كتب أحمد نظيف: الخلاف التركي الفرنسي أعمق من أن تحتويه الديبلوماسية الخطابية

2021.02.08 - 09:20
Facebook Share
طباعة

يبدو أن الخطوات الكلامية التي اتخذها كل من الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون ونظيره التركي رجب طيب أردوغان لتجسير هوة الخلافات بين البلدين بقيت مجرد كلام أمام عمق الخلاف متعدد الأوجه. ويبدو أيضاً أن الصراع في طريقه ليتجدد مرة أخرى على أكثر من جبهة.

في منتصف يناير (كانون الثاني) الماضي، استغل الرئيس التركي لقاءً مع سفراء الاتحاد الأوروبي للإشادة بخطط استئناف المحادثات مع اليونان وقال إنه يريد وضع "أجندة إيجابية" في علاقات تركيا مع بروكسل. بموازاة ذلك بعث الرئيس الفرنسي رسالة "إيجابية جدا" إلى نظيره التركي وأبدى رغبته في تطبيع العلاقات مع أنقرة ولقاء أردوغان بحسب صحيفة "ديلي صباح" التركية. وأشار وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو إلى أن الرسالة تبدأ بتحية مكتوبة بيد ماكرون باللغة التركية: "يا عزيزي طيب!". وذكر أن أردوغان بدوره أعرب عن استعداده للتواصل مع ماكرون من أجل تطبيع العلاقات، موضحا أن الحديث يدور أولا عن اتصالات هاتفية وبواسطة الفيديو. وأكد وزير الخارجية التركي أن خارطة الطريق المنسقة بينه ونظيره الفرنسي جان إيف لودريان تضم أربع نقاط، وهي التشاور على المستوى الثنائي، ومحاربة الإرهاب، والقضايا الإقليمية منها سوريا وليبيا، بالإضافة إلى التعاون في مجال التعليم.

واعتقد الجميع أن صفحة الخلاف، الذي دار بين البلدين خلال العام 2020، قد طويت. لكن ذلك ما لبث أن كذبته الوقائع والتصريحات. وخلال تصريحات صحفية أدلى بها الرئيس التركي عقب أدائه صلاة الجمعة في أحد مساجد إسطنبول، انتقد الرئيس التركي دعوة إيمانويل ماكرون لأنقرة لسحب قواتها من ليبيا، كما رفض المواقف الأمريكية والأوروبية حيال أحداث جامعة البوسفور الأخيرة بإسطنبول. وقال أردوغان معلقا على دعوة ماكرون: "يبدو أنه لم يتعلم هذا الأمر، وتعلمه يتطلب الكثير من الوقت".كما استنكر التصريحات الصادرة عن الاتحاد الأوروبي وماكرون حول احتجاجات الجامعة، ودعا الأخير إلى "حل مسألة السترات الصفراء أولا" ولفت إلى عجز ماكرون عن حل موضوع الاحتجاجات ونزول الفرنسيين إلى الشوارع بشكل متكرر، مؤكدا أن تركيا لا تعاني من وضع كهذا وتنعم بالسلام والطمأنينة، وفقاً لما نقلته وكالة الأناضول، التابعة لحزب العدالة والتنمية الحاكم.

وكانت فرنسا، وإلى حدود ديسمبر الماضي، تاريخ انعقاد القمة الأوروبية التي أرجأت فرض العقوبات الإقتصادية على تركيا إلى مارس القادم، تريد أن تظهر أنها في طليعة المقاومة لسياسة رجب طيب أردوغان لزعزعة الاستقرار، بالتوازي مع حربها على الإسلام السياسي، فيما كان أردوغان يحب أن يقدم نفسه على أنه المدافع عن المسلمين ضد ما يصفه بـ "حملة الكراهية". وكانت باريس قد أعلنت في وقت سابق حل جماعة "الذئاب الرمادية" التركية المتطرفة، بتهمة "التحريض على التمييز والكراهية والعنف". وتتهم وسائل إعلام فرنسية الحركة بأنها على صلة القوية، بالرئيس التركي، باعتبارها مرتبطة بحزب الحركة القومية التركي المتحالف مع حزب العدالة والتنمية الحاكم.

