كتب أحمد نظيف: اللوبي الداعم لأردوغان في أوروبا يتفكك

خاص عربي برس

2021.02.07 - 10:40
Facebook Share
طباعة

 يشكل الشتات التركي في أوروبا، أحد الركائز الأساسية في القاعدة الإجتماعية للنظام التركي الحاكم، لجهة المهمات التي يظطلع بها هذا الشتات في دعم النظام سياسياً ومالياً إلى جانب تحوله منذ سنوات إلى جماعة وظيفية ظاغطة على المجتمعات التي تعيشه فيها لصالح السياسات الخارجية لحزب العدالة والتنمية الحاكم. لكن هذا الشتات والمؤسسات التي تؤطره تعرضت خلال الشهور الأخيرة إلى عملية واسعة من مراجعة أليات العمل والأشخاص، فيما تحولات ولاءات بعضها إلى جهات سياسية معارضة لأردوغان، على ضوء الإنقسام الذي حصل داخل معسكر الرئيس التركي بعد خروجه رفيقه علي باباجان وتأسيسه حزباً منافساً.
أواخر كانون الثاني انتخب اتحاد الديمقراطيين الدوليين وهو أكبر منظمة تركية للمغتربين ومقره في ألمانيا ، رئيسًا جديدًا ومجلس إدارة بعد أن قرر الرئيس السابق بولنت بيلجي التنحي بشكل مفاجئ. أثار انتخاب كوكسال كوس كرئيس جديد قلق وسائل الإعلام الألمانية لأنه كان قريباً من أيديولوجية "الذئب الرمادي" القومية التي تحاول ألمانيا حظرها.
و"اتحاد الديمقراطيين " أكبر شبكة ضغط تركية في الخارج تابعة رأساً لحزب العدالة والتنمية الحاكم، يوجد مقرها الرئيس في مدينة كولن الألمانية، ولديها فروع في فرنسا وبلجيكا والنمسا وهولندا، حيث تعمل للضغط من أجل الأهداف السياسية لحكومة أردوغان تجاه هذه الدول الأوروبية، وفي الوقت نفسه لإقناع الأتراك الذين يعيشون في أوروبا بدعم هذه الأهداف. وقامت المجموعة بتوسيع عملياتها بشكل كبير في ألمانيا، وفتحت فروعاً جديدة في برلين وميونيخ وشتوتغارت، وفي مناطق الشرق الفرنسي، حيث يوجد ثقل ديموغرافي تركي، خلال السنوات الأخيرة. وبفضل شبكة الدعم هذه، أصبح حزب العدالة والتنمية الذي يتزعمه أردوغان أفضل تنظيماً في ألمانيا من أي حزب تركي آخر. وفي المقابل، لم يتوقف الدعم الرسمي التركي السخي لهذه المجموعة، إذ منحت حوالي 10 ملايين يورو في عامي 2012 و2013 وحدهما.
ويبدو أن إنتخاب كوكسال كوس يوحي بتوطيد دعائم التحالف بين أردوغان والحركة القومية التركية المتطرفة.حيث يحتاج الحزب الحاكم إلى الدائرة الانتخابية القومية كأغلبية مائلة للفوز بالانتخابات الرئاسية التي طال انتظارها في عام 2023. السياسة التركية العاصفة أصبح لها آثارها الممتدة في ألمانيا أيضًا خاصةً منذ منح الشتات التركي حقوق التصويت في عام 2014 حيث يعيش ما يقرب من مليوني ناخب تركي مؤهل في ألمانيا. يُعد انتخاب شخصية قومية وليس من الموالين التقليديين لحزب العدالة والتنمية رئيساً لهيئة اللوبي الأوروبية التابعة لأردوغان أحدث علامة على زيادة الأجندة القومية تجاه الشتات التركي أيضًا.
في المقابل تعيش المنظمات الإسلامية الداعمة لأردوغان تقليديا حالة انقسام. بعد أشهر من الخلافات خلف الكواليس، خرج زعيم جماعة “مللي غوروش” الإسلامية التركية في أوروبا، كمال إرجون، إلى العلن من خلال تغريدة على حسابه في “تويتر”، قال فيها إن “التمييز بين الشرق والغرب لا معنى له في عالمنا المعاصر. إذا أردنا الحفاظ على التمييز، نحتاج إلى رسم خط بين أولئك الذين يحترمون حقوق الإنسان وسيادة القانون ومن يقوضها”. تبدو التغريدة بسيطة وعادية، لكن سياق نشرها كان تنبيهاً لوقائع انتهاكات حقوق الإنسان في تركيا. وناشرها ليس رجلاً بسيطاً ينتمي للنسيج الإسلاموي التركي المهاجر في أوروبا، بل زعيم أكبر جماعة إسلاموية تركية وثاني أكبر منظمة تركية في الخارج، وهي إحدى القواعد الاجتماعية الرئيسية لحزب “العدالة والتنمية” التركي منذ سنوات.
