د. علاء الدين بنهادي لعربي برس: تركيا خطر على كل دول المتوسط

خاص عربي برس - حاورته أورنيلا سكر

2020.11.30 - 08:49
Facebook Share
طباعة

 مقابلة مع د. علاء الدين بنهادي 

دبلوماسي مغربي سابق، مقيم بالسعودية

 
خبير العلاقات الدولية وأستاذ القانون الدستوري والعلوم السياسية
 
 
1.    ما هي أهداف السياسة الخارجية للرئيس التركي رجب طيب اروغان؟
 
يجب عدم شخصنة الأمور لأن السياسة الخارجية للدولة تحددها عوامل ومؤسسات عدة، ويمثل فيها رئيس الدولة الرمز ومتخذ القرار والمسؤول عن تبعاتها ومتابعتها. إن أهداف السياسة الخارجية التركية اليوم واضحة وتعبر عنها تحركاتها العسكرية والدبلوماسية وخطابها السياسي الواضح في مختلف مناطق الصراع والتوتر، من سوريا إلى العراق، إلى ليبيا والسودان والقرن الإفريقي، إلى النزاع المسلح بين أرمينيا وأذربيجان، ومن لينان إلى فلسطين والجاليات المسلمة في أوروبا.
 
هذه هي العناوين البارزة للسياسة الخارجية التركية اليوم، ولا تخفي طموحاتها وأهدافها الاستراتيجية لا أقول لإعادة المجد العثماني من جديد فقط، ولكن لوضع تركيا اليوم والغد في مصاف الدول العظمى في نصف القرن المقبل إقليميا وعالميا، خاصة داخل عالم إسلامي وعربي يمر بضعف غير مسبوق منذ فترة الاستعمار. وقد حصل أن تصطدم تركيا في تحركاتها العسكرية والدبلوماسية بفرنسا، بل وبغيرها، في أكثر من دائرة ومنطقة، بل حتى داخل المؤسسات التي ينتميان إليها مثل حلف الناتو، وهذا أمر طبيعي، لأن كل دولة لها مطامع وطموحات، وهذا ليس وليد اليوم، وإنا هو إرث ثقيل بين الدولتين منذ الدولة السلجوقية والبيزنطية والرومانية وبداية تأسيس الدولة العثمانيةعام 1299 التي أنهت حكم بيزنطة وفتحت القسطنطينية، عاصمتها المدنية والدينية، في قلب أوروبا عام 1453. ليس من الصدف أنه 39 سنة بعد هذا التاريخ، 1492، تسقط أوروبا الصليبية الأندلس وتنزعها انتزاعا من يد المسلمين.
 
التركة التاريخية لازالت حاضرة بقوة في العلاقات التركية الفرنسية، وتركيا-أردوغان تحمل في ذاكرتها أحداثا طبعتها في عمق وتسببت في جروح غائرة في الشخصية التركية، والدور الذي لعبته فرنسا قبل وغداة الحرب العالمية الأولى مع معاهدة سيفر عام 1920 ومعاهدة لوزان عام 1923 والتي ستنتهي عام 2023، أحداث أفضت إلى سقوط الخلافة العثمانية عام 1924 وتوزيع أراضي تركيا بين القوى الاستعمارية الفرنسية والإنجليزية تحديدا.
 
أهداف تركيا اليوم هي تحصين قرارها السياسي عبر نهضة اقتصادية وعلمية وتكنولوجية مضطردة وملحوظة وقوة عسكرية ضاربة وبناء دولة قوية بمؤسساتها ومجتمعها ونظامها السياسي، وتوظيف هذه القوة المتنامية لتحقيق مصالح قومية فيما تعتقده أنقرة حقا مشروعا وواجبا شرعيا تجاه المسلمين كما تقول، فكان من الطبيعي أن تصطدم مع دولة مثل فرنسا آخذه في التراجع على مستوى الوزن السياسي والعسكري في مناطق نفوذها التقليدية، أي مستعمراتها القديمة التي تمثل مصدر وسر ازدهارها ونهضتها ورفاهية مجتمعها، في إفريقيا وشرق المتوسط وشماله وفي سوريا ولبنان، بل إن الصراع بينهما تجاوز مناطق النفوذ الفرنسية التقليدية.
 
