كتب نبيل صالح: حول المسألة التركمانية في سورية

نبيل صالح _ خاص عربي برس

2021.01.29 - 02:42
Facebook Share
طباعة

 إذا أردنا فهمها عبر منظار فلسفة التاريخ، تبدو سورية أشبه برحم جغرافي استقبل كل حيوانات الغزاة والتجار والطامحين، كرها أو حبا، لينتج لنا هذا الكائن الخليط من كل شيفرات الأمم وثقافاتها ودياناتها وأشكالها: أكاديون وآشوريون وعموريون، حثيون وحوريون وميتانيون، مصريون وفلستينيون وكلدان وإخمينيون، فيونان فبيزنطيون فعرب مسلمون أمويون وعباسيون، ثم مغول ومماليك فعثمانيون، تاركين وسمهم على جيناتنا، إلى أن جاء الإحتلال الفرنسي حاملا معه ثقافة المواطنة التي لم تتمكن منا بعد على الرغم من مرور قرن على زراعة بذرتها في دساتيرنا ؟!
هذا التزاوج التاريخي القسري بين سورية وغزاتها خلف ألغاما ثقافية مافتئت تنفجر فينا دون أن يفهم الناس خلفياتها التي شكلتها، ومن بينها المسألة التركمانية التي كانت وقودا للتمرد على مؤسسات الدولة منذ بداية الحرب على سورية ...
*
يطلق اسم التركمان على جميع الأتراك الذين بقوا في المنطقة بعد اندحار الجيش العثماني عام 1916 بعدما كانت الإمبراطورية العثمانية استجلبتهم لموازنتهم مع السكان العرب في عملية تغيير ديمغرافي شملت كل مستعمرات الإمبراطورية من العراق حتى ليبيا، وقد أسكنت التركمان في حمص وحماة واللاذقية وحلب والرقة وحوران والجولان وأقطعتهم أخصب الأراضي وأفضل العقارات.. بعد عام 2002 تابع حزب العدالة الإخونجي مشروع نجم الدين أرباكان مؤسس حزب "الرفاه" ثم "الفضيلة" الإسلامي، الذي نادى منذ تسعينات القرن الماضي باستعادة مجد السلطنة العثمانية عبر استغلال النزعة العثمانية لدى التركمان، إذ كانوا يستقبلون أبناء تركمان سوريا في جامعاتهم مجانا مع راتب شهري لحين تخرجهم مع وعد بتأمين عمل لهم بعد التخرج في سورية _ كما أخبرني بعض أصدقائي السوريين التركمان ـ وكان هؤلاء الطلاب رسل الاقتصاد التركي ووكلائه في سورية، حيث غزت بضائع تركيا الأسواق السورية منذ بداية شهر العسل مع حزب العدالة حتى بداية الحرب وأثرت سلبا على الصناعات الوطنية، ومازالت بسبب استمرار خط التهريب عبر الحدود .فالربيع العربي منذ البداية كان طبخة أمريكية بأذرع إخونجية .
*
تأسس المجلس التركماني السوري الأعلى في أنقره سنة 2013 وخلال سنوات الحرب غيّر تركمان سورية علم (إقليم التركمان) عدة مرات غير أن رمز الهلال والنجمة في العلم التركي بقي موجودا في كل النسخ مع تغيير في الألوان فقط، كما صرحوا برغبتهم في توحيد مجموعاتهم المقاتلة التي تحمل أسماء سلاطين بني عثمان ضمن جيش تركماني ..فمنذ البداية كانت ثورتهم بسبب النزعة القومية والمذهبية أكثر مما هي ثورة حرية وديمقراطية، مما يمكن وصفها بالنزعة السلفية التي ترغب باستعادة الزمن العثماني في البلاد، حيث شكلوا حاضنة لجماعة الإخوان المسلمين كون الجماعة نشأت كردة فعل على سقوط الخلافة العثمانية، لهذا وسمناها بالتمرد السلفي أكثر منها ثورة تجديد تتطلع إلى المستقبل، مع التنويه أن العناصر العثمانية المسلحة هي من كانت ترفض المصالحة في كل المناطق التي استعادها الجيش العربي السوري وقد غادروا مناطقهم بعد خسارتهم بالباصات الحكومية الخضراء، ضمن تسويات الخروج الآمن، إلى الشمال السوري حيث ترغب الحكومة التركية بإقامة مادعته بالمنطقة الآمنة بغية ضمها إلى لواء اسكندرون السليب..
