كتب نبيل صالح: المسألة الكردية والصيغة السورية

خاص عربي برس

2021.02.26 - 09:17
Facebook Share
طباعة

1

 

كل أمة وطائفة تعيش في الشرق لديها هولوكوستها التاريخي الذي يستغله زعماؤها السياسيون لأجل مصالحهم، فالسياسي الشرقي يفضل تحريك الجمهور بالخوف بدلا من تنميته بالطمأنينة، وإذا راجعنا خلافات أعضاء المؤتمر السوري الأول عام 1919 سنرى كم تشبه خلافات المفاوضين السوريين في جنيف اليوم، ذلك أن مبادئ ويلسون التي كان فصّلها على مقاس الشعوب الغربية بعد الحرب العالمية الأولى لم تكن مناسبة لمقاسات شعوبنا الشرقية، كما خلفت لدى دول المنطقة الكثير من المشاكل، ففي سورية مثلا لدينا ست عشرة لغة وست قوميات وثلاثة أديان ابراهيمية إضافة إلى الإيزيدية والطرق الصوفية، وكل طائفة كانت تعتبر نفسها شعبا وأمة وترغب بتقرير مصيرها في حدود مستقلة، ولكن كيف سنرسم لهم حدودا طالما أنهم مختلطون في غالبية المدن والأحياء السورية ؟! هذا هو السؤال الذي ليس له جواب خارج منطق الإندماج والمواطنة، لأن تقسيم الأرض يضعف الجميع وتوحيدها يقويهم، كما أن تحقيق الكفاية مع العدالة والمساواة يغنيهم عن حماية طوائفهم وقومياتهم .. وحديثنا اليوم عن المسألة الكردية..

 

2

 

اختلف الباحثون في تأصيل منشأ الكرد ومنحدرهم العرقى وموطنهم الأصلي: هيردوت تحدث عن قوات كارداكيس غير النظامية التي كانت رديفا لجيش الملك الإخميني دارا الأول .. بينما يرى الباحث الكردي محمد أمين زكي أن الأكراد ينحدرون من شعوب القوقاز لكنهم تحولو إلى آريين واقتبسوا اللغة الميدية بسبب اختلاطهم مع الميديين، ويرى الكثير من الأكراد أن نسبهم يعود إلى الكوتيين الذين عاصروا السومريين، أما نظرية فيورسكي فتقول إن أصل الأكراد يعود إلى الفرس، ويذهب البروفيسور لهمان هوبيت إلى أن الأكراد هم أجداد الجيورجيين!
المؤرخ الكردي محمود بيازيدي يقول إن أصل الأكراد يعود إلى العرب، وكانوا من البدو الرحل ثم انفصلوا عنهم، ويرى مؤرخون آخرون أن الأكراد عرب يمانيون هاجروا بعد خراب مأرب واستقروا بين العجم، بينما يرى علماء الأجناس أنهم جماعات بشرية زحفت إلى وسط آسية وهي أقوام هندو آرية.. علماء السوفييت أصدروا نظريتان حول أصل الأكراد، الأولى هي نظرية فلاديمير مينورسكي التي تتبنى رأي المؤرخ الألماني المختص بروما القديمة بارتولد جورغ نيبوهر (1776ـ1831). حيث يصف الكرد على أنهم منحدرون من الميديين و الآراميين معاً، أما ﻧﻈﺮﻳﺔ " ﻣﺎﺭ " ﺍﻟﻠﻐﻮﻳﺔ فتستند ﺍﻟﻰ ﺗﺤﻠﻴﻞ ﺍﻟﻠﻐﺎﺕ ﺍﻟﻘﻔﻘﺎﺳﻴﺔ ﺍﻟﺘﻰ ﺳﻤﺎﻫﺎ ﺑﺎﻟﻠﻐﺎﺕ " ﺍﻟﻴﺎﻓﺘﻴﺔ "، نسبة إلى " ﻳﺎﻓث " ابن نوح ﺍﻟﻮﺍﺭﺩ ﻓﻰ ﺍلتوراة، وهناك نظريات أخرى غير مؤكدة.. ويبدو من تضارب النظريات أن أحدا لا يعلم علم اليقين أصول الشعب الكردي، كما لا يعرف لهم دولة أو حضارة أقاموها باسمهم وإنما أقام زعماؤهم أمارات ضمن حضارات الشعوب الأخرى كما هو حال الأيوبيين في الخلافة العباسية..
ينقسم الكرد إلى عدد كبير من العشائر يعيشون في سبع دول: تركيا، العراق، إيران، سورية، إذربيجان وجورجيا وإرمينيا، ولايتكلمون لغة واحدة وإنما تتكون لغتهم من أربع لهجات أهمها الكرمانجية والصورانية، ويكتبون بثلاثة أبجديات: اللاتينية، العربية، الكيرلية. كما يتوزع الكرد على عدد كبير من الأديان والمذاهب: إسلام ومسيحيين ويهود وإيزيديين، سنة وعلويون وشيعة ، ونقشبندية وقادرية.. الأمر الذي زاد في انقساماتم وصراعاتهم، وقد انتقل ذلك إلى أحزابهم الكثيرة بعدد عشائرهم.. فهم يحملون في ثناياهم نفس بنية المجتمعات الشرقية وعصبياتها التي كانت سببا في استمرار النزاعات فيما بينها.. نستثني أكراد المدن الذين انفصل أغلبهم عن مرجعياتهم القبلية والعشائرية ونسوا لغتهم الكردية وباتوا يتحدثون لغة الشعوب التي يعيشون بينها وينتظمون في أحزابها الوطنية كما هو حال الأكراد البعثيين في سورية..