إن فرنسا اليوم ودول أخرى أوروبية، بل حتى الولايات المتحدة الأمريكية، ليست كما وصفها ميثاق الأمم المتحدة عندما صاغته القوى الاستعمارية المنتصرة في الحرب العالمية الثانية، 1939-1945، بـ "القوى العظمى"، إذ برزت، منذ سقوط الاتحاد السوفييتي ونهاية الحرب الباردة، خاصة غداة أحداث نيويورك عام 2001، قوى إقليمية ناشئة نجحت خلال عقدين من الزمن في إحراز موقع متقدم في السياسات والشؤون الدولية مثل روسيا والصين وتركيا وإيران والهند والسعودية وباكستان والبرازيل وقطر، ليس بالضرورة عبر قوتها العسكرية والاقتصادية، وإنما أيضا عبر القوة الناعمة، البحث العلمي والإعلام.      
 
2.    وما هي ودوافعها وحدودها؟
 
لكل سياسة خارجية دوافع لا شك، أمنية واقتصادية وعسكرية، ولكن الأهم من ذلك هو أن أي دولة، وتركيا من بين هذه الدول اليوم، حينما تحقق نهضتها الوطنية ودورتها الاقتصادية وشروطها التكنولوجية والعلمية والصناعية في مختلف المجالات وترسي نظاما سياسيا ديمقراطيا، فتجتمع لديها عناصر القوة مما يولد لديها الطموح السياسي لتأمين ازدهارها ورفاهيتها وضمان تدفق الثروة لتوفير الخدمات الضرورية لشعبها، فتبدأ في التخطيط لتأمين أمنها القومي والبحث عن مقومات القوة في البلاد الأخرى، خاصة الضعيفة، من موارد طبيعية ومواقع جغرافية استراتيجية كما هو شأن تركيا اليوم وسياستها الخارجية وتحركاتها العسكرية في مختلف المناطق المتوترة في سوريا والعراق وليبيا والسودان على سبيل المثال.
 
أما حدود هذه الطموحات والسياسات، فلا أظن بأن دولة اجتمعت لها عناصر القوة وشروط النفوذ مثلما هي تركيا اليوم، ستفكر في التوقف عن الزحف والتوسع نحو المزيد من القوة والنفوذ والحضور في مختلف المناطق والملفات الحارقة في البلادة العربية خاصة والعالم عامة كما شهدناها مؤخرا في الصراع بين أذربيجان وأرمينيا حول منطقة ناغورني قره باغ.
 
3.    ما هو مستقبل العلاقات الفرنسية – التركية المتدهورة؟
 
مهما بلغ التوتر بين الدول، هناك جانب من العقلانية لديها في إدارة الأزمات والصراعات، وفرنسا وتركيا اليوم، وكل الدول الطامحة والفاعلة في المسرح الإقليمي والدولي، خاصة في مناطق النزاع والحروب، كما يجري اليوم في القرن الإفريقي بشأن النزاع المسلح بين إثيوبيا وتغراي، إحدى مقاطعاتها في الشمال، يحاول كل منهما قياس حدود قوة الآخر وقدرته على الاستمرار في الصراع أو الانسحاب والتراجع كما وقع مع فرنسا في ليبيا وسوريا ونزاع أذربيجان وأرمينيا الذي انتهى بهزيمة أرمينيا حليفة فرنسا.
 
لازال الوضع الدولي لم يستقر بعد على نظام معين، متعدد أو غيره، ولم يحسم بعد الصراع بين فرنسا وتركيا في العديد من الملفات، خاصة وأن نفوذ وتحركات تركيا في ازدياد وسياسات فرنسا الداخلية والخارجية في تراجع وأزمات كما هو الشأن في علاقتها المتوترة مع الإسلام والمسلمين في العالم. سترتفع وتيرة الأزمة بين الدولتين مع تحقيق تركيا انتصارات سياسية وعسكرية وازدهارا اقتصاديا وتكنولوجيا وعلميا أكبر، وما لم يحسم الوضع بينهما في مواجهة مباشرة على أرض من أراضي الصراع، فلن يستسلم هذا الطرف أو ذاك، وإمكانية الوصول لتوافق ومصالحة بينهما ضئيلة جدا بسبب حجم التناقض في الاستراتيجيات والسياسات والطموحات.   
 
4.    كيف ينوي الاتحاد الأوروبي التعامل مع هذا "الشريك المتوسطي الصعب"؟    
 
الاتحاد الأوروبي ليس كتلة واحدة أو على قلب رجل واحد، وقد عبرت بريطانيا عن هذا الواقع بخروجها من الاتحاد ودول أخرى في أوروبا الشرقية مثل بولندا وهنغاريا وبلغاريا وصربيا، كما أكدت الأزمة الاقتصادية والمالية التي عاشها العالم وأوروبا والهجرة المتدفقة على أوروبا من دول النزاعات المسلحة مثل سوريا وليبيا، وجائحة كورونا، أكدت بأن أوروبا ليست متعافية ومتضامنة كما قد يبدو. مثال آخر، وهو أزمة أمريكا وأوروبا مع إيران حول مشروعها النووي، لم تكن مواقف دول الاتحاد واحدة، لذلك نجحت طهران في الاستفراد بهذه الدولة الأوروبية أو تلك وفي تقسيم سياساتها تجاه إيران مستعملة في ذلك المصالح الاقتصادية وصفقات السلاح والاستثمارات، بل نجحت إيران في شق صف أوروبا وأمريكا بشأن ملفها النووي.
 
