لابد و أنها الجنة.. الصورة تحتفي بالحياة

محمد الانصاري

2020.12.28 - 03:45
Facebook Share
طباعة

 


في قلب العاصمة المصرية و في شارع عماد الدين العريق تقع دار عرض  سينما " الزاوية" و التي تتخصص منفردة في 

عرض أحدث و أجود أفلام السينما العالمية. السينما تعرض أفلاما غير تجارية من العالم الثالث  و أوروبا و السينما البديلة      في أمريكا. و لدى نقاد السينما ، عبارة " غير تجارية " تعني أن أنواع الافلام المقصودة بهذه العبارة لا تعتمد في المقام الأساسي على الإثارة الجنسية و العنف للترويج، و إن كانت لا تخلو من ذلك أحيانا، و إنما على مخاطبة عقل وو جدان المشاهد . و من الجدير بالذكر أن دار " الزاوية" مملوكة و مدارة من ورثة المخرج  المصري الراحل يوسف شاهين. 


و على مدار العشرين السنة الأخيرة أو أكثر قليلا برزت على ساحة السينما العالمية تجارب سينمائية عالمثالثية بهرت العالم كله و حازت عدة جوائز دولية و عالمية في مهرجانات سينمائية مرموقة مثل مهرجانات كان و فينيسيا و مونتريال و القاهرة و دبي.  و من أهم التجارب السينمائية الجديرة بالذكر السينما الأيرانية و الأرجنتينية و اللبنانية و التونسية و المغربية و الفلسطينية. ولكن أغلب هذه الأعمال والتي قام بها مخرجون مبدعون من أبناء العالم الثالث لم تكن لترى النور إلا بدعم من مؤسسات غربية ثقافية و منظمات سينمائية عملاقة و فرت الدعم المادي و الفني لهذه الأعمال المبدعة. 


السينما الفلسطينية تحديدا سينما تقدمية و على درجة عالية جدا من الحرفية هي و الايرانية. بالنسبة للسينما   الفلسطينية ، فقد حاز مخرجون مبدعون من أمثال رشيد مشهراوي و هاني أبو أسعد و إيليا سليمان و غيرهم إنتباه و إعجاب نقاد السينما في العالم أجمع بإنتاجهم المتميز و العميق. 

تعرض حاليا سينما "الزاوية" في القاهرة فيلما متميزا لإيليا سليمان بعنوان " لا بد و أنها الجنة". الفيلم

 حاز على جائزة Best Mention  عام 2019 في مهرجان كان.  


تم تصوير هذا الفيلم في الناصرة و باريس و نيويورك و يقوم إيليا سليمان بالدور الأساسي فيه.  يبدو أن الفيلم بمثابة تتويج 

ذاتي لمسيرة إيليا نفسه الفنية و إن كنا ننتظر من هذا المبدع الفلسطيني المزيد. طوال الفيلم لا ينطق " إيليا " بأ ي عبارة الا في حديثه مع ساثق التاكسي الامريكي في نيويورك و الذي هو من أصول إفريقية حين سأله هذا الأخير عن بلده. و يدور هذا الحوار الممتع كالتالي

السائق: إذا من أي بلد انت 

إيليا : من الناصرة

الساثق: الناصرة ؟

إيليا : أنا فلسطيني

يوقف السائق السيارة فجأة و بعنف: فلسطيني؟ هذه أول مرة يركب معي فلسطيني. هذه التوصيلة مجانية . 

ثم يتصل السائق بزوجته قائلا : عزيزتي . هل تعرفين من معي في السيارة. إنه فلسطيني من الناصرة . : كان يسوع من الناصرة. 


يكتفي إيليا بالصمت طوال الفيلم جاعلا من نفسه كاميرا حية تسجل مشاهد صلف و غرور الجنود الاسرائيايين في الناصرة و تفاهات العرب الذين انشغلوا بالشراب و تبادل السباب عن قضيتهم في مشاهد بديعة و ممتعة و حوارات ساخرة غير مياشرة لا يمكن نقلها الا بمشاهدة الفيلم. ثم ينتقل إيليا الي باريس مبقيا على صمته الساخر ليعرض قصة فيلمه على منتج فرنسي و هناك يترك " الكاميرا الحية/ إيليا نفسه" تراقب المجتمع الباريسي في أناقته النسائية المبتذلة و قضايا المهاجرين و التمييز العرقي و العنصرية ، بينما يستمع إيليا لرفض المنتج الفرنسي " الغبي" للفيلم الذي في رأيه لا يتعرض للقضية " بشكل مباشر" بينما لا ينبس إيليا ببنت شفة و هو يستمع له. 


ثم يسافر إيليا من باريس الي نيويورك ليعرض الفيلم مجددا على شركة انتاج أمريكية . و مرة أخرى تسجل الكاميرا تناقضات المجتمع الامريكي عبر مدينة نيويورك الممتلئة حتى الثمالة بالعنف و اللهو والجريمة. و مرة أخرى تتعامل الشركة الامريكية بسطحية مع الفيلم. فحين يقدمه صديق مكسيكي يعمل في الحقل السينمائي الى ناقدة أمريكية على أنه مخرج فلسطيني يريد إخراج فيلم كوميدي عن قضية فلسطين ، ترد بإستخفاف " نعم أنه أمر كوميدي بالفعل". 


يعودإيليا  الى الناصرة " الجنة " بشحنة مضاعفة من الرغبة في التأمل و الفهم اللواقع الفلسطيني دون شعارات قومية زائفة . بل حتى دون ان يتكلم كلمة  واحدة. ريما يريد أن يتماهى و يتعاطف مع قضية الافارقة الامريكان حين سمح لنفسه ان يتحدث مع ذلك السائق في نيويورك. للمرة الوحيدة.  ولكن هذه قرائتي الشخصية و المعنى دائما في بطن الشاعر خاصة مع سينما بهذا الرقي و العمق. انا أنصح بمشاهدة هذا الفيلم الذي لا يخلو فيه مشهد من مغزى أو مفارقة أو كليهما.   قدرة غير طبيعية على التقاط اللحظة مع الحد الادنى من الكلام (بالنسبة للشخصيات الاخرى في الفيلم) . إنها حقا الصورة التي تحتفي بالحياة. و مهما أستنقطت عباراتي لن توفي هذا العمل حقه. تحية للمبدع الفلسطيني العظيم الذي قال عن حق في حديث مع الBBC  مشيرا الى الظلم الذي يعم العالم " لقد أصبح العالم كله فلسطين."

 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 4 + 9