذي ساعد في تشويه صورة الإسلام في العالم عبر تلازمية ثنائية الإسلام والسيف حيث يقول ماثيو رستال ان فتح امريكا كان عبارة عن السيطرة والهيمنة بعكس الفتح العربي -الاسلامي الذي حفظ على الاقليات وحضارة الشعوب الاخرى في عصر الاكتشاف الذي نشأ على اسس العنصرية والتمييز اتجاه الاخر بدليل التجربة الاندلسية.

فقد عرفت سياسة التتريك مع الاقليات وجوه من الاستبداد الابادة بحق الفئات الاخرى مثل الشيعة وبشكل خاص الارمن التي اشار اليها الرئيس الامريكي في مذكراته في كتابه " ارض الميعاد" حيث أماطة اللثام عن توجهاته الاستبدادية، ومخططاته لإحياء العثمانية من خلال توظيف الإسلام السياسي داخل بلاده وخارجها، والتي أضحت قضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان سيفاً مسلطاً على رقبتهِ، بعدما توالت الانتقادات الأوروبية والأمريكية التي أدانة وتدين سجل تركيا لهذه الإعتبارات،وبخاصة حول السياسة الخارجية، أن علاقته بالرئيس التركي رجب طيب أردوغان، كانت مبنية على مصالح متبادلة، حيث كان الأخير ينشد مساندة واشنطن لدعم نيل بلاده عضوية الاتحاد الأوروبي، ومساندته عسكرياً واستخباراتياً في كبح جماح النزعات الانفصالية الكردية التي أججها سقوط نظام صدام حسين بالعراق وتدهور الأوضاع في سوريا، مقابل حاجة واشنطن إلى تعاون تركي لمحاصرة روسيا ومكافحة الإرهاب وتحقيق الاستقرار في العراق، على حد قول أوباما. وفي معرض إشارته لعلاقته ببعض أفراد إدارته السابقة، كسامانثا باور، التي ألفت كتابا عن قضية الإبادة الجماعية للأرمن على يد الأتراك العثمانيين إبان الحرب الكونية الأولى، لم يتردد أوباما في الاعتراف باستشعاره خلال توليه الرئاسة حساسية مفرطة لدى الأتراك حيال تلك القضية الشائكة، وأنه اضطر لمراعاة ذلك الأمر أثناء التفاوض مع إردوغان بشأن ملفات شتى، كشروط الانسحاب الأمريكي من العراق، كما كان يتجنب ذكر مصطلح «الإبادة الجماعية»، خلال البيانات التي يصدرها البيت الأبيض بمناسبة الذكرى السنوية لهذه المأساة، تلافياً لاستفزاز الأتراك، رغم اعتراف الكونجرس بتلك الإبادة عبر قرارين أصدرهما مجلس النواب عامي 1975 و1984، فضلاً عن وعود أوباما نفسه للوبي الأرمني أثناء حملتيه الرئاسيتين بالاعتراف بإبادة الأرمن فور ولوجه المكتب الأبيض، لكنه اكتفى عام 2014 باعتبارها واحدة من أبشع مجازر القرن العشرين، غير أنه لم يجد اليوم أي مبرر في أن يذكر مصطلح «إبادة الأرمن»، في مذكراته وكأنه ينشد تصحيح موقف سابق بعدما تحرر من قيود الرئاسة وحساباتها المعقدة.

 

الامر الذي يدفعنا إلى القول أن تاريخ تركيا كان دائما وكيلاً جيدا يخدم أهداف السياسة الخارجية الامريكية ويوفر لها المادة الدسمة لاجهاض أي مبادرات وطنية وتحررية في العالم العربي-الاسلامي من خلال تكريس الاستبداد والعنف والاضطهاد وتحريف الواقع الذي ساعد على استنبات فكر المستشرقين والتأكيد عليه من خلال جعل مسلم الامس هو العثماني ومسلم اليوم هو الارهابي ونصب للارهاب التكفيري خليفة من خلال تسييس الدين بدل تديين السياسة حيث يذكر المؤرخ ضرار بن عمرو الغطفاني (ت.نحو 200ه815م)، في  كتابه " التحريش" والذي يؤكد عليه المستشرق الالماني جوزيف فان إس حيث يعد كتاب التحريش من المخطوطات النادرة التي عكس واقع الفقيه الي يحتكم اليه اهل الفرق جميعا مشيرا ان الفقيه لا تعني انه المختص بمجال الفقه والفروع وانما للفقيه هنا معنى اوسع يحيل الى العالم بشؤون الدين. 

