كتب أحمد نظيف: هل ينجح أردوغان في إقناع الأوروبيين بطي صفحة الخلاف؟

خاص - عربي برس

2021.01.19 - 03:17
Facebook Share
طباعة

 في خطوة كانت متوقعة، بعد صعود جو بايدن إلى رئاسة الولايات المتحدة الأمريكية، تحول الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى نبرة أكثر تصالحية تجاه الغريم الأوروبي في الأسابيع الأخيرة، حتى أنه استغل لقاءً مع سفراء الاتحاد الأوروبي للإشادة بخطط استئناف المحادثات مع اليونان وقال إنه يريد وضع "أجندة إيجابية" في علاقات تركيا مع بروكسل.
تزامنت الدعوة التصالحية التركية مع إعلان الرئيس الأمريكي المنتخب جو بايدن، عن تعيين أعضاء إضافيين في فريقه بمجلس الأمن القومي، في مقدمتهم بريت ماكغورك، منسق الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وهو من من أشد المتحمسين لتسليح المجموعات الكردية، والذي شغل في عهد أوباما خطة نائب للمبعوث الرئاسي الخاص للتحالف الدولي لمكافحة "داعش"، وقد ساهم بشكل كبير في دعم مجموعات سوريا الديمقراطية.

وفي اليوم نفسه نشرت وكالة الأناضول للأنباء، التابعة لحزب العدالة والتنمية الحاكم، تحليلاً اعتبرت فيه تعيين ماكغورك رسالة سلبية من بايدن السلبية تجاه الشرق الأوسط" وهي تعني في الحقيقة "رسالة سلبية تجاه أردوغان" وقد أشارت إلى ذلك بوضوح في متن التحليل بالقول:" تشير الاختيارات والتعيينات، أن بايدن يعتزم اتخاذ موقف أكثر صرامة تجاه تركيا، وسياسات الرئيس رجب طيب أردوغان، وأنه يعتزم قيادة السياسة الإيرانية بالدبلوماسية بدلاً من العقوبات والقوة العسكرية".

في سياق برزت الدعوة التصالحية من أردوغان تجاه الجار الأوروبي لطي صفحة من الصراع طبعت العام الماضي على مختلف الجبهات، في اليونان وفرنسا والنمسا والجزيرة القبرصية. حيث لا يستطيع أردوغان، في ظل الجائحة التي أنهكت اقتصاد البلاد المنهك أصلاً من العقوبات الأمريكية، أن يواجه أمريكا وأوروبا في الوقت نفسه، في ظل قطيعة لا تبدو ستنتهي قريبا مع أغلب جيرانه في المنطقة، في الشام والخليج والعراق. فالرجل بات يبحث له عن أصدقاء وسط معسكر الأعداء الذين صنعهم عاماً تلو أخر بسبب سياساته التوسعية في كل مكان. ولم يجد إلا شريكه الإقتصادي الأول، الإتحاد الأوروبي كي يطبع معه العلاقات، لمعرفته بحاجة الأوروبيين لتركيا، في المدى المتوسط والقريب، بشأن ملفي الأمن والهجرة.

بدأ الاتحاد الجمركي بين الاتحاد الأوروبي وتركيا في العام 1995، وتم بموجبه رفع القيود الجمركية عن البضائع المتبادلة بين الكيانين، بإستثناء المنتجات الزراعية، وينص على تنسيق التعريفات الجمركية والتشريعات. وبالتالي، تسمح الاتفاقية لتركيا بتصدير منتجاتها دون فرض ضرائب كبيرة. وقد استفاد الجانب التركي بشكل غير مسبوق من الإتفاقية حيث لعب دورًا مهمًا في انتقال اقتصاده من الزراعة إلى الصناعة. وتحتل تركيا المرتبة الثانية عشرة في قائمة موردي فرنسا على الصعيد العالمي والمرتبة الرابعة من خارج الاتحاد الأوروبي وسويسرا، في حين تحتل المرتبة العاشرة في قائمة أسواق فرنسا العالمية على الصعيد العالمي والمرتبة الثالثة من خارج الاتحاد الأوروبي وسويسرا. وتتبوأ فرنسا المرتبة السادسة في قائمة عملاء تركيا وتستورد 4.2 في المئة من صادراتها.

