كتبت اورنيلا سكر: تركيا وقوتها الناعمة في أمريكا اللاتينية

خاص عربي برس

2021.02.07 - 10:43
Facebook Share
طباعة

 
أثار إعلان رئاسة الشؤون الدينية التركية، مؤخرًا، عن تقديم 7 آلاف كتاب ديني بينها نسخ قرآن مترجمة للإسبانية، إلى المسلمين في الأرجنتين، بدعوى مساعدتهم في تعلم الإسلام من مصادر وصفتها بـ"الصحيحة"، عددًا من التساؤلات حول الدوافع الحقيقية لاهتمام تركيا بمسلمي الأرجنتين، التي تحتضن أكبر أقلية مسلمة في أمريكا اللاتينية، ومدى ارتباط هذا الإعلان بسياسة خارجية تركية أكثر نشاطًا في المنطقة.
لم يكتفي التركي في احتلال بلاد الشام 400 سنة بل يحاول اليوم التوسع باتجاه أمريكا اللاتينية عبر قوته الناعة التي تعرف بنشاط الدبلوماسية الدينية عن طريق تقديم سبعة آلاف كتاب ديني بينها نسخ قرآن مترجمة للاسبانية بهدف تلقين الجالية الاسلامية تعاليم الاسلام بصفتهاالمصادر الصحيحة وهي غير كذلك. الامر الذي يستدعي طرح عديد من التساؤلات حول الدوافع الحقيقية التي تقف خلف التوجه المشبوه والمنحرف وراء هذا الاهتمام التركي بمسلمي الارجنتين، التي تحتضن اكبر أقلية مسلمة في امريكا اللاتينية، وهل أن ذلك له ارتباط بالسياسة الخارجية لتركيا ؟
نحن نعلم أن التوسع أمر بديهي وطبيعي لدى جميع الدولة التي تملك فائض من الممكنات والقوة التي تمكنها من الدفع باتجاه التوسع والهيمنة لكن مشكلة تركيا انها تدعم الاسلام الراديكالي والمتطرف عبر التجنيد وتحريف النصوص الإسلامية خدمة لمصالحها ومصالح الغرب الرأسمالي عبر شيطنة الاسلام صناعة اسلام امريكي-صهيونية بتعاون ونسخة تركيا عبر قوتها وتأثيرها الدينية –الثقافي في امريكا اللاتينية حيث شهدت السنوات الاخيرة تنامي الحضور التركي ، سياسيا واقتصادياً، في القارة اللاتينية ، وذلك على الشكل التالي:
فقد سعت تركيا خلال السنوات الاخيرة الى توسيع شبكة التمثيل الدبلوماسي لدى أمريكا اللاتينية وتم رفع منسوب العلاقات بين انقرة والمكسيك والبرازيل إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية إضافة إلى تأسيس آلية للتشاور السياسي مع 17 دولة في تلك القارة عبر تكثيف النشاط الديبلوماسي. ناهيك عن الزيارات التي قام بها كبار المسؤولين الاتراك إلى تلك الدول، وكان احدثها زيارة وزير الخارجية التركي مولود تشاووش أوغلو لفنزويلا في أغسطس 2020، حيث سبق أن زار الرئيس التركي رجب طيب اردوغان أمريكا اللاتينية ثلاث مرات في 2015 و2028.
مما أدى إلى تأسيس حضور اقتصادي متزايد، تضاعفت قيمة التبادل التجاري بين تركيا وأمريكا اللاتينية ثلاث مرات تقريبًا بين عامي 2006 و2017، من 3.4 مليارات دولار إلى 9.2 مليارات دولار. ووقّعت أنقرة اتفاقيات للتعاون الاقتصادي والتجاري مع 18 دولة في أمريكا اللاتينية والكاريبي، وقامت بعقد اتفاقات لإقامة منطقة للتجارة الحرة مع عدد من التجمعات الاقتصادية بالمنطقة. وتهدف كافة تلك الجهود إلى زيادة حجم التبادل التجاري مع أمريكا اللاتينية ليصل إلى 20 مليار دولار بحلول عام 2023. وعملت تركيا على تسيير رحلات جوية يومية من إسطنبول عبر الخطوط الجوية التركية لبعض عواصم ومدن أمريكا اللاتينية، ومنها بوينس آيرس، سان باولو، بوجوتا، بنما، هافانا، كاراكاس. وفي يناير 2019، أعلنت الخطوط الجوية التركية عن رحلة جديدة تربط بين مكسيكو سيتي وكانكون.