لا أعتقد بأن الاتحاد الأوروبي ينظر لتركيا وصعود قوتها وتأثيرها في العديد من مناطق الصراع بسياساتها وقوتها العسكرية من نفس الزاوية أو يتخذ منها نفس الموقف رغم محاولات رئيس فرنسا إيمانويل ماكرون جر الاتحاد للاصطفاف مع سياساته العدوانية المتهورة.     
 
5.    هل تجد أن شروط الحوار بين الأوروبيين والأتراك متوفرة؟
 
تتقن تركيا سياسة شد الحبل مع الأوروبيين وإرخائه حسب الظروف والمصالح والملابسات، كما تفعل أيضا إيران، فخطاب رئيسها أردوغان يشتد في أزمة معينة، ثم سرعان ما يتغير ليظهر بمظهر الراغب في الحلول والحوار، وهذا تكتيك معروف في العلاقات الدولية وإدارة الأزمات. لقد اختبرت تركيا فرنسا في الكثير من الملفات والقضايا وسجلت عليها نقاط، وهذا يفسر بمعرفتها لتاريخ فرنسا القديم والحديث وثقافتها السياسية ونقاط ضعفها وقوتها. لقد حاول ماكرون إعطاء خطابه مضمونا مسيحيا حينما يتحدث عن طموحات أردوغان في إعادة مجد الخلافة العثمانية وتناوله في وسائل الإعلام على أنه "الخليفة" القادم والطامع في التوسع والهيمنة، بل حاول الإعلام الفرنسي شيطنته وتصويره بأنه هيتلر الجديد.
 
ما لم تستوعبه فرنسا حتى الآن هو أن تركيا تجاوزت مرحلة الاعتماد على الغرب تقريبا في كل شيء وأصبحت اليوم تتعامل معه من موقع الند وموقع قوتها الجديد وإنجازاتها العسكرية والاقتصادية الجديدة، كما أنه كلما اقتربت فرنسا من الإسلام بعدوانية وكراهية، استغلت تركيا هذه السياسات الفرنسية العدوانية ولعبت على مشاعر المسلمين عبر العالم، كما فعلت من قبل مثلا بشأن القضية الفلسطينية حينما هاجم أردوغان، وهو رئيس وزراء رئيس الكيان الصهيوني الراحل شمعون بيريز في منتدى دافوس الاقتصادي عام 2009.
 
6.    هل يمكن القول إنه تحوّل لبنان إلى نقطة تجاذب وتنافس بين النفوذين الفرنسي والتركي؟
 
سياسة تركيا مثل دول أخرى، روسيا وإيران، تتجلى في التدخل في أي منطقة حل بها صراع مسلح أو توتر إما لأهداف تتعلق بأمنها القومي، كما هو الشأن في سوريا والعراق، أو بمصالحها ومخططاتها الاستراتيجية كما هو الشأن في ليبيا، ولبنان هو إحدى ساحات الصراع الجديدة بين فرنسا وتركيا، وسياسة تركيا تقوم على الإسراع في تسجيل الموقف، كما فعل مع كارثة انفجار مرفأ بيروت هذا العام، دون حسابات ضيقة دعائية آنية ومستعجلة، وإنما وفق رؤية استراتيجية، وهي نفس سياسة الصين في إفريقيا، خاصة في القرن الإفريقي، والتي ترتكز على تقديم الدعم والمساندة خلال الأزمات دون المطالبة بالمقابل أو الابتزاز الانتهازي كما تفعل وفعلت فرنسا في لبنان وفي العديد من الدول الإفريقي والعربية وفي مالي وإفريقيا الوسطى وعلى مدى القرن العشرين.
 
فرنسا تحصد اليوم ما زرعت خلال الحقبة الاستعمارية القائمة على القتل والاستغلال والنهب والتبشير القسري وسرقة ثروات الشعوب وتدمير ثقافتها المحلية ودينهم وتقاليدهم كما فعلت هي وبريطانيا وإسبانيا مع "تجارة العبيد" عبر الأطلسي نحو أمريكا من القرن السادس عشر حتى القرن التاسع عشر وما خلفته من مأساة وقتل وإبادة.
 
