إخوان ليبيا يباركون التعددية الدينية من أجل مكاسب سياسية

مراسل عربي برس

2021.01.22 - 02:44
Facebook Share
طباعة

استثمرت جماعة الإخوان المسلمين في ليبيا مؤخرا، الإعلان عن تأسيس المجلس الأعلى للإباضية من قبل عمداء بلديات المجتمع الأمازيغي غربي البلاد، معلنة تصريحات تزعم مساندة التعددية الدينة، لتلميع صورتها وتحقيق مكاسب سياسية بضرب التيار السلفي المتشدد، مستغلة مسائل عقائدية خلافية بين السلفيين والإباضيين، فيما تحاول عبر ذلك مهاجمة السلطات في الشرق الليبي، وفقا لمراقبون.
وانبثق المجلس عن مخرجات مؤتمر عُقد بمدينة نالوت الواقعة جنوب غرب طرابلس بمشاركة أعيان بلديات نالوت وكاباو والحرابة والرحيبات وجادو والقلعة ويفرن وزوارة ووازن، سيكون الممثل الرسمي للإباضية في المحافل المحلية والدولية، داعية إلى الحفاظ على الثوابت الدينية والموروث العلمي والوقفي للمذهب الإباضي في البلاد.
ووفق تقديرات نشرها المؤتمر الليبي للأمازيغية في غياب إحصائيات رسمية مؤكدة، يتراوح عدد المسلمين الإباضيين في البلاد بين 300 ألف و400 ألف. غير أن الثابت هو أن أغلب أمازيغ ليبيا ينتمون إلى هذا المذهب الإباضي الشائع بين نظرائهم في المنطقة المغاربية، بينما يؤكد الباحثون أن كل إباضي في المنطقة أمازيغي ولكن ليس كل أمازيغي إباضيا.
وتُشير الأرقام إلى وجود حوالي سبعة ملايين مسلم من أتباع المذهب الإباضي المنتشر بصفة خاصة في سلطنة عمان التي يمثل الإباضيون ما يقارب 70 بالمئة من مواطنيها، كما تنتشر الإباضية في جبل نفوسة وزوارة في ليبيا ووادي مزاب في الجزائر وجزيرة جربة في تونس وبعض المناطق في شمال أفريقيا وجزيرة زنجبار في تنزانيا.
وأكد عمداء البلديات الأمازيغية في غرب ليبيا على "الوحدة الوطنية والتسامح" بين الليبيين، مشددين على أن تأسيس المجلس الأعلى للإباضية يأتي من أجل الإصلاح بين الناس.
وقالت صفحة الإباضية في ليبيا إن السبب في تأسيس المجلس "يعود إلى فرقة أيديولوجية تُسمى الفرقة المدخلية تتلقى أوامرها من الخارج، تُسيطر على هيئة الأوقاف في ليبيا، وتسعى للاستحواذ على مساجد الإباضيين والاستيلاء على الأوقاف الخاصة بهم، مع إطلاق التكفير والتبديع وإثارة الفتن بين أبناء الشعب الليبي، فَهَبَّ شيوخ وأعيان الإباضية لإنشاء المجلس حتى يكون الهيئة الرسمية التى تتكلم باسمها."
ويرى مراقبون إن تأسيس المجلس الأعلى للإباضية في ليبيا يمثل مكسبا جديدا لمفهوم التعايش السلم، لكن تصريحات الإخوان كانت لافتة، إذ يعرف في منهج الجماعة نبذ التعددية والاختلاف وتمسكهم بالتفرد بـ"الحق" والسلطة.
ما يسترعي الانتباه في الإعلان عن تأسيس مجلس الإباضية في ليبيا، حضور وجوه بارزة من تنظيم الإخوان المسلمين، الذي يرى مراقبون أن دعمه لهذا المجلس ليس عفويا وإنما يأتي في سياق الصراع بين الجماعة والتيار السلفي من جهة، ومواجهة السلطات في شرق البلاد من جهة أخرى.
وأثار حضور شعبان أبوستة ممثلا عن مجلس الدولة الاستشاري (المجلس الأعلى للدولة) الخاضع لسيطرة الإخوان والذي يتزعمه القيادي في حزب العدالة والبناء الذراع السياسية للجماعة، لمؤتمر عمداء بلديات الأمازيغ تساؤلات عن دور الإخوان في تأسيس مجلس الإباضية، خاصة مع إعلان أبوستة عن تأييده القوي لهذه الخطوة. وقال أبوستة الذي ينحدر من نالوت "نبارك تأسيس المجلس الأعلى للإباضية ونؤيده ومستعدون للعمل معا."