تأسست جماعة “مللي غوروش”، القريبة من تيار “الإخوان المسلمين”، على يد الأب الروحي للتيار الإسلاموي التركي نجم الدين أربكان منذ عام 1969، بوصفها امتداداً أوروبياً لحزبه الإسلامي “النظام الوطني”، وتَجذَّر وجودها أكثر في أعقاب الانقلاب العسكري عام 1971. وقد تحولت إلى تنظيم ضخم منتشر في أغلب الدول الأوروبية التي تضم جاليات تركية، حيث تدير حوالى 300 جمعية إسلامية وتضم في صفوفها 100 ألف عضو ناشط في عموم القارة الأوروبية، نصفهم في ألمانيا وحدها، وفقاً لتقديرات نشرتها السلطات الألمانية، حيث تتخذ هذه المنظمة من مدينة كولن مقراً رئيسياً لها. وفي بلجيكا تسيطر الحركة على 300 جمعية إسلامية، و147 مسجداً، ولديها نحو 15000 إمام ومعلم.
وتشكل “مللي غوروش” إلى جانب الاتحاد التركي الإسلامي – أكبر المنظمات التركية في الخارج – الروافد الأساسية لنظام الرئيس رجب طيب أردوغان في الخارج، حيث تؤدي دوراً كبيراً في الدعاية للنظام والقيام بدور جماعات الضغط في الساحات الأوروبية التي تعمل داخلها، كما نجحت خلال المحطات الانتخابية العديدة في تكوين خزان انتخابي كبير لأردوغان وحزبه، فيما يكسب النظام من وراء الشبكات الاقتصادية التابعة للشتات روافد مالية كبيرة خاصة للحزب الحاكم.
ومنذ صعود “العدالة والتنمية” للسلطة في عام 2002 اتجهت السياسات التركية نحو تأطير الشتات التركي في أوروبا والسيطرة عليه وتوظيفه لخدمة المصالح السياسية والحزبية للنظام، رغم الخلافات التاريخية بين “العدالة والتنمية” وحزب أربكان ”الفضيلة” الذي يعتبر الممثل التاريخي لـ”مللي غوروش” في الداخل التركي. لكن القواعد الاجتماعية لـ”مللي غوروش”، لم تلتزم ذلك وتوزع ولاءها بين حزب أردوغان وأربكان، فيما تركت قيادة جماعة “مللي غوروش” حرية الاختيار بين الحزبيين.
وقبل تغريدة كمال إرجون التي يبدو أنها حسمت قرار جزء كبير من قيادات الشتات الإسلاموي بالتخلي عن تأييد أردوغان، استقال النائب عن الجاليات التركية في ألمانيا مصطفى ينير أوغلو، من حزب “العدالة والتنمية” الحاكم في تشرين الثاني (نوفمبر) 2019، والذي وجه قبل استقالته العديد من الانتقادات لسياسة أردوغان بعد المحاولة الإنقلابية في عام 2016، وآخرها نقده الجذري لتحويل كنيسة آيا صوفيا إلى مسجد، مشيراً إلى أن “تلاوة القرآن في آيا صوفيا كان تمويهاً للحكومة لصرف الانتباه عن المشاكل الاقتصادية التي تعيشها البلاد، مع تشويه سمعة الجمهورية التركية على أنها نظام قومي متطرف”. واتهم النظام الحاكم في تركيا بأنه من ”الأنظمة الاستبدادية التي تطبق سياسات عرقية للتستر على المشاكل الاقتصادية”. وفي أعقاب خسارة حزب “العدالة والتنمية” لبلدية إسطنبول كتب أوغلو: “خسرنا إسطنبول لأننا خسرنا تفوقنا الأخلاقي… يمكننا أن نستعيد تفوقنا بالنقد الذاتي وطي صفحة الماضي والنظر إلى المستقبل وأحلام الشباب والعقلانية وسيادة القانون والحقوق والفصل ما بين السلطات”.
وينتمي النائب المستقيل مصطفى ينير أوغلو إلى جماعة “مللي غوروش” أيضاً ما يشير ضمنياً إلى تحول جذري في ولاءات الجماعة من تأييد أردوغان إلى معارضته، وهو ما يعني خسارة أردوغان رديفاً شعبياً وسياسياً رئيسياً في الشتات وفي الداخل، حيث تملك الجماعة شبكة كبيرة من المنظمات والنخب وتمثل اجتماعياً جزءاً مهماً من الفئات الوسطى الأناضولية.
واللافت أن مصطفى ينير أوغلو قد انضم بعد استقالته من حزب أردوغان إلى حزب “الديموقراطية والتقدم” الذي يتزعمه نائب رئيس الوزراء الأسبق، علي باباجان، وهو الحزب الذي تأسس من خلال انشقاق داخل حزب “العدالة والتنمية”، أي يملك القاعدة الاجتماعية نفسها التي ينطلق منها أردوغان ومجموعته. ويبدو أن جماعة “مللي غوروش”، غيرت موقعها السياسي من النظام الحاكم ولكنها لم تغير موقعها الفكري حيث ستواصل دعم تعبير آخر من تعبيرات التيار الإسلاموي التركي، وقد وجدت في حزب باباجان النسخة الأصلية من حزب “العدالة والتنمية” خلال انطلاقته في 2002، وهي النسخة التي عبث بها أردوغان منذ عام 2011، وأنهى وجودها بعد المحاولة الإنقلابية في 2016، حيث دخل في طور من السياسات الشعبوية تجمع بين التطرف الإسلاموي والتطرف القومي.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 3 + 5