فبعد الثورة العربية سنة 1916 وجلاء بني عثمان عن بلاد الشام، وبقاء الكثير من العائلات التركمانية في الديار السورية، عاملتهم الدولة كمواطنين سوريين يحملون كافة حقوق المواطنة، فاندمج بعضهم وكانوا جزءاُ من مؤسسات الرئاسة والحكومة والبرلمان وذابوا في النسيج السوري إلى درجة نسيان لغتهم، بينما اعتبر بقيتهم أن العرب قد خانوهم في الحرب العالمية بالتحالف مع الكفار ضد أبناء دينهم، فشعروا بالخيبة وتقوقعوا ضمن أحياء وقرى إثنية قليلة التعليم يعملون في المهن والزراعة والتجارة، وحافظو على لغتهم في بعض قراهم القريبة من الحدود التركية، بينما مضت الدولة السورية في التعريب والتخلص من بقايا الإرث العثماني الذي يقول عنه الباحث ورئيس اتحاد الكتاب العرب الجديد محمد الحوراني في كتابه "التعليم في ولاية دمشق في العصر العثماني" : " أن عسكرة الحياة تجاه الغير – غير العثماني- ستظل قائمة بمفاهيمها ورؤاها للأبد.. لم يترك الاحتلال العثماني في الوطن العربي أي أثر علمي أو حضاري، تستذكره الأجيال اللاحقة، بل على العكس من ذلك، عمد العثمانيون إلى تجهيل المجتمع العربي وتدمير تراثه الحضاري والإنساني، محاولين بناء حضارة وهمية، هشة، وعلم خرافي يعتمد على (الزوايا والتكايا، وتقديس الأشخاص).. وقد اعتمدت الدولة العثمانية على البداوة العثمانية المغلفة بغلاف التدين المذهبي والعرقي، واستنهاض العصبيات، وإثارتها بالفتن، وإدامة الفوضى، مع حرص عثماني كبير على تغييب العروبة عن الوعي العام، وإضعاف لغة القرآن الكريم، وطمس الذات العربية الإسلامية النهضوية، وتعويم تراث (التخلف والتبعية)..
بالطبع فإن سياسة التعريب لدى الدولة القومية بعد الإستقلال تجاهلت الإرث الثقافي لبقية السوريين من القوميات غير العربية بما فيهم الأكراد والتركمان، الأمر الذي ولّد لديهم رغبة الإنفصال في أول فرصة سنحت لهم عبر "الفوضى الخلاقة" التي أطلقتها الولايات المتحدة لإعادة تفكيك إرث "سايكس بيكو" ضمن استراتيجية الشرق الأوسط الجديد الذي ستقوده إسرائيل كما هو واضح الآن.. وقد لاحظنا منذ الأشهر الأولى للتمرد من أن غالبيته هم جمهور تركماني بقيادة إخونجية انضم إليه بعض معارضي اليسار الكلاسيكي من شيوعيين وبعثيين، حيث بدأ مع تركمان حي درعا البلد وانتقل إلى تركمان حي بابا عمرو وتلبيسة بحمص وصولا إلى تركمان حي الجمال في اللاذقية والهلك وبستان الباشا بحلب.. وقد طرحت على الرئيس بشار الأسد في لقائي معه صيف 2012 موضوع التركمان ومظلوميتهم التاريخية التي يحملونها تجاه العرب، وقد فوضني بفتح حوار مع تركمان اللاذقية بناء على طلب أصدقاء تركمان لتشكيل حزب أو تيار تركماني، ثم تراجعوا بعد تهديدهم بالقتل من قبل المجموعات التركمانية المسلحة، كما أخبروني لدى اعتذارهم مني..