 

3

 

جاء الأكراد إلى بلاد الشام مع صلاح الدين التكريتي وكانو جزءا من جيشه الإسلامي، حيث كان يترك حاميات كردية على أطراف المدن التي يسيطر عليها خوفا من تمردها، فتشكل في محيط كل مدينة حي أو جبل باسم الأكراد، في حلب واللاذقية وحمص ودمشق والقدس والخليل وسائر مدن سورية ومصر ، فكان جلّ الوافدين إليها مقاتلين ورجال دين، وبعد سقوط الدولة الأيوبية انكسرت شوكتهم، وامتزجت عشائرهم مع نسيج المدينة ومصالحها وسياستها مع مرور الزمن.. وفي العصر العثماني شكل الأكراد السنة في الشمال جزءا من الجيش العثماني في حربه ضد الصفويين الذين حاربت معهم عشائر الكرد الشيعية طوال القرن السادس عشر، وكان لأمراء عشائر الكرد حظوة لدى السلطان سليم إذ تركهم يديرون شؤون عشائرهم في شرق الفرات، بعدما فوض الشيخ البدليسي بتنظيم العلاقة بين الأمارات الكردية والسلطنة العثمانية بعهد مكتوب للحكم الذاتي شمل أكثر من 46 أميراً كردياً، 12 منهم حملوا لقب الخان، وقد شكلوا سدا بين بني عثمان والفرس حسب تعبير الرحالة أوليا جلبي في منتصف القرن السابع عشر، غير أن هذا الإستقلال الشكلي دفع ثمنه عامة الكرد، إذ كانت مناطقهم مسرحا دائما للصراع الصفوي العثماني الذي كان يدمر حياتهم.. ومنذ عهد السطان العثماني مراد الثالث 1574 تم التخلي عن الأكراد وتنصلت الدولة من مسؤوليتها بالدفاع عنهم في وجه غارات الصفويين والعشائر الكردية الشيعية باعتبار أن مسؤولية الدفاع ذاتية، فتعرض الكرد السنة إلى مذابح دون أية نجدة عثمانية، وقد استمر ذلك حتى توقيع معاهدة رسم الحدود بين العثمانيين والصفويين عام 1639 وتم فيه تقاسم عشائر الأكراد ومناطقهم، وعززت الإتفاقية بمعاهدة "أرضروم" 1847 ثم بمعاهدة لوزان 1923 .. ولم تخل علاقة الأكراد بالسلطنة من حركات تمرد ترفض دفع الضرائب وتجنيد شبابها، وكانت تقمع بقسوة كما كان الحال تجاه بقية المجموعات العرقية والدينية تحت حكم العثماني..

