مصر و الإدارة الأمريكية الجديدة

محمد الانصاري - القاهرة

2020.12.09 - 04:45
Facebook Share
طباعة

 
ربما يكون من المبكر قليلا الحديث عن التأثير الكامل لإنتخاب إدارة ديمقراطية جديدة في الولايات المتحدة على مصر و المنطقة العربية. لكن ثمة إرهاصات يمكن رصدها بشأن التحولات الإقليمية و الداخلية  في الشأن العربي و المصري الناتجة عن هزيمة ترامب في الإنتخابات التي جرت في نوفمبر الماضي. تلك الإنتخابات التي حبست أنفاس العالم أجمع  خاصة في مصر و المنطقة العربية على وجه الخصوص. 
قبل الحديث عن هذه الإرهاصات ، ثمة قضية يجب أن تكون محسومة وواضحة في ذهن القاريء. أيا كانت أيدولوجية الرئيس الحاكم في البيت الأبيض فأنه يراعي في المقام الأول و الأخير مصالح الولايات المتحدة التي تضمن تفوقها العالمي و سيطرتها في ظل نظام عالمي ينحو حثيثا نحو تغيير معادلة " القطب الواحد" التي نشأت بعد إنهيار الإتحاد السوفيتي في بداية التسعينيات من القرن الماضي. فهذا النظام العالمي أخذ يشهد بشكل متسارع ظهور أقطاب منافسة للولايات المتحدة منذ بداية الالفية الثالثة. قوى تتكتل لمواجهة الهيمنة الامريكية مثل الهند و البرازيل والصين و جنوب إفريقيا والتي تجمعها معا تكتلات و تحالفات عديدة. و لكن لهذا حديثا أخر. 
بالنسبة لمصر و ثقلها السياسي و الجيواستراتيجي في المنطقة فربما تكون أكثر دولة عربية تعرضت للصعوبات من جراء السياسات الامريكية المتعاقبة و التي حاولت منذ ان ملئت أمريكا الفراغ السياسي بعد حرب 1956 وفقا لمبدأ أيزنهاور الشهير الذي وقف ضد العدوان على مصر ليس من أجل سواد عيون المصريين و إنما لوراثة الأمبراطورية البريطانية التي كانت قد شاخت بالفعل و للوقوف أمام محاولات الاتحاد السوفيتي السابق  لملء هذا الفراغ. 
استمر مبدأ أيزنهاور حاكما للسياسة الامريكية تجاه أكبر دولة عربية مع تعاقب الإدارات الأمريكية المختلفة –الجمهورية و الديمقراطية-و حتى نهاية الحرب الباردة . كان يحكم تو جه الولايات المتحدة في هذه الفترة 1956 -1991 و ربما حتى الان، ثوابت أساسية في العلاقة مع جمهورية مصر العربية. أهم هذه الثوابت أن مصر إذا نهضت فإن العالم العربي العربي كله سيتبعها و العكس صحيح. لذلك يجب أن تظل مصر "معلقة "بين " النهضة" و " السقوط" لاتن السقوط الكامل يؤدي الى ما لا يحمد عقباه بالنسبة لامريكا . و هذا ما حدث  جزئيا فيما يسمي بانتفاضات الربيع العربي و التي فجرتها تونس و ليست مصر. 
هذا الوضع الذي يتراوح بين النهضة و السقوط عمل على ترسيخه الديمقراطيون و الجمهوريون الذين توافقوا على الهدف و اختلفوا في الاسلوب. ربما كان الديمقراطيين تحت حكم اوباما 2009-2016 أكثر دهاء حين أشعلوا شرارة الانتفاضات العربية في بداية هذا العقد بتبنيهم الكامل و القوى  لقضايا حقوق الانسان و " مناضلو الانترنت" و ذلك لزعزة استقرار نظام مبارك و الذي كان بالفعل بدأ يتهاوى بفعل عوامل عديدة. و هناك معلومات موثقة في أكثر من مصدر عن التدريبات و التمويل الذي تلقاه نشطاء حقوق الانسان في مصر و تو نس على الأخص في الداخل و الخارج من منظمات غربية غير حكومية و خاصة منظمتي " فريدوم هاوس" و " التبرع من اجل الديمقراطية" و كلتاهما منظمات امريكية . و المثير ان هذه التدريبات كانت قد بدأ ت منذ عام 2004 تحت إدارة بوش الابن 2000-2009. 
و ربما يجدر التوضيح هنا أن إطلاق شرارة الثورة المصرية لا يعني  بالطبع أن كل هؤلاء الملايين الذين اندفعوا الى ميدان التحرير و أماكن اخرى في طول  مصر و عرضها كانوا عملاء لامريكا. فهذا تصور سخيف جدا لانه كانت هناك من العوامل البنيوية في نظام مبارك ما يسمح للثورة ان تندلع. 
تعامل الرئيس ترامب مع الرئيس السيسي الذي تولى رئاسة مصر في 2014 بشكل مباشر و صريح ربما أكثر من اللائق. و هذا يتناسب مع شخصية ترامب غير المسبوقة بين روؤساء الولايات المتحدة الامريكية. فترامب كما يؤكد الدكتور دان ماك أدامز عالم النفس الأمريكي في حديث مع جريدة الاهرام المصرية بتاريخ 7 ديسمبر شخصية مضطربة لا يمكن تحليلها بأدوات علم النفس التقليدية. شخصية براجماتية جدا تعيشس اللحظة و لاتهتم بالماضي و لا تعترف بالهزيمة . كل شيء عنده مكسب أو خسارة . لقد أحرج ترامب الرئيس السيسي حينما قال عنه في أحد المناسبات " ديكتاتوري المفضل". 
قامت سياسة ترامب تجاه مصر على النفعية المباشرة حين أراد في مرات عديدة أن يستفيد من ثقل مصر الاقليمي في المنطقة في حزمة من الأزمات الدبلوماسية و السياسية في منطقة الخليج و مع تركيا و اسرائيل. بايدن يريد الاستفادة من وزن مصر الاقليمي و لكن عبر التهديد بملفات عديدة منها ملف حقوق الانسان و ليس من خلال الاغراءات التي كان يقدمها ترامب . و لعل هذا يفسر خطوتين أساسيتين قام بهما النظام المصري مؤخرا على الصعيد الداخلي و الخارجي. على الصعيد الداخلي أفرجت السلطات المصرية يوم 3 ديسمبر و على ذمة التحقيق عن ثلاثة من أبرز نشطاء حقوق الانسان في مصر و أصدرت حكم قضائي بالافراج عن اموال 20 منظمة حقوقية كانت قد تحفظت أمواله في قضية شهيرة تعود الى عام 2011. على الصعيد الخارجي تأتي زيارة الرئيس عبد الفتاح السيسي الى فرنسا و لقاؤه الرئيس ماكرون في إشارة و اضحة الى بايدن أن مصر لديها حلفاء أوروبا من طراز فرنسا التي لم تتخلى عن مناوئتها للولايات المتحدة و مزاحمتها في المنطقة. على الرغم من ان هذه الزيارة اغضبت كثير من المصريين لان السيسي لم يحدث مع ماكرون بشكل مباشر عن الرسوم المسيئة للرسول عليه الصلاة والسلام، الا أنها خطوة ذكية في السياسة الخارجية المصرية و رسالة مباشرة لبايدن. 
هذه الخطوات التي يقوم بها الرئيس المصري تو ضح انه يفهم قواعد اللعب الجديد التي سوف ترافق ادارة بايدن الجديدة في طريقه الى البيت الابيض في 20 يناير. و الموضوع يتسع للمزيد.
 
Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 3 + 1