كتب أحمد نظيف: السلفية الفرنسية، سديم أصولي في تصاعد

خاص عربي برس

2021.02.27 - 08:19
Facebook Share
طباعة

 
إنهم ينتشرون في كل مكان، في الضواحي الفقيرة وفي المساجد وعلى شبكات التواصل الإجتماعي. هكذا تصف الصحف الفرنسية – لاسيما اليمينة منها – تصاعد قوة التيار السلفي في فرنسا، وسيطرته على أحياء واسعة في الحوض الباريسي وفي المدن الكبرى مثل مارسيليا وليون. فقد استفاد السلفيون من انسحاب جماعة الإخوان المسلمين من مجالات العمل الديني والدعوي نحو العمل الحقوقي والسياسي والإجتماعي وشكلوا قاعدة اجتماعية متينة.
منذ ظهورها في فرنسا في منتصف التسعينيات ، نمت السلفية بقوة: فقد تطور عدد أتباعها من 5000 في 2004 إلى 12000 في 2010 حتى وصلت اليوم إلى  ما بين 30 و 50 ألف. يفسر هذا الاختلاف الإحصائي الكبير صعوبات القيام بدراسات مسحية واجتماعية حول هذا السديم الأصولي، فعدد كبير من النساء والسلفيين البعيدين عن دور العبادة يؤدون صلواتهم في المنزل أو في المساجد التابعة لتيارات دينية أخرى.
هذا التأثير المتنامي - زاد عدد دور العبادة السلفية بنسبة 170٪ بين عامي 2010 و 2016 – فيما تركزت عمليات التجنيد بين الأجيال الشابة ، على عكس الإسلام التقليدي  الذي مازال يجذب كبار السن. وتشير تقارير أجهزة الاستخبارات الفرنسية – التي تتشرب من حين إلى أخر على صفحات الجرائد - إلى وجود علاقة متبادلة بين المناطق التي تتميز بنفوذ قوي وصارم وتلك التي تنشط فيها شبكات الاقتصاد السري، ولا سيما تجارة المخدرات. لكن الحركة السلفية الفرنسية تبدو فتية قياساً لبقية التيارات الإسلاموية السائدة وقائمة على عنصر إجتماعي مغاربي وفرنسي، حيث يتحدر 50-60٪ من أتباعها من  من عائلات ذات أصل مغاربي، في حين أن 25-30٪ من المتحولين الفرنسيين إلى الإسلام. في المقابل تمثل فئة الشباب الغالبية حيث تتراوح معدلات أعمار القاعدة الإجتماعية للحركة بين 30 و 40 سنة. وهذا يكشف عن وجود سوق حقيقية للعقيدة وانهيار السلطة التنظيمية لهيئات التنشئة الاجتماعية الدينية "التقليدية" مثل الأسرة والمسجد، وبدرجة أقل، الهياكل المرتبطة بالإسلام التقليدي. وباستثناء جزيرة كورسيكا البعيدة، فإن جميع المناطق الفرنسية بها غرف صلاة أو مساجد سلفية. وأماكن العبادة غالبًا ما تكون قريبة من التجمعات السكنية العربية وبعضها عبارة عن شقق أو منازل أو متاجر قديمة أو صالات رياضية أو حتى مأرب أو أقبية.
هذا التمدد الهيكلي والإجتماعي للتيار السلفي في فرنسا لم يدفع السلفيين للإنخراط في السياسة، حيث مازالت الحركة السلفية وفية لتعاليم علماء السعودية في التركيز على البعد الديني، لذلك من  الصعب القول إن السلفيين هم لاعبون سياسيون اليوم. إنهم فاعلون في النقاش الاجتماعي ، ولديهم رؤية حول موضوعات معينة ، مثل الأخلاق داخل الأسرة ، من حيث السلوك الجنسي والأخلاق الاقتصادية (مع حظر الربا أو البيع أو استهلاك الكحول) لكن انخراطهم في السياسة يبقى ضعيفاً فعلى الرغم من الأحداث الكبرى ، مثل 11 سبتمبر 2001 ، والحرب في العراق ، والانتفاضات في الضواحي ، والربيع العربي فإننا لم نلاحظ أبدًا أي موقف أو رد فعل لحركة سلفية مؤسسية ذات وهذا فرق ملحوظ عن الحركات الدينية الأخرى ، مثل جماعة الإخوان المسلمين.