*
بدأت حبكة "الربيع العربي" بمبادرة من التنظيم الدولي للإخوان المسلمين الذين انتهزوا وصول فرعهم في تركيا إلى السلطة وظنوا أنه سيكون في خدمتهم، غير أن ما حصل هو العكس، حيث استخدمهم الفرع التركي لأجل تحقيق حلم العثمانية الجديدة، وقد استتب لهم ذلك واستفردوا فيه بعد سقوط الفرع المصري إثر الانقلاب العسكري، وكذا الأمر في سورية حيث هيمنوا على الائتلاف المعارض عبر أصوات التركمان والإخونج لتصب جهودهم في تقسيم سورية بدلا من تحرير مؤسساتها من الاستبداد البعثي..
فمنذ العام 2010 أعاد الإخونج نشاطهم في حوران بدعوى مناهضة التبشير الشيعي الصفوي عبر أربعة من أعضائهم ـ كما يروي جمال الوادي في مذكراته المقرصنة والتي سربت لنا قبل نشرها ـ وهم : التاجر جمال الوادي، والشيخ الفلسطيني محمد خير موسى (من حماس) والشيخ خالد زين العابدين بإدارة د.عماد الدين رشيد (صلة الوصل مع الجماعة وأحد المجددين في فكرها المحافظ) إذ بدأوا عملهم بخطة (تمتين خاصرة حوران الرخوة) على حدود السويداء حيث يكثر البدو المتهمين بضعف إسلامهم باعتبارهم هدفا سهلا للتشيع، فعملوا على ترميم جوامعهم وزيادة عددها وتأمين الأئمة والخطباء وإقامة الدورات وتمويل العمل الدعوي.. وقد بدأت هذه النواة باستقطاب (الغيورين على الدين) ـ حسب تعبير الوادي ـ ضمن برنامج مدروس وممول من قبل الجماعة في الخارج، أي التنظيم الدولي للإخونج، وبعد توزيع المهمات وتنظيم العمل تحت الأرض على الطريقة الإخونجية، باتت الاجتماعات السرية أسبوعية، وأول خطوات العمل كانت بالاتفاق مع خمسة عشر إماما لتوحيد الخطبة في مساجد المحافظة والتركيز على ركن الجهاد في الإسلام، كما تم الاجتماع مع الشيخ معاذ الخطيب مرتين، وحصل كل ذلك خلال العام الذي سبق إعلان التمرد من مآذن ستة مساجد بدرعا ، حسب مذكرات الوادي..
بقية الحرب نعرفها جميعا وقد حان الوقت لنجلس ونقوم بمراجعتها: ماذا جنى السوريون من التمرد ؟ هل تحسنت سياسة السلطات أم باتت أكثر سوءاً ؟ هل بات وضع السوريين التركمان أفضل ؟ هل يمكنهم الحصول على حكم ذاتي من دون استبداد الأتراك بهم ؟ وإذا حصل هل هم قادرون على بناء واحة ديموقراطية رغيدة أفضل من دولة تركمانستان التي تتفوق بالإستبداد والفساد على سورية ؟ كيف يمكنهم العودة إلى الإندغام مع النسيج السوري بعد كل هذا الدم ؟ وبالطبع هذه الأسئلة معفي منها المواطنون التركمان الذين ذابوا في نسيجهم السوري وتحرروا من حكاياتهم العثمانية، مثلما فعل أحفاد أتاتورك العلمانيون في تركيا ممن يناهضون نهج حزب العدالة الإخونجي ويزج بهم إردوغان في سجونه بتهم ملفقة ..
الواقع أن الثورة السلفية على الدولة السورية قد دمرت حياة الجميع، وشردت الذين أشعلوها، بينما بقيت السلطة قائمة باستبدادها الحزبي، ذلك أن العقل السلفي لاينتج حضارة معاصرة ، وقد تكون السلطة والمعارضة بعيدان عن تحقيق شروط الدولة الحضارية بسبب أنهم يعيدون اجترار ثقافاتهم الآيديولوجية والقومية وكل هذه التراكمات التاريخية التي تسد طريق الحياة بوجه الأجيال الجديدة.. والحل يكون بمجتمع المواطنة العلماني الذي أطلقنا شعاره قبل عامين وتم إجهاضه وسنفصل في ذلك في الحلقة القادمة..

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 5 + 6