بعد هزيمة الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى، وضع الحلفاء الغربيون المنتصرون تصورا لدولة كردية في معاهدة سيفر عام 1920 ثم تغير الحال بعد ثلاث سنوات، بعد توقيع معاهدة لوزان التي وضعت الحدود الحالية لدولة تركيا، بشكل لا يسمح بوجود دولة كردية. وانتهى الحال بالأكراد كأقليات موزعة بين إيران وتركيا والعراق وإرمينيا وأذربيجان وجورجيا وسورية. ومنذ أول ثورة قام بها الاكراد العلويون من قبيلة كوجكري عام 1921 ضد حكومة أتاتورك، ولم تلقَ الدعم من الأكراد السنة، وقمعت بقسوة وتم تهجير عشرات الآلاف منهم إلى ناحية معبطلي في منطقة عفرين، مرورا بثورة الشيخ سعيد سنة 1925 التي أخذت منحى عثمانيا ضد حكومة أتاتورك العلمانية، وصولا إلى قيام حزب العمال الكردستاني 1984 برعاية من الدولة السورية، سحقت تركيا أي محاولة كردية لتأسيس دولة مستقلة أو حكم ذاتي.. وقد شهد القرن العشرين عدة محاولات لإقامة دولة كردية باءت جميعها بالفشل وهي:1ـ مملكة كردستان التي أقيمت بمدينة السليمانية في كردستان وريفها عام 1922 بقيادة الشيخ محمود الحفيد البرزنجي، ودامت سنتين 2 ـ جمهورية كردستان الحمراء: قامت برعاية السوفييت وامتدت من 1923 إلى 1929 في ناغورنو كاراباخ وانتهى أمرها بشكل تراجيدي 3 ـ جمهورية آرارات: عام 1930، بقيادة إحسان نوري باشا الذي أعلن ثورة عارمة في وجه الدولة التركية، وأعلن مناطق جبال آرارات دولة كردية مستقلة، ليبدأ مع الدولة التركية حربا شاملة انتهت بسقوط هذه الجمهورية. 4 ـ جمهورية مهاباد التي أعلنها أكراد إيران بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية وسقطت سريعا نظرا لغياب الدعم العشائري ومناهضة الإقطاعيين لها. 5 ـ جمهورية لاجين التي أعلنت في المنطقة الواقعة بين أذربيجان وأرمينا عام 1992 برئاسة وكيل مصطفاييف، ولكن لم يكتب لها النجاح وانهارت بسرعة ولجأ مصطفاييف إلى إيطاليا.

 

4

 

صدرت تركيا مشكلتها الكردية إلى سورية جراء قمعها للثورات الكردية التي قامت ضدها بين عامي 1921 حتى 1938 وهجرت عشرات الآلاف من المناطق الثائرة باتجاه الأراضي السورية، بينما لم تنشأ أية صدامات فعلية بين الأكراد السوريين والسلطات السورية منذ الإستقلال، ولم يكن بوسع الحكومة السورية قبول تجنيس هذا العدد الكبير من المهاجرين فنشأت أزمة البدون سنة 1962 حيث أعطي قسم منهم الجنسية السورية وسجل قسم كأجانب وقسم بقي بلا قيد، ومع تولي الرئيس بشار الأسد السلطة عام 2000 تجددت آمال الأكراد بحل أزمتهم، وكانت الأحزاب والقوى الكردية مقربة من السلطة التي أظهرت نعومة في التعامل مع نشاطاتها، ثم اضطربت الأمور بعد مباراة كرة قدم بالقامشلي عام 2004 حيث نشب نزاع بين جمهور الفريق الكردي والعربي وغذت بعض الأطراف النزاع حتى وصلت شرارته إلى دمشق وقد قامت الشرطة باعتقال مثيري الشغب ثم أطلقت سراحهم بعدما هدأت النفوس، وفي عام 2005 قررت قيادة البعث القطرية إعادة فتح ملف الأكراد غير المجنسين، ثم وفي مطلع نيسان 2011 أصدر الرئيس بشار الأسد مرسوماً يقضي بتجنيس الأكراد في شمال شرقي سوريا ممن كانوا مسجلين كأجانب في السجلات السورية، ولاقى المرسوم حينها ترحيباً في الأوساط الكردية، وشمل المرسوم جميع الأكراد المسجلين كأجانب في محافظة الحسكة والذين يبلغ عددهم نحو 205 آلاف شخص إضافة إلى نحو 15 ألف شخص مكتومي القيد.. والواقع أن الأكراد السوريين كانوا ومازالوا متساوين مع مع باقي القوميات السورية في الحقوق والواجبات كما هو وارد في الدستور السوري، من حيث التعليم والعلاج الصحي المجاني والإنخراط في الجيش والوظائف العامة، كما كان فقراءهم متساوين مع باقي فقراء سورية في الحيف الواقع عليهم.. وكانت السلطات أقل قسوة في تعاملها مع الأحزاب الكردية غير المرخصة قياسا على تعاملها مع بقية أحزاب المعارضة .. وعلى غرار ماحصل في الإتحاد السوفيتي الشقيق الذي كان يعتبر كل الشعب شيوعيا، فتح حزب البعث باب الإنتساب أمام الأكراد، منذ أن قال الرئيس الراحل حافظ الأسد: كلنا بعثيون.. كما احتضنت سورية البعثية حزب العمال الكردستاني وزعيمه عبدالله أوجلان منذ سنة 1980 حتى 1998، عندما نشأت الأزمة السورية التركية وحشد الجيش التركي قواته على الحدود السورية مهددا بالإجتياح، فغادر أوجلان الأراضي السورية لتخطفه المخابرات التركية بدعم من الموساد الاسرائيلي والمخابرات الامريكية من العاصمة الكينية نيروبي عام 1999.

