كتب احمد نظيف: أوروبا في مواجهة الشبكات التركية الإستخباراتية والدينية

خاص عربي برس

2021.03.01 - 08:02
Facebook Share
طباعة

 

على نحو متصاعد، مازالت السياسات التركية تجاه الإتحاد الأوروبي تتسم بالحدة والتوتر. لا تتوقف الصحف الأوروبية يوماً عن نشر تحقيقات حول الشبكات التركية الإستخباراتية والدينية داخل الدول الأوروبية ونشاطاتها الإختراقية.

في 25 شباط الحالي كشفت وثائق سرية حصل عليها موقع "نورديك مونيتور" السويدي أن الدبلوماسيين الأتراك يواصلون جمع معلومات استخبارية عن منتقدي ومعارضي الرئيس رجب طيب أردوغان في ألمانيا وسويسرا واليونان على الرغم من التحذيرات المتكررة من الدول المضيفة بأن تركيا يجب أن تتوقف عن التجسس على سكانها. وبحسب الوثائق، تم الكشف عن عمليات جمع المعلومات غير القانونية وأنشطة المراقبة التدخلية التي قام بها الدبلوماسيون الأتراك المعينون في سويسرا وألمانيا واليونان في عام 2020 والبيانات المتبادلة بين وزارة الخارجية التركية ومديرية الأمن العام. وتؤكد الوثائق أن أنشطة التجسس من قبل الدبلوماسيين مستمرة، رغم أن مثل هذه الحملات تسببت في مشاكل في العلاقات الثنائية بين تركيا وهذه الدول.

قبل ذلك كانت صحيفة "جورنال دو ديمانش" قد نشرت تحقيقاً كشفت فيه عن تقارير أرسلتها أجهزة المخابرات الفرنسية الداخلية والخارجية الى الرئيس ماكرون تتحدث عما أسمته بــ"تسلل تركي على نطاق واسع"، وعن الأهداف الاستراتيجية التي تقف خلف هذا التسلل الذي انطلق من أنقرة عبر شبكات تديرها السفارة التركية وجهاز المخابرات التركي. ووفقاً للمخابرات الفرنسية، فإن سلطة أنقرة تأتي عبر "السيطرة على الجالية التركية" بفضل مجرّة تضم نحو 650 جمعية، ينسقها اتحاد كونفدرالي ليس ممثلاً فقط في فرنسا؛ ولكنه موجود أيضاً في ألمانيا وبلجيكا ودول أخرى كهولندا. ويكشف أحد التقارير، الذي اطلعت عليه الصحيفة، عن "التأثير في القرارات السياسية للتدخل التركي، كما أن المديرية العامة للإحصاء تمكنت من مراقبة المخططات التي تهدف إلى تقديم المرشحين الفرنسيين الأتراك على أكبر عدد من القوائم في بعض المدن الفرنسية؛ بحيث يكون لأي قائمة فائزة مرشح تركي واحد على الأقل يمكنه المساهمة في الدفاع عن أنقرة، وخلصت تلك التقارير إلى أن هذه المناورات أدت إلى انتخاب العديد من أعضاء المجالس البلدية المعروفين بتعاطفهم مع نظام أردوغان. وبرغم أن إسماعيل حقي موسى، السفير التركي لدى فرنسا، نشر رداً على صفحات الجريدة الفرنسية، إلا أنه حاول أن يتجاهل هذه التقارير وشبكات التأثير التركي في الداخل الفرنسي، وذهب بالرد نحو الحديث عن دوره كسفير وعن الصراع التركي الأوروبي شرق المتوسط، مهدداً الصحيفة برفع دعوى تشهير في المحاكم.