لكن غياب البعد السياسي عن الحركة السلفية الفرنسية لا ينفي عنها صفة الأصولية والتطرف، حيث تحولت منذ سنوات إلى حزام ناقل للتطرف ، حيث تكشف دراسة مسحية نشرها منذ أيام معهد مونتاني للبحوث والدراسات، أحد أبرز مراكز التفكير تأثيراً في الساحة الفرنسية راهناً، حول أجيال الجهاديين الفرنسيين، تحت عنوان "مقاتلي الجهاد"، وهو نتاج عمل بدأ في عام 2018 أتاح تكوين قاعدة بيانات غير مسبوقة لأكثر من 1460 جهادياً نشطوا بين عامي 2010 ونهاية 2019، عن أن الإنتماء للسلفية – غير العنيفة – يعتبر أول خطوة للإنتقال نحو السلفية الجهادية العنيفة.
ليس كل السلفيين، جهاديين، لكن الجهادية الفرنسية تستمد قوتها من السلفية الفرنسية. يشترك هذان الاتجاهان في أسس متطابقة الرؤية نفسها المطلقة للدين الإسلامي. في فرنسا، يرى كلاهما عدم توافق جوهري بين الإسلام والجمهورية، التي ينكران قيمهما. والفرق بين هذين الشكلين من السلفية ليس من جهة، انتشار الإسلام وتطبيق الشريعة في أقسى أشكالها وحرفيتها، ولكن في الوسيلة: الدعوى عند السلفية غير العنيفة والعنف لدى الجهاديين. فعندما ننظر إلى مسار الجهاديين، يوضح هذا الكتاب أنه يجب علينا التمييز بين مسارين: أحدهما يمر بالسلفية، والآخر يذهب مباشرة إلى الجهادية. يصف النهج الديني والإيديولوجي المسارات الفكرية والروحية للوصول إلى الجهاد، ويبرز دور السلفية في رحلة نصف الجهاديين الفرنسيين على الأقل. تسلط إعادة تشكيل الشبكات الضوء على الآليات الدقيقة للنشاط والتجنيد والالتزام، والتي يتم تشكيلها قبل كل شيء على المستوى المحلي، في مناطق محفوفة بالمخاطر لطالما تغلغلت فيها الإسلاموية.
وعلى الرغم من أن الدعاية عبر الإنترنت هي محرك قوي لنشر الإيديولوجيا وتعبئة النشطاء واستقطاب الكراهية، إلا أن الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي نادراً ما تكون كافية لشرح المشاركة الحقيقية للجهاديين. العنصر المحدد هو بالأحرى قدرة الجهادي الطموح على الاتصال بجهاديين آخرين من بين أمور أخرى - أو بالأحرى الاتصال بهم بالفعل.
 إن العنصر المحدد في الواقع هو وجود المجندين الجهاديين. ولا يجد هؤلاء المجندون كثير عناء في إقناع قطاع واسع من شباب الضواحي بعلوية الهويات الدينية فوق قيم الجمهورية والمشترك الاجتماعي، لأن أجيالاً عدة من الإسلاميين و"الإخوان المسلمين" ونشطاء التبليغ والسلفيين الذين ساهموا، عن قصد وعن غير قصد، ولكن مع رؤية دينية موحدة في العديد من النقاط، في أشكال واسعة أو أقل من التشاركية. أدى وجودهم، على المدى الطويل، إلى قلب الأعراف لصالح الهوية الدينية وعلى حساب أعراف الجمهورية وقيمها. يفسر هذا الوضع الطبيعي الجديد السهولة التي يمكن للأفراد الذين يبدون بعيدين من الدين أن يتحولوا بسرعة إلى الجهاد: هذه المعايير تبدو لهم كحقيقة لا تقبل التحدي، وينتهي بهم الأمر إلى تبنيها. من خلال المسح البياني يقدم هذا الكتاب دراسة دقيقة لآليات التوظيف وتشكيل القطاعات والشبكات على المستوى المحلي.
Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 9 + 3