كتب أحمد نظيف: الإخوان في فرنسا وسياسة إعادة الإنتشار

2021.02.19 - 08:33
Facebook Share
طباعة

 قبل أسابيع قرر مجلس الوزراء الفرنسي حلّ منظمة "التجمع المناهض للإسلاموفوبيا في فرنسا" بشكل رسمي، بتهم تتعلق بنشر الكراهية ومعادة قيم الجمهورية". وهي إحدى المنظمات المقربة من تجمع مسلمي فرنسا، الفرع الفرنسي لتنظيم الإخوان الذي كان يعرف لسنوات باسم "اتحاد المنظمات الإسلامية بفرنسا". لكن المنظمة ما لبثت أن بعثت من رمادها وعادت إلى النشاط من البوابة الأوروبية في بروكسل.


فقد أعادت تأسيس وجودها القانوني  كجمعية غير ربحية تأسست في بلجيكا في الأول من تشرين الثاني (نوفمبر) 2020، تحت إسم أكثر شمولية وهو "التجمع المناهض للإسلاموفوبيا في أوروبا".
 وكانت المنظمة قد استبقت قرار حلها في بداية كانون الأول (ديسمبر) وسارعت، إلى تصفية كافة نشاطاتها في البلد الأوروبي ونقلها إلى الخارج، وقالت إن مجلس إدارتها قرر تصفية نشاطها في فرنسا ونقله إلى دولة أخرى، من دون الكشف عن المكان الجديد الذي ستعمل منه، موضحة أنها نقلت "جزءا كبيرا من أنشطتها إلى جمعيات شريكة ستتولى مكافحة الإسلاموفوبيا.

هذا السلوك الالتفافي الذي قامت به منظمة التجمع المناهض للإسلاموفوبيا في فرنسا نموذج مثالي للسلوك التنظيمي الجديد الذي بدأت المنظمات التابعة لتيار الإخوان المسلمين إتباعه بعد الحملة الأمنية والقضائية التي بدأت فرنسا في شنها ضد الجماعات الإسلامية منذ العام 2020. حيث تفضل المنظمات الإخوانية الإبتعاد عن المواجهة مع الدولة قدر الإمكان والبحث عن حلول قانونية وبدائل لنشاطها وتمويلها دون الدخول في صدام مع مؤسسات الدولة وذلك للحفاظ على مسار مشروع التمكين.

ويحاول الإخوان المسلمون في فرنسا، التماشي مع الطبيعة الصارمة للعلمانية الفرنسية من خلال لعبة الاندماج السياسي وتقديم خطاب علني يبرز نوعاً من "الإسلاموية المدنية" في تعارضٍ تامٍ مع الأدبيات والخطابات التي تُدرَّس وتُذاع في منابرهم الدينية، وفي مراكزهم، ومساجدهم. وقد نجحت "لعبة الاندماج المعلن" في لفت نظر السلطات الفرنسية للجماعة منذ نهاية التسعينيات، إذ قدموا أنفسهم بوصفهم أحد ممثلي المسلمين في فرنسا، على الرغم من أن تأثيرهم على القاعدة الاجتماعية لعموم المسلمين ضعيف جداً، وفقاً لآخر مسح قام به معهد مونتيني في العام 2018.

ولعل مثال أخر بارز يمكن أن يعطي دليلاً على هذه السياسة الإخوانية الجديدة في فرنسا، هو موقف الجماعة من "ميثاق المبادئ الجمهورية" الذي أقره المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية بالتعاون مع السلطات الرسمية، والذي رفضته الجماعات الإسلامية التركية وجماعة الدعوة والتبليغ. فعلى الرغم من أن الميثاق يدين في فصله السادس كل أشكال الإسلام السياسي إلا الإخوان كانوا من بين الموقعين على إقراره بإعتبارهم جزءاً من مجلس الديانة، حيث يقول الفصل حرفياً:" إن الغرض من الميثاق هو مكافحة أي شكل من أشكال استعمال الإسلام لأغراض سياسية أو أيديولوجية. ولذلك يتعهد الموقعون برفض المشاركة في أي نهج يروج لما يُعرف باسم "الإسلام السياسي". نحن نُحارِب بإصرار ضد أي حركة أو أيديولوجية يحول مشروعها ديننا عن هدفه الحقيقي، ويحاول خلق علاقات قوة وكسور في مجتمعنا. 