إن اهتمام فرنسا بلبنان هو اهتمام انتهازي مفضوح واستعلائي كما شاهدناه خلال زيارة ماكرون للبنان غداة انفجار مرفأ بيروت وهو يتجول في شوارعها رفقة فريق عمل وغياب رئيس الدولة الجنرال عون ويستلم العرائض من المواطنين لتنفيذ مشاريع والعودة للبنان لإدارة شؤونه، وهذا يعتبر تدخلا سافرا في الشؤون الداخلية لدولة لبنان وانتهاك لسيادتها واستقلالها. ليس لفرنسا ما تقدمه اليوم للشعوب ولا للبنان، لا ديمقراطيا ولا دعما اقتصاديا ولا نموذجا تنمويا ولا قيما أخلاقية حول ثقافة الحوار والسلام والتعايش.
 
7.    وماذا بشأن الاستراتيجية الفرنسية والتركية في شرق المتوسط؟
 
إن استراتيجية فرنسا وتركيا في شرق المتوسط على طرفي النقيض، وهذا ليس أمرا غريبا، وإنما الغريب أن نتوقع اليوم عودة تركيا للديار كما يقول الأمريكيون. لقد ولى ذلك العهد قبل عقدين من الزمن، وتركيا اليوم تعتبر نفسها قوة فاعلة وضاربة خارج حدودها، خاصة في البلاد والمناطق التي كانت تتبع لها قبل عام 1924، وتتعامل مع هذا المعطى كأن لها شرعية تاريخية تعمل على استعادتها.
 
إن السؤال اليوم ليس هو لماذا تفعل تركيا هذا من مناكفة وصراع مع فرنسا في مختلف المناطق، فكل دولة له الحق في اتباع سياسات واستراتيجيات تحفظ مصالحها الحيوية خارج حدودها، وإنما السؤال، أين الدول العربية من هذا الصراع بين تركيا وفرنسا؟ هل المطلوب هو الوقوف إلى جانب فرنسا وتأييدها فقط لأننا نختلف مع تركيا حول هذا الملف أو ذاك أو حول هذه السياسة أو تلك؟ هل هذا هو قدر العرب، وهو الاختيار بين النار والرمداء، بين قوة استعمارية بغيضة لها تاريخ دموي مع الشعوب العربية والإفريقية والآسيوية والأمريكية تحاول اليوم الحفاظ على مصالحها وعلى مركزها الدولي وبين قوة طموحة تريد إعادة مجدها في حكم العالم العربي والإسلامي بما له وما عليه؟
 
نحن في حاجة اليوم، أقصد العرب، لمن يقودهم وينهض بهم، من أبنائهم وليس إلى إعادة دورة تاريخية من التبعية والاستلاب والنهب لمقدرات بلدانهم وشعوبهم. إنه من العبث السياسي الاختيار بين تبعيتين لدولتين تعملان من أجل مصالحهما القومية الحيوية بالدرجة الأولى.
 
8.    وفي الختام، ما هو انعكاس هذا الواقع على لبنان؟ وأين اصبحت المبادرة الفرنسية؟
 
ليس الصراع التركي الفرنسي في لبنان هو الوحيد حتى تعلق عليه كل المصائب، لبنان مصاب بداء التدخل الخارجي منذ أن وجد وعلى النحو الذي أسس، طائفية مقيتة وولاءات لقوى إقليمية ودولية على أساس عرقي ومذهبي وديني وعلى أساس مصالح عائلية وحزبية وتنظيمية. الكل يعبث في لبنان، أبناؤها قبل الغريب، إيران تعبث في لبنان وقبلها سوريا وأمريكا عبثت في لبنان ودول عربية كثيرة لها علاقة بما يجري اليوم في لبنان، إذ فرط بعضها في دوره في حماية لبنان مما منح تركيا الفرصة للتدخل ومضايقة فرنسا هناك كما تضايقها في مناطق أخرى.
أما مبادرة فرنسا، فتلك حسابات السياسة تحكمها المصالح ولا شيء غير المصالح، كلام الليل يمحوه النهار. فرنسا في أزمة وتواجه تحديات على أكثر من صعيد، داخليا وخارجيا، وفي أكثر من منطقة نفوذ سابقة، ولبنان واحدة من بنيها، ولم تعد اللاعب الوحيد في لبنان، وحزب الله، حليف إيران، لاعب أساس، بل هو من يملك مفاتيح لبنان السياسية والأمنية والعسكرية، والقادر على إخراجه من المتاهة السياسية والمراوحة التي يتخبط فيها منذ عقد من الزمن على الأقل، ولا يفعل، أو إبقائه تحت رحمته بسبب حسابات إقليمية أكبر وأعقد من لبنان، دولة ومجتمعا ووطنا، وهذا ما يفعله.
Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 5 + 8