كتب أحمد نظيف: «رهائن الإسلاموية».. مسلمو «أوروبا» والتأثيرات الخارجية

خاص عربي برس

2021.03.04 - 08:06
Facebook Share
طباعة

 في نهاية شهر أكتوبر الماضي، خرج وزير الداخلية الفرنسي جيرالد دارمانين من اجتماع مغلق لمجلس الدفاع الوطني وقال للصحفيين بصراحة غير مألوفة في مثل هذه المواقف إن الرئيس إيمانويل ماكرون قد أعطى الإذن لجهاز المخابرات بالشروع في "إجراء عمليات مكافحة التأثير التي تستهدف المسلمين" في الداخل الفرنسي، والتي تقودها دول لم يسميها. كان ذلك التصريح لافتاً وغير مسبوق، أعقبته إجراءات رسمية أمنية وقضائية استهدفت عشرات المساجد والمنظمات والأفراد، بتهم تراوحت بين التطرف والدعوة إلى الكراهية والتمويل المشبوه.
لكن تصريح الوزير الفرنسي لم يكن إلا تأكيداً للمعلومات التي دأبت وسائل الإعلام الفرنسية والنخب الأكاديمية على نشرها على مدى سنوات، حول دول وجماعات تحاول أن تسيطر على الجاليات المسلمة والفرنسيين المسلمين لتوظيفهم في برامجهم السياسية في مواجهة الدولة الفرنسية أو في تدعيم مسارات توسعهم الفكري والميداني والمالي. بل أكدتها تقارير رسمية، أبرزها ما صدر عن لجنة تحقيق تابعة لمجلس الشيوخ الفرنسي في يوليو الماضي عندما كشفت عن أن "مؤيدي الإسلام السياسي يسعون إلى السيطرة على الإسلام في فرنسا" من أجل ما أسمته صراحة "إنشاء الخلافة"، وقالت إنهم يغذون في بعض المدن "نزعة انفصالية".
والحالة الفرنسية ليست إلا جزءاً من حالة أوروبية عامةً، أو بعبارة أخرى حالةً نموذجية، حيث تحول مسلمو القارة العجوز إلى أشبه بالرهائن لدى تيار واسع يضم دولاً وجماعات يريد خوض معارك "التمكين" متكئاً على الإسلام، لا باعتباره عقيدة وسلوكاً، بل برنامجاً سياسياً.
تحاول هذه المقالة أن الوقوف على حقيقة عمليات التأثير الإيديولوجي والسياسي التي يتعرض لها مسلمو أوروبا، ومن يقف ورائها من دول وجماعات، والأدوات والآليات المستخدمة في هذه العمليات. وكذلك السياسات الرسمية لكسر هذا التأثير وحدودها.
خضع مسلمو فرنسا منذ الهجرات العمالية الأولى من المستعمرات الأوروبية القديمة في بداية خمسينات القرن الماضي إلى أنواع متعددة من التأثير، سواءً من حيث الاليات أو الأطراف. وإلى حدود نهاية ثمانينات القرن الماضي كانت الدول المغاربية أبرز المؤثرين على الساحة الإسلامية الأوروبية، من خلال شبكات من المساجد والجمعيات التي تعبر عن فهم إسلامي خاص بهذه الدول، التي حاولت تأطير الأعداد الكبير من جالياتها في فرنسا، لأسباب إقتصادية وسياسية تتعلق بمنع انخراطها في الجماعات الإسلامية المعارضة، والتي وجدت في دول أوروبا الغربية مستقراً لها.
لكن مند التسعينات بدأت خارطة النفوذ تتحول تدريجياً نحو صعود فاعلين جدد على الساحة. جماعات إسلامية سياسية، على رأسها الإخوان المسلمون ودول إسلامية تريد كسب نفوذ على الساحة الأوروبية بينها تركيا وقطر. ومنذ بداية الألفية الجديدة وتبلور مشروع تحالف واسع بين الجماعة وقطر وصعود حزب العدالة والتنمية التركي إلى السلطة في أنقرة، بدا واضحاً أن تأثير هذا التيار الواسع قد تعاظم بشكل غير مسبوق، فيما بدا المؤثرين القدامى يفقدون سلطتهم الأدبية والدينية على جموع واسعة من مسلمي أوروبا.