 ويؤكد هذه التقارير المعركة التي دخلت فيها المنظمات الإسلامية التركية المرتبطة بأنقرة خلال الأيام الأخيرة داخل المجلس الفرنسي للعبادة الإسلامية، بعدما رفضت التوقيع على "ميثاق مبادئ الإسلام في فرنسا" الذي صيغ بالتوافق مع الحكومة الفرنسية لإعادة تنظيم شؤون الإسلام داخل فرنسا. فقد رفضت كل من "لجنة تنسيق الجمعيات التركية الإسلامية في فرنسا ـ وهي منظمة تابعة إدارياً ومالياً للحكومة التركية ـ و"حركة الرؤية الوطنية للمجتمع الإسلامي" (مللي غوروش) – الجناح الأوروبي للإسلام السياسي التركي والمقربة من حزب "العدالة والتنمية" الحاكم – التوقيع على الميثاق لأنه "يفتري على الإسلام" بحسب زعمها، لكن سبب الرفض الحقيقي هو الفصل السادس من الميثاق الذي يدين تيار الإسلام السياسي والولاء للخارج والدعاية السياسية داخل المساجد ودور العبادة، وهو ما سيدفع هذه المنظمات إلى فقدان رافدها المالي والسياسي، إذ يمكن أن تبقى 260 جمعية إسلامية تركية من دون إمام لأن الميثاق يمنع جلب أئمة مساجد من الخارج.

 وقالت الحكومة الفرنسية، بلسان وزير الداخلية جيرالد درامان، إن المنظمات التي لن توقع على الميثاق يجب أن تنفصل عن المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية، وأنه سيتم تشديد الرقابة على الجمعيات التابعة لتلك المنظمات. وقد أعطت هذه الخطوة مؤشراً للجانب الفرنسي حول مدى جدية المسعى التركي لتحسين العلاقات، إذ تدرك باريس جيداً أن هذه المنظمات تأتمر بأوامر أنقرة، وأن رفضها التوقيع محاولة من أردوغان لكسب مزيد من الوقت والأوراق للدخول في تفاوض مباشر حول تنقية العلاقات مع فرنسا ومع الاتحاد الأوروبي، إذ تشهد العلاقات التركية مع النمسا وهولندا واليونان تأزماً مماثلاً، فيما تعاني النمسا وهولندا أساساً من المعضلة نفسها، وهي شبكات التأثير التركي الدينية والسياسية داخل المجتمع.

عرفت العلاقات التركية الفرنسية خلال عام 2020 أزمة غير مسبوقة، وصلت إلى حد تبادل الشتائم بين الرئيسيين إيمانويل ماكرون ورجب طيب أردوغان، ومع بداية العام الجديد، برزت مؤشرات الى تحسن في العلاقات بعد تصريحات أردوغان خلال لقاء مع المفوض الأوروبي وبداية المباحثات مع اليونان بشأن قضية التنقيب عن الغاز شرق المتوسط.

بموازاة ذلك، بعث الرئيس الفرنسي رسالة "إيجابية جداً" إلى نظيره التركي، وأبدى رغبته في تطبيع العلاقات مع أنقرة ولقاء أردوغان، بحسب صحيفة "ديلي صباح" التركية. وأشار وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو إلى أن الرسالة تبدأ بتحية مكتوبة بيد ماكرون باللغة التركية: "يا عزيزي طيب!". وذكر أن أردوغان بدوره أعرب عن استعداده للتواصل مع ماكرون من أجل تطبيع العلاقات، موضحاً أن الحديث يدور أولاً عن اتصالات هاتفية وبواسطة الفيديو.

 وأكد وزير الخارجية التركي أن خريطة الطريق المنسقة بينه وبين نظيره الفرنسي جان إيف لودريان تضم أربع نقاط، وهي التشاور على المستوى الثنائي، ومحاربة الإرهاب، والقضايا الإقليمية ومنها سوريا وليبيا، بالإضافة إلى التعاون في مجال التعليم. لكن الأمور ما لبثت أن عادت سيرتها الأولى. في بداية شباط الحالي دعت فرنسا تركيا الى سحب قواتها من ليبيا، وانتقدت القمع الذي تعرضت له الحركة الطلابية التركية خلال حوادث جامعة البوسفور الأخيرة في إسطنبول، فكان رد أردوغان شخصياً وبعيداً عن واجبات التحفظ الدبلوماسي كعادته، مشيراً إلى أن ماكرون: "يبدو أنه لم يتعلم هذا الأمر، وتعلمه يتطلب الكثير من الوقت". لكن الملفات الخارجية ليست وحدها العقبة أمام استئناف العلاقات بين البلدين، حيث ما زالت قضية الشبكات التركية المؤثرة في الداخل الفرنسي تراوح مكانها، وسط حرب تخوضها باريس ضد الجماعات الانفصالية الإسلاموية، ومن بينها جماعات تدين بالولاء للنظام الحاكم في أنقرة.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 4 + 2