يدور الكتاب على الفقيه الذي يأتيه جماعة يسألونه في قضية ما او عن فرقة من الفرق فبوافقهم على يرونه، ويستشهد لهم  بسيل من الاثار عن النبي والصحابة التي تدعم وجهة نظرهم. إن هذا الواقع هو الذي أسس لعدم التنمية تحت الحكم العثماني وبدليل تجربة لبنان منذ المتصرفية التي شهدت على تزكية المسؤولين التي شكلت القاعدة  عبر خلق مواقع ادارية لا حاجة لها لتوزيع التنفيعات على الموالين وتأسيس سلطة المقاطغجيين وبعد معركة عين دارة ، اعاد الامير حيدر الشهابي توزيع المقاطعات على حلفائه وقد حصل هؤلاء على حق توريث اولادهم واصبحت عائلات المقاطعجية تتوارث السلطة المحلية جيلا بعد جيل عبرت فيها عن جيل من نخبة المتواطئين مع الخارج حيث حل نظام القائم على الاستزلام السياسي محل النظام المقاطعجي القديم عماده توزيع منافع خاصة لاكتساب ولاءات المفسدين منها حيث تقاسمت اوروبا مع السلطنة النفوذ على المشرق العربي بعد 1840، فاصبحت اوروبا جورا في تحديد من يكون ولا يكون على رأس المتصرفية من خنا نشأ تقليد يقتضي بأن يكون على رأس الكيان الشخص الذي يتوافق الخارج عليه.

ومن جهة اخرى ، يعلل البر اورطايلي  في كتابه نحن وتارخنا"، إذ يثير قضية المنهج حيث يرى ان بعض الموضوعات تقتضي اتباع نهج التاريخ المقارن(203)، فهي السبيل الوحيدة من اجل فهم التاريخ فهما صحيحا. في هذا الباب يطلاح اعادة النظر فيما يسمى الابادة الدولة العثمانية للارمن، فهناك  من جهة المصطلح الذي اطلق على الاحداث التي عرفتها سنة 1915، إذ يخلط المؤرخون، بين الابادة والمجزرة. ومن جهة ثانية مسألة المساواة بالتاريخ، فقد نشأ تيار داخل تركيا يقول بالقبول بالابادة لكي نقبل بأوروبا ، وهو تيار بدأ يتقوى مع الزمن. وهو أمر يرفضه اورطايلي ويرى ان الابادة إن وقعت، لا تسقط بالتقادم (ص204)، ويضيف أنه لا مجال للحديث عن الابادة لانه لم يكن هناك بنية تحتية ثقافية وادارية للابادة، فلا نجد في الادب الشعبي التركي اي تحريض على الارمن يثير الكراهية ضدهم كما هو شأن يهود اوروبا في القرن التاسع عشر. إن القول بالهولوكوست الارمني في اوروبا، خاصة في المانيا، تحركه الرغبة  في البحث عن شركاء في الجريمة او على مجرمين شبيهين الذي يدخل في اطار تبرير افعال الابادة والقول انها استمرار لمحاكم التفتيش وما ارتكبه السابقون، وانها في النهاية تنسجم مع منطق العصر. إنهم منخرطين في الدعاية، ولا يستثني المؤلف من هذا الجهل المدافعين عن براءة الدولة العثمانية،"فعندما نفكر دون معلومات نجد انفسنا امام حالة هجوم وطرف واتخاذ طرف اخر لموقف الدفاع (ص20).

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 7 + 3