وقد كان لافتاً خلال الأزمة الأخيرة التي تفجرت بين فرنسا والنمسا من جهة وتركيا من جهة أخرى، في أعقاب العمليات الإرهابية التي ضربت البلدين الأوروبيين، التأثير التركي الواضح على القواعد المسلمة الأوروبية في مقابل ضعف بقية الأصوات المغاربية التقليدية كالمغرب والجزائر وتونس، حيث حاول الرئيس التركي منذ انطلاق الأزمة أن يقدم نفسه للعالم وخاصة لقادة أوروبا بوصفه "المسؤول الأول على المسلمين في العالم"، في تماهٍ ليس غريب عن سياسات حزب العدالة والتنمية، مع السرديات "العثمانية الجديدة" القائمة على برنامج توسعي يحاول إدراك الحدود التاريخية للدولة العثمانية من جهة وفرض نوع من السيادة الروحية والسياسية على العالم الإسلامي. في محاولة لإعادة إنتاج تاريخي معاكسة تماماً لحركة التاريخ.
واليوم تحكم تركيا قبضتها على إسلام فرنسا على نحو صارم، يتحول فيه الأتراك الفرنسيون إلى أعمدة أمامية في سياسات تركيا الخارجية لتسييس الإسلام. إنه تحالف بين الدين في خدمة السياسة والسياسة في خدمة النظام.
باكراً تفطنت تركيا إلى السديم الإسلامي المهمل في القارة الأوروبية، مستغلة الظروف الإقتصادية والسياسية للعديد من الجاليات المسلمة في اذكاء نزعات الهوية الانعزالية عن مجتمعاتها. فمنذ وصول حزب العدالة والتنمية إلى السلطة في العام 2002 بدأت أنقرة في بناء شبكات أوروبية تدين لها بالولاء وتستغل وجود ملايين المسلمين خاصة من الأصول التركية.
فقامت بتعزيز أذرعها الدينية من خلال الاتحاد الإسلامي التركي للشؤون الدينية، ويوازي وزارة الأوقاف، ولديه العشرات من الفروع في أغلب الدول الأوروبية، إذ يدير في فرنسا حوالي 300 مسجد وفي ألمانيا يسيطر على نحو 860 مسجدًا و يضم في عضويته 800 ألف شخص ويدفع الرواتب الشهرية لحوالي 970 إماماً في ألمانيا. وتقوم السلطات التركية بدفع رواتب أئمة هذه المساجد وتدريبهم في داخل تركيا، في مقابل الهيمنة على قطاعات واسعة من الجالية والدعاية لبرنامج حزب العدالة والتنمية وحشد القواعد الانتخابية في الخارج.
وقد نجح الدعم التركي في إيصال أحمد أوغراس، رئيس فرع الاتحاد الإسلامي التركي للشؤون الدينية في فرنسا إلى رئاسة "مجلس الديانة الإسلامية" أعلى هيئة تمثل المسلمين في فرنسا في العام 2017، وقد كان ذلك الحدث لافتاً جداً، لجهة السيطرة المغاربية التقليدية على قيادة المؤسسات الإسلامية في فرنسا. كما سيطر الفرع النمساوي منذ سنوات على الهيئة الدينية لمسلمي النمسا، والتي تدير نحو 360 مسجداً ولها صلاحيات تعيين أئمة المساجد وتدريبهم وتعيين مدرسي التعليم الديني في المدارس الرسمية، بإعتبار الإسلام أحد الأديان الرسمية في قوانين الدولة النمساوية.
وإلى جانب الإتحاد تعتمد أنقرة في مد هيمنتها على الفضاءات الإسلامية الأوروبية على حركة "ميللي غوروش"، وهي الذراع الأوروبي للحزب الذي أسسه نجم الدين أربكان في ستنيات القرن الماضي، والذي يمثل حزب أردوغان اليوم امتداده التاريخي. وهذه الحركة التي تعتبر، النسخة التركية للإخوان المسلمين تضم داخلها نحو 100 ألف عضو ناشط في القارة الأوروبية نصفهم في ألمانيا، التي تضم القمر الرئيسي للحركة في مدينة كولونيا، كما تشرف على 300 مسجد في فرنسا ولديها حوالي 19 ألف عضو عامل.