كما أنها قامت بتوظيف مصادر القوة الناعمة بتوقيع اتفاقات للتعاون في المجال العلمي والأكاديمي مع العديد من دول أمريكا اللاتينية، وافتتحت المراكز الثقافية والبرامج والأقسام المتخصصة في تعليم التاريخ، واللغة، والثقافة التركية، في بعض الجامعات اللاتينية. إضافة إلى تقديم المنح التعليمية لطلاب أمريكا اللاتينية والكاريبي. وفي أكتوبر 2017، افتتحت وكالة الأناضول للأنباء مكتبها الإقليمي بالمنطقة، في بوجوتا بكولومبيا، وبدأت مزاولة نشاطاتها باللغة الإسبانية.
واكتسبت المسلسلات والبرامج التلفزيونية التركية شهرة واسعة في معظم دول المنطقة، وساهمت في تنامي الاهتمام بالثقافة التركية، وزيادة تدفق السائحين من أمريكا اللاتينية إليها. إلى جانب تقديم أنقرة المساعدات الإنسانية والإنمائية والتقنية لبعض دول أمريكا اللاتينية من خلال الوكالة التركية للتعاون والتنسيق (تيكا)، بحيث تعكس التحركات المكثفة لأنقرة في أمريكا اللاتينية، رغبتها في تحقيق أهداف سياسية واقتصادية، تتجاوز تلك المعلنة، من قبيل مساعدة المسلمين هناك واستغلالها بهدف تعزيز المكانة الدولية لانقرة عبر توسع تركيا المتزايد في أمريكا اللاتينية التي شكلت أحد مكونات أجندة السياسة الخارجية للرئيس "أردوغان"، والتي تستهدف ترسيخ مكانتها الدولية كقوة إقليمية ذات ثقل ونفوذ عالمي، وتُمثّل أمريكا اللاتينية مؤشرًا مهمًا على امتداد قدرة تركيا على التأثير من النطاق الإقليمي إلى العالمي. من هنا، جاء حرص أنقرة على تطوير العلاقات الثنائية مع دول القارة اللاتينية في مختلف المجالات، وكذلك الانخراط في بعض الأزمات السياسية التي تشهدها دولها.
كذلك تحاول تركيا تحدي الهيمنة الأمريكية، حيث يرى القادة الأتراك أن علاقاتهم الوثيقة مع دول أمريكا اللاتينية تنقل رسالة مفادها أن تركيا دولة مستقلة لن تسمح لواشنطن بتحديد الدول التي تتعاون أو تتاجر معها، خاصة مع تفاقم الخلافات التركية الأمريكية بشأن بعض القضايا الإقليمية. وبناءً على ذلك، انخرطت الحكومة التركية في الأزمة السياسية في فنزويلا كما هي الحال في القارة الافريقية عبر ليبيا وغيرها ، عقب اندلاع صراع على السلطة بين الرئيس "نيكولاس مادورو" مع المعارضة منذ يناير 2019. ودعمت الولايات المتحدة زعيم المعارضة "خوان جوايدو" ضد "مادورو" المدعوم من قبل أنقرة. وجاء دعم الرئيس التركي لمادورو، في ظل التقارب القوي في رؤى وتوجهات الرئيسين بشأن تحدي الهيمنة الأمريكية على العالم.