في المقابل بدأت القوات الجوية الفرنسية القيام بتدريبات مشتركة مع اليونانية في إطار مهمة "سكيروس"، في ظل التوتر الذي تشهده الجبهة الشرقية للمتوسط من صراع تركي يوناني حول التنقيب على الغاز، إضافة للملف القبرصي التاريخي. وفي السياق نفسه أبرمت اليونان في 25 يناير (كانون الثاني) صفقة شراء 18 مقاتلة رافال من فرنسا بقيمة 2,5 مليار يورو، وقبل ذلك أرسلت فرنسا بوارج بحرية للسواحل اليونانية صيف العام الماضي، مما يزيد من حد التوتر بين باريس وأنقرة، لجهة الإصطفاف الكلي لفرنسا إلى جانب اليونان.

ويؤكد ذلك ما نقلته وكالة الأنباء الفرنسية – خلال تغطية واسعة للمناورات الجوية المشتركة – عن السفير الفرنسي لدى أثينا باتريك ميزوناف إنّ "اليونان تواجه بيئة إقليمية مضطربة ومتقلّبة، ومن المحتمل أن تظل هذه البيئة كذلك". ونقلت الوكالة عن وزير الدفاع اليوناني نيكوس باناغيوتوبولوس قوله إنّ التقارب بين الدولتين يساهم في "إرساء بيئة جيوسياسية أكثر أمناً في الإقليم". وقد أشار إلى أنّ عقود السلاح والمناورات المشتركة تهدف إلى "بعث رسالة واضحة بفضل قوة الردع". مشيرةً في تقرير لها إلى أن هذا ما يبرر وفقاً لأثينا زيادة إنفاقها في مجال التسلّح، والذي يتوقع أن يتضاعف بخمس مرات في 2021، حيث يخطط اليونانيون لشراء طوافات ومسيّرات، وتحديث أسطولهم من مقاتلات اف-16، ويبدو أن فرنسا ستكون أحد موردي السلاح لأثينا لجهة العلاقات القوية التي عززها الخطر التركي المشترك.

كما تمضي باريس قدماً في ملف كسر التأثير التركي على الجاليات المسلمة من خلال تفكيك بينة تمويل وإدارة المؤسسات الدينية الإسلامية عن طريق المنظمات المرتبطة بدول أجنبية وعلى رأسها تركيا، وذلك من خلال إقرار قانون "الإنفصالية الإسلاموية" وكذلك "ميثاق مبادئ الإسلام" الذي يدين الإسلام السياسي وارتباط المؤسسات والمساجد بالدول الأجنبية. في المقابل تحاول أنقرة تحريك شبكاتها الدينية والمدنية في فرنسا لإحباط هذا المسعى الفرنسي.

وقد أشرنا في مقال سابق إلى تحريك اللوبي التركي في فرنسا ضد التوافق على "الميثاق"، حيث رفضت الجماعات الإسلامية التركية في فرنسا وهي أساساً: الجماعة الإسلامية ميللي غوروس، الذراع الأوروبي للإخوان المسلمين الأتراك، و الاتحاد الإسلامي التركي "ديانت"، الفرع الفرنسي لمديرية الشؤون الدينية التركية الحكومية، التوقيع على "ميثاق المبادئ" الذي صاغه مجلس الديانة الإسلامية بفرنسا بالاتفاق مع الرئاسة الفرنسية والذي يهدف إلى الفصل بين الإسلام والسياسة داخل دور العبادة ومنع التدخلات الأجنبية في تعيين أئمة المساجد وإدارة الجمعيات الإسلامية، وهو ما يحرم تركيا من تمويل وتدريب وإدارة المئات من المؤسسات التي كانت تديرها في فرنسا منذ عقود، وتسيطر من خلالها على حوالي مليون فرنسي من أصل تركي.

 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 5 + 9