وهكذا، فإننا نتعهَّد بعدم استخدام أو السماح باستخدام الإسلام أو مفهوم الأمة (جماعة المؤمنين) من منظور سياسي محلي أو قومي، أو لأغراض أجندة سياسية تُمليها قوة أجنبية تنكر التعددية في الإسلام. ولا نسمح باستخدام أماكن العبادة لنشر الخطاب السياسي أو لاستيراد الصراعات التي تحدث في أجزاء أخرى من العالم. مساجدنا وأماكن عبادتنا مخصصة للصلاة ونقل القيم. فهي ليست قائمة لنشر الخطابات القومية التي تدافع عن الأنظمة الأجنبية، وتدعم السياسات الخارجية المعادية لفرنسا وبلدنا ومواطنينا الفرنسيين، ولذلك يجب رفض الانحراف عن الدين المتمثل في استخدام الإسلام لأغراض سياسية بكل قوة ودون تحفُّظ.

لكن اللافت في مسار الصمت الإخواني،على نص الميثاق، رغم رفضه للإسلام السياسي والولاءات الأجنبية، ما يكشف من تحولات غير مسبوقة في تعاطي جماعة الإخوان مع السياسات الفرنسية الجديدة تجاه التيارات الإسلامية. بالرغم من أن السلطات الرسمية قد بدأت في تصعيد الموقف ضد الجماعات وأذرعها وقد قامت السلطات حتى الآن بحلّ و جمعيتين مقربتين من التيار الإخواني (تجمع الشيخ ياسين، والتجمع المناهض للإسلاموفوبيا)، كما فتحت في تموز (يوليو) الماضي تحقيقاً في شبهة التمويل الأجنبي تتعلق بتمويل المعهد الأوروبي للعلوم الإنسانية، وهو مؤسسة غير حكومية للتعليم العالي، قريبة من جماعة الإخوان، تقوم بتدريب الأئمة على وجه الخصوص. واستطاعت خلال السنوات الثلاث الماضية إغلاق قرابة 250 فضاءً ومَنْشَطاً إسلاموياً، بينها مدارس ومساجد، تُبشِّر بأيديولوجية انفصالية، على حد تعبيرها.

ويعتبر "اتحاد المنظمات الإسلامية في فرنسا" الفرع الفرنسي لجماعة الإخوان المسلمين، أكبر فروع الجماعة خارج المنطقة العربية، حيث أصبح اليوم يضم أكثر من 250 جمعية إسلامية على كامل التراب الفرنسي، تعمل في شتى المجالات التعليمية والخيرية والاقتصادية، وحوالي 100 مسجد ومكان عبادة، إلى جانب عشرات المراكز التدريبية، ومؤسسة جامعية للتعليم الديني. وقد شكَّل الفرع الإخواني في فرنسا الثقل الأكبر للنشاط الإخواني في أوروبا منذ الثمانينيات، وتنقسم المؤسسات الإخوانية في فرنسا إلى نوعين؛ أولهما، جمعيات تعمل في المجال الخيري والاقتصادي والديني وتُقدم خدمات اجتماعية لحشد التأييد وكسب قاعدة اجتماعية تمثيلية. وثانيهما، يعمل في المجالات السياسية والطلابية، يهتم بنسج علاقات مع النخب الفرنسية الجامعية والسياسية والمالية والحزبية لكسب تأييد للجماعة داخل مراكز القرار الفرنسي. ويعتمد الفرع الفرنسي للإخوان في تمويله على تبرعات الأنصار وريع المؤسسات الاقتصادية والتجارية التي يديرها من خلال أعضائه داخل فرنسا، وخاصة في مجال تجارة "المواد الحلال"، فيما تأتي نصف ميزانيته من التمويل الخارجي القادِم أساساً من قطر وتركيا وماليزيا.
Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 8 + 3