قبل شهر فقط كانت العلاقات الأوربية التركية تسير بوتيرة متسارعة نحو القطيعة، بعد تلويح فرنسا بالدفع نحو إلغاء الاتحاد الجمركي بين الإتحاد الأوروبي مع تركيا ما سيشكل ضربة قاسية للاقتصاد التركي الذي يعيش أزمة. ومنذ أغسطس الماضي وضعت المفوضية الأوروبية حزمة من العقوبات المفترضة يمكن تنشيطها ضد تركيا تشمل: "السفن أو غيرها من الأصول المستخدمة في عمليات التنقيب وحظر استخدام موانئ ومعدات الاتحاد الأوروبي". وكذلك فرض قيود على البنى التحتية المالية والاقتصادية المرتبطة بأنشطة التنقيب عن الغاز في المناطق البحرية التابعة لليونان وقبرص إلى جانب عقوبات واسعة ضد قطاعات بأكملها في الاقتصاد التركي، يمكن أن تشمل القطاع المصرفي.

لكن أردوغان، الوحيد والمعزول، توجه مباشرة نحو الغريم الفرنسي لطي صفحة الخلاف. وبحسب وسائل الإعلام الفرنسية فقد تبادل الطرفان الرسائل الودية، في خطوة انقلابية تماماً عما كانت عليه الأمور خريف العام الماضي في أعقاب الهجمات الإرهابية التي طالت فرنسا و تخللتها حرب تصريحات بين أردوغان وماكرون. فقد كانت فرنسا، وإلى حدود ديسمبر الماضي، تاريخ انعقاد القمة الأوروبية التي أرجأت فرض العقوبات الإقتصادية على تركيا إلى مارس القادم، تريد أن تظهر أنها في طليعة المقاومة لسياسة رجب طيب أردوغان لزعزعة الاستقرار، بالتوازي مع حربها على الإسلام السياسي، فيما كان أردوغان يحب أن يقدم نفسه على أنه المدافع عن المسلمين ضد ما يصفه بـ "حملة الكراهية". وكانت باريس قد أعلنت في وقت سابق حل جماعة "الذئاب الرمادية" التركية المتطرفة، بتهمة "التحريض على التمييز والكراهية والعنف". وتتهم وسائل إعلام فرنسية الحركة بأنها على صلة القوية، بالرئيس التركي، باعتبارها مرتبطة بحزب الحركة القومية التركي المتحالف مع حزب العدالة والتنمية الحاكم.

في المقابل يشكك العديد من دبلوماسيي الاتحاد الأوروبي، بعد سنوات من المشاحنات، في حدوث تغيير عميق في العلاقة. متوقعين أن يكون نهج الرئيس التركي الأكثر عدوانية بعد القمة الأوروبية في مارس القادم، عندما يتخذ قادة الاتحاد الأوروبي قرارًا نهائيًا بشأن العقوبات المالية الأكثر صرامة التي تجنبوها منذ فترة طويلة بسبب مشاكل تركيا الاقتصادية.

بيد أن السياسة الأوروبية تجاه تركيا الأردوغانية لا تسير على قلب رجل واحد، إذ توجد العديد من التباينات بين الدول في التعامل مع سياسات أردوغان خاصة فيما يتعلق بقضية حقوق التنقيب في شرق المتوسط، حيث تصر كل من قبرص واليونان على اتخاذ إجراءات أكثر صرامة تجاه تركيا، تحاول ألمانيا أن تكون أكثر مرونة لإعتبارات اقتصادية تجمعها بتركيا، وهي الدولة التي تضم أكبر عدد من الشتات التركي في العالم وكذلك تخشى أن يعيد أردوغان فتح بوابات الهجرة، وهي الورقة التي مازال الرئيس التركي يفاوض بها – أو يبتز بعبارة أدق – الجانب الأوروبي إلى جانب الملف الأمني وخاصة قضية المقاتلين الأجانب من داعش والجماعة الإرهابية.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 9 + 7