 

5

 

لم يشارك غالبية الأكراد فعليا في التمرد السوري، لأنهم كانوا يدركون أن موقف المعارضة من قيام حكم ذاتي كردي لا يختلف عن موقف الدولة السورية، وقد كان حذرهم من دعاة الثورة صحيحا حيث نرى اليوم كيف أن طلائعهم المدعومة من تركيا تغزوا مناطق الأكراد وتعمل على تهجيرهم مرة ثانية كما هو حاصل في عفرين، وقد وجدوا في مواجهتهم لهجمات داعش الوحشية فرصة طيبة لطلب الدعم الأمريكي والفرنسي وكأنهم يريدون تكرار تجربة كردستان العراق، والواقع أن واشنطن دعمتهم ضد الدولة السورية كما دعمت المعارضة الخارجية، وهي تحاصصهم اليوم على النفط السوري المسروق مقابل هذا الدعم، غير أن طبيعة الحرب الكردية ضد داعش والنصرة أبعدت الأكراد عن عصبياتهم الدينية لصالح القومية، على غرار ماحصل مع دعاة القومية العربية بدايات القرن الماضي.. وقد خرجت قوات سورية الديمقراطية من النواة الكردية لحزب العمال الكردستاني الذي تتهمه المعارضة بعلاقته التاريخية مع الدولة السورية، غير أنه انفصل عن فلك السلطة السورية منذ سجن زعيمه أوجلان، تماما كما حصل مع منظمة حماس التي ساهمت إسرائيل بتأسيسها ثم خرجت عن إرادة الإسرائيليين بعدما قويت شوكتها بدعم السوريين والإيرانيين لها.. ومظلوم عبدي قائد قسد اليوم الذي تخرج من مدرسة العمال الكردستاني، خرج عن نهج أوجلان وبات يتعامل مع واشنطن وتل أبيب اللتان سلمتا أوجلان إلى جلاديه الأتراك، وبعد أن كان أسلاف مقاتلي حزب العمال يقاتلون في تركيا من أجل قيام كردستان نقلو مشروعهم "روج آفا" إلى سورية، وبذلك صح قولنا بتصدير المسألة الكردية من تركيا إلى سورية ..

 

6

 