ويرى مراقبون أن تأسيس مجلس الإباضية جاء في إطار الصراع المحتدم مع التيار السلفي الذي يعلن معاداته، ليس فقط للإسلام السياسي، وإنما للمذاهب الأخرى كالصوفية والإباضية والشيعية وغيرها.
ومنذ سنوات بات هذا التيار يفرض شكلا جديدا من أشكال التدين على المجتمع الليبي تختلف عن خصوصياته الثقافية المرتبطة أساسا بالمذهب المالكي الذي ينتسب إليه أكثر من 90 بالمئة من الليبيين، بما في ذلك أعداد من الأمازيغ.
ويشير المراقبون إلى أن ليبيا دخلت منذ العام 2011، تاريخ سقوط نظام العقيد الراحل معمر القذافي، مرحلة صراع إرادات جهوية وإقليمية ومذهبية، وعرفت انتشارا واسعا للأفكار الوافدة وخاصة منها السلفية المتشددة، التي دخلت في صراع مع جماعة الإخوان وانضم عدد من أبنائها للجيش الوطني بقيادة المشير خليفة حفتر ضد ميليشيات الإسلام السياسي.
وفي يونيو/حزيران من العام 2017، حرضت الهيئة العامة للأوقاف والشؤون الإسلامية بالحكومة المؤقتة بمدينة البيضاء (شرق) ضد عدد من التيارات الفكرية والدينية والسياسية التي تشكل المجتمع الليبي، مثل مريدي التيار الصوفي والنشطاء بالتيار المدني والكتّاب والمثقفين وغيرهم. كما أصدرت مؤخرا بيانا ضد اليهود في ليبيا حمل عنوان "العلمانيون وتمكينهم اليهود في ليبيا".
واعتبرت الهيئة، أن الإباضية الليبيين هم "فرقة منحرفة ضالة وهم من الباطنة الخوارج ولديهم عقائد كفرية، كعقيدتهم بأن القرآن مخلوق وعقيدتهم في إنكار الرؤية، فلا يُصلّى خلفهم ولا كرامة"، ما أثار جدلا واسعا في البلاد.
وقالت اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان إن "الفتوى التي صدرت عن دار إفتاء حكومة الثني ضد إخوتنا الأمازيغ الإباضيين واعتبرتهم خوارج، تؤكد من جديد أن الذين يصفون أنفسهم بالسلفية هم عبارة عن حركة أو جماعة أو تيار ديني متطرف جهادي تفكيري، يجب مقاومتهم والوقوف ضدهم من الآن قبل أن يتفاقم خطرهم."
والتقطت جماعة الإخوان طرف الخيط لتستفيد منه ليس في مواجهة التيار السلفي فقط، وإنما في تسجيل نقاط ضد سلطات شرق البلاد، حيث أكد ذراعها السياسية، حزب "العدالة والبناء"، أن "فتوى الهيئة العامة للأوقاف والشؤون الإسلامية بالحكومة المؤقتة تحرض على التكفير والعنف والكراهية ضد مكون أصيل من مكونات الهوية الثقافية الليبية".
وتابع حزب العدالة والبناء أن "التحريض ضد الإباضيين في ليبيا وتكفيرهم هو اعتداء صارخ وجسيم على وحدة ليبيا ومكوناتها وسلمها الاجتماعي وتسامحها وتنوعها ومستقبل أجيالها"، داعيا "كل الجهات المعنية إلى اتخاذ ما يلزم من إجراءات بالخصوص."
كما حمّل الحزب "المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق ووزارة العدل مسؤولية التغاضي عن خطاب التطرف والكراهية، وضرورة إدانته وشجبه وتشكيل لجنة تحقيق لكشف ملابساته ودواعيه والمحرضين عليه وحماية المجتمع منه”، مشيرا إلى أن الفتوى "تدل على النزوع الإرهابي والمتطرف لدى هذا التوجه الديني المستورد من الخارج."
ويعتقد المراقبون أن جماعة الإخوان استفادت من تطرف التيار السلفي وتوتر مواقفه الفقهية وإسهاله الإفتائي خاصة ضد المذاهب والمدارس الأخرى، فوضعت نفسها في موقف المدافع عن حرية العقيدة والضمير والتعبير، وأبدت دفاعا عن الإباضية والصوفية في محاولة لتوسيع حضورها الشعبي، وكذلك لتشكيل حزام اجتماعي طالما افتقدته، لخدمة مشروعها السياسي الذي يواجه نكسات عدة.
Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 6 + 8