كتب احمد نظيف: أردوغان يستعمل الشتات التركي للضغط على فرنسا

خاص عربي برس

2021.01.25 - 11:59
Facebook Share
طباعة

 

في الوقت الذي يحاول فيه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان التقرب من الجار الأوروبي بعد سنة عاصفة بالخلافات، أوشكت أن تؤدي إلى صراع عسكري، لا تتراجع حدة الهجوم التركي على الدول الأوروبية من خلال جبهة الشتات التركي، الذي تحول إلى إحدى أدوات السياسة الخارجية التركية في السنوات الأخيرة.
منذ مطلع العام الجديد بدأت إدارة أردوغان في إعادة بناء العلاقات المتهالكة مع أوروبا، في أعقاب صعود جو بيدن إلى رئاسة الولايات المتحدة والخوف من وقوع أنقرة في مصيدة حصار دولي ستكون عواقبه الاقتصادية والجيوسياسية كارثية على نظام حزب العدالة والتنمية.
لكن السعي التركي الرسمي تجاه ترميم العلاقات مع الإتحاد الأوروبي، وخاصة مع الدول ذات الوزن، فرنسا وألمانيا أساساً، يوازيه عمل غير رسمي في كواليس السياسية الخارجية "العثمانية الجديدة" يدور حول تأليب اللوبي التركي في فرنسا وفي أوروبا ضد الحكومات الأوروبية في محاولة للضغط من أجل تحسين شروط التفاوض، فالأوروبيون يطالبون أنقرة بخطوات عملية لتحسين العلاقات وتجنب العقوبات التي يمكن أن تفرضها القمة الأوروبية المزمع عقدها في شهر مارس القادمة والتي يمكن أن تشمل إلغاء الوحدة الجمركية بين بروكسال وأنقرة وهو ما يعني ضمنيا انهياراً تاريخياً للإقتصاد التركي المأزوم أصلا بفعل العقوبات الأمريكية و جائحة كورونا.
بيد أن الخطوات العملية التي يطالب بها الأوروبيون الأتراك على الأرض لن تكون أقل من إيقاف نشاطات التنقيب عن الغاز في سواحل الجزيرة القبرصية، وهو ما يعتبره أردوغان خطاً سيادياً أحمراً، و الكف عن التدخل العسكري على الجبهة الأرمنية والجلوس إلى طاولة المفاوضات فيما يتعلق بملف اللاجئين السوريين والمقاتلين الأجانب من ذوي الجنسيات الأوروبية، إلى جانب ملفات أخرى تتعلق بسوريا وليبيا.
كما تترواح حدة المواقف الأوروبية تجاه سياسات أنقرة الخارجية بين اللين الألماني والصرامة اليونانية فيما أصبحت مواقف فرنسا أكثر ليونة مما كانت عليه خريف العام الماضي، بعد حرب التصريحات بين الرئيس الفرنسي ماكرون ونظيره التركي، والتي وصل إلى مستوى طالب فيه أردوغان ماركون بعرض نفسه على طبيب أمراض عقلية. لكن ومنذ بداية العام الحالي أخذت العلاقات بين البلدين في التحسن التدريجي، مع أن فرنسا مازالت تطالب أنقرة بخطوات عملية لتطبيع العلاقات بالكامل.
في المقابل مازالت إدارة أردوغان تعمل على مستويين. الأول رسمي ويهدف إلى تطبيع العلاقات مع الإتحاد الأوروبي لفك العزلة القادمة مع إدارة بيدن، والثاني غير رسمي يستنهض شبكات التأثير التركي في أوروبا ضد الحكومات من أجل تحسين شروط التفاوض. وأساساً يتم ذلك في باريس أكثر من أي دولة أوروبية أخرى، حيث تتسم مواقف الدولة الرئيسية في الإتحاد – باستثناء فرنسا – بليونة واضحة.
وأخر فصول تحريك اللوبي التركي في فرنسا، ما أعلنته الجماعات الإسلامية التركية في فرنسا وهي أساساً: الجماعة الإسلامية ميللي غوروس، الذراع الأوروبي للإخوان المسلمين الأتراك، و الاتحاد الإسلامي التركي "ديانت"، الفرع الفرنسي لمديرية الشؤون الدينية التركية الحكومية، رفضتا التوقيع على "ميثاق المبادئ" الذي صاغه مجلس الديانة الإسلامية بفرنسا بالاتفاق مع الرئاسة الفرنسية والذي يهدف إلى الفصل بين الإسلام والسياسة داخل دور العبادة ومنع التدخلات الأجنبية في تعيين أئمة المساجد وإدارة الجمعيات الإسلامية، وهو ما يحرم تركيا من تمويل وتدريب وإدارة المئات من المؤسسات التي كانت تديرها في فرنسا منذ عقود، وتسيطر من خلالها على حوالي مليون فرنسي من أصل تركي.
وينص الميثاق خصوصا على "مبدأ المساواة بين الرجال والنساء" وعلى "توافق" الشريعة الإسلامية مع مبادئ الجمهورية، ويشدد على "رفض توظيف الإسلام لغايات سياسية" وعلى ضرورة "عدم تدخل" دول أجنبية في شؤون الجالية، وفق رئيس المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية المغربي محمد موسوي. وبحسب الصحافية التي نشرت حول الخلاف بين المنظمات التركية والسلطات الفرنسية فإن هذه المنظمات تعترض خصوصا على تعريفي "التدخلات" الخارجية و"الإسلام السياسي".
ويبدو أن السلطات الفرنسية كانت واعية منذ دعوتها مجلس الديانة الإسلامية في نوفمبر – تشرين الثاني الماضي إلى صياغة مشروع الميثاق إلى أن المنظمات التركية سترفض ذلك – باعتبار أن فصول الميثاق ستكبل عملها التأثيري على عموم مسلمي فرنسا لصالح أنقرة، حيث قال الرئيس الفرنسي لممثلي الاتحادات التسعة – المكونة لمجلس الديانة - إنه يعلم أن عددا منها لديه مواقف غامضة من هذه الموضوعات، مشددا على أنه من الضروري "الخروج من هذا الالتباس". وحينذاك حذر ماكرون، من أنه "في حال لم يوقع البعض على هذا الميثاق، فسنستخلص النتائج".
ورغم أن الرئيس الفرنسي لم يوضح ما هي النتائج التي سيستخلصها إلا أن نبرة التهديد كانت واضحة، فالقانون الجديد الذي تناقشه الجمعية الوطنية الفرنسية حول "الإنفصالية الإسلاموية" أصبح يخول للحكومة حلّ أي منظمة أو جمعية لا تلتزم بقوانين العلمانية الفرنسية أو تحاول استعمال حيز حرية المعتقد والعبادة طشبة للتأثير الإجتماعي، وربما تكون الأشهر القادمة حافلة بوقائع قضائية تتعلق بنشاط المنظمات التركية والإسلاموية.
لكن هذا التأثير المحلي سيكون له تأثيرات خارجية على العلاقات الفرنسية التركية وتاليا على العلاقات التركية الأوروبية وربما سنصل إلى مارس – أذار القادم، موعد انعقاد القمة الأوروبية بلا خطوات عملية اتخذتها أنقرة لترميم علاقاتها مع الجار الأوروبي ، وسيكون ذلك هيدة من السماء للمحور اليوناني القبرصي النمساوي المتشدد تجاه تركيا داخل الإتحاد، والذي يسعى إلى إقرار العقوبات وربما إلغاء الوحدة الجمركية أو تعليقها في أحسن الأحوال.

 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 8 + 4