وبفعل توترات العلاقة التركية مع حلفائها في الشرق الاوسط تجد اليوم تركيا أمرؤكا اللاتينية بديلًا جذابًا، بالنظر لكونها سوقًا ضخمة تضم 600 مليون شخص، لذلك عملت على توثيق العلاقات الاقتصادية مع دولها في ظل حاجتها إلى بدائل لشركائها الاقتصاديين التقليديين، وتحديدًا فنزويلا، حيث تقدم تركيا خيارًا يساعدها على الالتفاف على العقوبات الأمريكية المفروضة عليها. وكشفت وسائل إعلام غربية عن تورط أنقرة في عمليات تهريب الذهب من فنزويلا، رغم العقوبات المفروضة على نظام "مادورو"، وذلك مقابل الإمدادات الغذائية الأساسية التي تقدمها أنقرة لفنزويلا التي تعاني من أزمة اقتصادية حادة.
وكما أسلفنا الذكر في المقدمة، تحاول تركيا الترويج لنموذج "الإسلام التركي": من خلال قيام وكالة التعاون التركية بدعم أعمال تجديد مسجد السلام في سانتياجو، وتطوير الديكور الداخلي لمسجد أبي بكر الصديق في بوجوتا، وبناء مسجد جديد في هايتي، وإرسال الكتب الدينية المترجمة، تسعى أنقرة إلى تصدير "نسختها الخاصة" من الإسلام الجهادي والسلفي، باعتباره إسلامًا سنيًّا "معتدلًا" و"متسامحًا"وهو ابعد ما يكون عن ذلك فكيف تفسورن ما يجري ويحدف في أوروبا وبشكل خاص لندن وفرنسا والمانيا بمعزل عن الظروف والاسباب والدوافع الأخرى التي ادت الى تزايد ظاهرة العنف والتطرف والارهاب والراديكالية، وبالتالي تقوم تركيا يبتعزيز نفوذها الثقافي والديني من خلال اللعب على جميع هذه التناقضات داخل المجتمعات سوار القارة الامريكية اللاتينية او الافريقية او الاوروبية سواء، ودعم روايتها الخاصة بأحقيتها في قيادة العالم الإسلامي من ناحية أخرى.
وبالختام إن للحضور التركي في أمريكا اللاتينية تداعيات مهمة أدت الى تعميق التوتر في فينزويلا وتشديد العقوبات الاقتصادية عليها حيث اعتقد كبار المسؤولين الأمنيين في عهد الرئيس الأمريكي السابق "دونالد ترامب" أن فنزويلا تستخدم تركيا للالتفاف على العقوبات الأمريكية المفروضة على كاراكاس، كما اعتقد مسؤولون أمريكيون أن جزءًا من كمية الذهب الفنزويلي المهرب من قبل تركيا قد يشق طريقه إلى إيران في انتهاك للعقوبات المفروضة على طهران. وكشف تقرير صادر عن إذاعة "بي بي سي" ، عن أن تركيا تلقت تحذيرات من أنها بتجارتها في الذهب مع فنزويلا تُخاطر بنفسها وانه سيترتب عليه عقوبات أمريكية. كما أن دعم تركيا لبعض الأنظمة امثال نظام مادورو، يمكن أن تؤدي العلاقات التجارية التركية مع أمريكا اللاتينية إلى تعزيز التوجهات غير الديمقراطية السائدة في بعض دولهان على غرار واقع ايران وروسيا مع كل من لبنان وسوريا عبر تغليب نظام مستبد على الانظمة التحررية والديمقراطية بدليل ، أن تصاعد ظاهرة الاسلاموفوبيا عقب وقوع بعض التفجيرات الإرهابية في الأرجنتين عامي 1992 و1994، والتي يُتهم بتنفيذها حزب الله اللبناني. بالإضافة إلى الكشف عن عملية إرهابية كانت تستهدف دورة الألعاب الأولمبية الصيفية التي نظمتها البرازيل عام 2016، ويُتهم بالتخطيط لها من قبل عناصر من جماعة الجهاد الإسلامي.
وبالنظر إلى السوابق في توظيف بناء المساجد في أوروبا وإفريقيا لتحقيق أهداف سياسية؛ فليس من المستبعد أن تعمل أنقرة على استخدام دبلوماسيتها الدينية في أمريكا اللاتينية في تنفيذ أنشطة لخدمة مصالحها، والتي قد تؤدي إلى تصاعد ظاهرة "الإسلاموفوبيا" في القارة اللاتينية كرد فعل مضاد.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 10 + 7