بموزاة الشبكات التركية، لا تكف جماعة الإخوان المسلمين عن مواصلة تجذير وجودها القديم ضمن الشتات الإسلامي في القارة الأوروبية، حيث شكلت أجواء القطيعة بينها وبين الأنظمة العربية منذ ثمانينات القرن الماضي دافعاً لها كي تستقر في دول أوروبا الغربية مستفيدة من فرص اللجوء السياسي ومن مناخ الحريات السياسية وعدم تدخل الدولة في النشاط الديني لتسيطر على شبكة واسعة من المساجد والجمعيات وهيئات التمثيلية للمسلمين، الإتحادات الطلابية والراوبط المهنية والجمعيات النسوية والخيرية وكذلك مجموعة واسعة من المشاريع التجارية الربحية.
ويمثل إتحاد المنظمات الإسلامية في أوروبا منذ عقود، الفرع الأوروبي لجماعة الإخوان المسلمين، وقد عمد في العام 2017 إلى تغيير إسمه إلى "مسلمي أوروبا" في سياق سياسة إخوانجية جديدة أعقب سقوط نظام الجماعة في مصر والتحولات الدولية التي شهدتها الجماعة في أعقاب صعود دونالد ترامب إلى رئاسة الولايات المتحدة الأمريكية. لكن هذا التحول في الإسم لم يغير كثيراً من طبيعة عمل الإتحاد، في مواصلة النهج التوسع والسيطرة على مجتمع الجاليات المسلمة في أوروبا من خلال المساجد أولاً ومن خلال المؤسسات التعليمية الدينية ثانياً. ويضم الإتحاد تحته 27 فرعاً يمثلون الدول الأوروبية، لكن ثقله الأساسي يوجد في ألمانيا وفرنسا، حيث يسيطر في فرنسا وحدها على أكثر من 300 منظمة. ويدير ما يعرف بــ" المجلس الأوروبي للبحوث والفتوى يرأسه يوسف القرضاوي المرشد الروحي للإخوان المسلمين.
وتملك جماعة الإخوان المسلمين في أوروبا شبكة كبيرة من المؤسسات التعليمية تحت إسم "المعهد الأوروبي للعلوم الإنسانية" تقوم بتقديم دورات تعليمية دينية وفقاً للنهج الإخوان وتدريب أئمة المساجد، ولها فروع في فرنسا وألمانيا وبريطانيا وهولاندا، وتمول هذه المعاهد من الدولة القطرية، بحسب الوثائق التي كشفها تحقيق استقصائي أوروبي استهدف في العام 2018 نشاط مؤسسة قطر الخيرية.
لكن اللافت في السنوات الأخيرة هو التقارب الكبير بين الشبكات التركية والشبكات الإخوانية، حيث ساهمت التحالفات الإستراتيجية بين جماعة الإخوان والنظام التركي في تنسيق العمل والمواقف والبرامج بين ممثليهم في القارة الأوروبية. فقد تحول الفرع الأوروبي للجماعة إلى جماعة ضغط سياسي واجتماعي في الداخل الأوروبي لخدمة السياسات التركية والمواقف التركية، وقد بدا ذلك واضحاً خلال الأزمات الأخيرة التي اندلعت بين الإتحاد الأوروبي وتركيا في ملفات كثيرة، سواء ما تعلق بالأزمة الفرنسية أو اليونانية أو القبرصية وغيرهم.
فنحن إزاء تحالف واسع، يتحول يوماً فأخر إلى تيار متماسك، بين الشبكات التركية وشبكات الإسلام السياسي للسيطرة على الشتات الإسلامي الكبير في القارة الأوروبية واستخدامه أداةً في مواجهة الدول الأوروبية الرافضة للهيمنة التركية وكذلك لتدعيم أسس النظام في تركيا وخدمة أجندته الخارجية وايجاد محاضن مالية واجتماعية للجماعة التي تعاني مشاكل أمنية وسياسية في المنطقة العربية في سياق صراعها مع الدول.
ولعل تقرير مجلس الشيوخ الفرنسي لم يكن يبالغ عندما وصف هدف هذا النشاط بــ""إنشاء الخلافة"، فالعقيدة "التمكينية" لدى جماعة الإخوان المسلمين تضع فكرة "التمكين" هدفاً استراتيجياً لمجما عملها، السياسي والإجتماعي والديني، وهذه العقيدة توافقت مع أحلام الرئيس التركي بــ"السيادة الروحية والسياسية"على عموم العالم الإسلامي مدفوعة بنظرية "العثمانية الجديدة".

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 4 + 2