لا يوجد إحصاءات قومية أو طائفية في سورية التي يبلغ عدد سكانها اليوم 26 مليونا، يشكل الأكراد السوريين بين 5 و10% منهم حسب تقديرات الأمم المتحدة، يعيش ثلثهم في شمال شرق سورية حيث تتوضع 15 عشيرة كردية شرقي الفرات، يتوزعون على 99 حزبا كرديا غير مرخص، وقد توحد عدد كبير منها برعاية حزب العمال الكردستاني عام 2015 تحت عنوان " قوات سورية الديمقراطية ـ قسد" لمواجهة خطر داعش، وقد تمكنوا من استمالة العديد من زعماء عشائر العرب والسريان بالمال والسلاح وحكم الأمر الواقع بعدما أرعبت داعش الجميع، ثم أفرزت هذه القوات مجلسها السياسي "مسد" تحت شعار: (سوريا علمانية، ديمقراطية وفدرالية) والواقع أنها خسرت صفة الديمقراطية خلال السنوات اللاحقة وباتت مثل أعدائها من الميليشيات التركية تنهب آبار النفط وصوامع الحبوب ومؤسسات الأعلاف والمطاحن والمخابز وتفرض على الفلاحين أن يبيعوها قمحهم ومن يرفض يحرق محصوله، كما نفت كل مناوئيها من العرب السنة بتهمة أنهم دواعش، وأطلقت الأسايش التابعة لها النار على المتظاهرين، وغير ذلك من الأعمال التي تماهي بينها وبين الميليشيات التي تحاربها، فخسرت ثورتها ووقعت في نفس الحفرة التي وقع فيها من يشبهها من القوميات الأخرى، حتى بات داعموها الأمريكان محرجين من سلوكها غير الديمقراطي .. فقد قربت "قسد" قادة الأحزاب الكردية الفاعلة ليشكلوا غالبية الصف الأول من مجلس إدارة "مسد" ويأتي الممثلون السريان والعرب بالدرجة الثانية، بكونهم إكسسوار إعلامي لتأكيد شعار الديمقراطية وشرعنة سلطاتها العسكرية، كما هو الحال لدى مجموعات التركمان التي تسيطر على شمال غرب سورية وتمارس بدورها حكما ذاتيا بمرجعية تركية حيث تحتضن تركيا حكومتهم المؤقتة بينما ترسل لهم قطر جعالاتهم.. ومنذ تراجع خطر داعش عام 2019 يخضع سكان الجزيرة السورية بقومياتهم المتنوعة إلى سياسة تكريد في المناهج المدرسية والقوانين وإدارة المؤسسات الرسمية، بينما يخضع سكان إدلب وريفها إلى سياسة تتريك، مثلما تخضع أراضي الدولة السورية إلى سياسة التعريب، وهذا يقسم سورية فعليا إلى ثلاثة أقسام يتساوى فيها السكان بوضعهم الاقتصادي السيء بحيث أنهم باتوا مهتمين بتحسين عيشهم متجاوزين عصببياتهم إلى ماينفع مصالحهم، فالعوز والحاجة وحدت ميولهم، وهم سيميلون إلى من يقدر على تأمين حياتهم أكثر من غيره.. والواقع أن المناطق السورية الثلاثة ستبقى ضعيفة من دون توحدها معا كما كانت، إذ تشكل تكاملها الاقتصادي بين الشمال والجنوب والشرق والغرب خلال المئة عام الماضية، ولايمكن تحقيق وحدة الأراضي السورية وقيام دولة قوية مالم تنسحب واشنطن وأنقرة من شمالها وشرقها، وهي لابد ستنسحب لأن وجودها غير شرعي ومكلف ماديا وبشريا وسياسيا، وستتفكك قسد لنفس الأسباب التي سقطت فيها الدول الكردية الخمس خلال القرن الماضي ، وستتبخر الحكومة المؤقتة، ويعيد الجيش السوري بسط نفوذ الدولة على كافة الأراضي السورية، لأن قوات الجيش منذ تأسيسه قبل 72 عاما تشكلت من كافة الإثنيات والأديان والطوائف السورية غير المسيسة، وقد علمته الحرب الأخيرة إهمال الآيديولوجيا القومية والتخلص جزئيا من عقيدته البعثية لصالح المواطنة، باعتبار أن ثقافة العروبة ولغتها وسمت المجتمعات السورية من قبل تشكل الحزب بقرون طويلة، حتى أن البعث تخلى عن قيادته القومية بعد الدرس الذي أخذه من الدول العربية وجامعتها التي تطبع دولها اليوم مع إسرائيل وترسل مجاهديها لقتلنا.. فالجمهوريات الديموقراطية التي يتساوى فيها رعاياها بالحقوق والواجبات هي أوسع من جلباب الدين والقومية، وهو الدرس الذي تعلمته دول أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية بعدما كانت صدرت لنا فكرة الدولة القومية بعد الحرب العالمية الأولى، فالحروب تعيد تشكيل الأمم المتنازعة بما هو أسلم وأنجع لها..وتاريخ الأمم الناجحة يتقدم نحو الأمام بينما الأمم السلفية تعيد اجترار أخطائها القومية والمذهبية..

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 1 + 10