كتب نبيل صالح: ومازال الكتاب مرفوعاً على أسنة الرماح

2021.03.12 - 12:56
Facebook Share
طباعة

 

 
1
 
منذ أن رفع عمرو بنُ العاص وجنودُه القرآنَ الكريمَ على أسنَّة الرماح في معركة "صفين"، وصولاً إلى معارك الإخونج التي تطلب الحكم بالقرآن، وهذا الكتاب السماوي يستخدم في صراعات أرضية ، بينما جمهورُ المسلمين هو الخاسرُ أبداً، ذلك أن القرآن كما قال الإمامُ علي "حمّال ذو وجوه، تقول ويقولون"، وهو قابلٌ للتأويل، حيث استخدمَتْ آياتُه لشرعنة مصالح كل فرقة إسلامية ضد الفرقة الأخرى، وتبعاً لذلك كانت آياتُهُ مصدرَ خلافٍ بين المسلمين، أكثرَ مما هي وسيلة لاجتماعهم، وكما انشقت فرقةُ الخوارج عن جيش عليّ في صِفِّين لعدم قبولها بالتحكيم، فإن الانشقاقات الإسلامية لم تتوقف عبر العصور اللاحقة عن إنتاج الخوارج الذين يريدون إقامة الدولة الإسلامية، دون أن نعرف النموذج التاريخي الذي سيعيدون إنتاجه، فلطالما كانت الدول الإسلامية متصارعة فيما بينها... والواقع أنَّ كلَّ جماعة إسلامية أنتجت نموذجها الاستبدادي الذي ولدته طموحاتُها ومخاوفُها وعصبياتُها، كما كان عليه الحال في دولة الإخونج التي دالت وزالت خلال عامين في مصر، وانتهت في السودان بعدما ضيعت جنوبَه، وستفشلُ في بقية البلدان التي يصارع عليها الإخونج، بسبب الخلل الفكري والتنظيمي في بنيتها المؤسِّسَة وشكها الدائم بكل من حولها، منذ تأسيسها عام 1928 حتى قيام الربيع الإخونجي سنة 2011... ذلك أن طروحات الدولة الإسلامية أثبتت فشلَها على مر العصور... فالإسلامُ قد يناسبُ الناسَ روحياً وأخلاقياً، ولكنه يخرب حياتَهم عندما يدخل في السياسة؛ ولهذا كنا وما زلنا نقول: العلمانية هي الحل، حتى بالنسبة للمتدينين، وقد رأينا بالأمس كيف انتقد مكتبُ الأمم المتحدة لحقوق الإنسان تصويت سويسرا على قانونٍ يحظِّرُ "النِّقاب"، معتبراً أن ذلك سيحدُّ من حرية المرأة في إظهار دينها أو معتقداتها وينتهك حقوق الإنسان.
 
2
 
أسَّسَ مصطفى مشهور، المرشدُ الخامسُ للجماعة، التنظيمَ الدوليَّ للإخوان عام 1982 بعد هربه من مصر إلى ألمانيا، حيث دخلت تحت مظلته مجموعة من الجمعيات والمؤسسات الأهلية والاقتصادية حول العالم، بهدف تحقيق مخطط الجماعة لأستاذية العالم عبر تبنِّي استراتيجية للتغلغل الناعم في المجتمعات الغربية... وتعرِّفُ أدبياتُ التنظيم "أستاذية العالم" بأنه هدف وصول جماعة الإخوان للحكم في كل البلدان العربية في وقت متزامن، وهي قريبة الشبه ببروتوكولات حكماء صهيون.. هذا و تنفرَّعُ جماعة الإخوان إلى 67 فرعاً حول العالم، يقسمها التنظيم الدولي جغرافيا إلى 7 مناطق، الأولى شمال أفريقيا: وتضم مصر وليبيا وتونس والجزائر والمغرب وموريتانيا، والثانية تضم دول أوروبا، والثالثة تضم دول أمريكا الشمالية واللاتينية وكندا، والرابعة شرق آسيا والباسفيك، والخامسة وسط آسيا، والسادسة اليمن والخليج وإيران وأفغانستان، والسابعة والأخيرة دول بلاد الشام، بحيث تبدو كشركة متعددة الجنسيات تعتمد أيديولوجية دينية عابرة للحدود، وهي أيديولوجية لا تعترف أصلاً بالدولة الوطنية، ولا بالحدود مع الدول، تنتج العنف والتعصب وتعرقل اندماج موظفيها في مجتمعاتهم المتنوعة...
ووفقاً لدراسة أعدَّها المركزُ الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب، تعتمد جماعة الإخوان وتنظيمها الدولي على قائمة كبيرة من الكيانات والتنظيمات التي تنفذ مخططات الإخوان في الخارج. وعلى رأس هذه الكيانات "المعهد العالمي للفكر الإسلامي، ومنظمة كير الإسلامية الأمريكية، واتحاد المنظمات الإسلامية في أوروبا والجمعية الإسلامية الأمريكية، والمجلس الثوري بتركيا، والاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، ومعهد الفكر السياسي الإسلامي بلندن. وتشمل أيضاً "الاتحاد الإسلامي في الدنمارك، وتحالف المنظمات الإسلامية. وقد كانت جماعة الإخوان بمصر مسيطرة على التنظيم الدولي بشكل كامل حتى منتصف عام 2013 حيث انتقل بعد سقوط إخوان مصر والقبض على قيادات التنظيم، إلى مكتب لندن بالشراكة مع مكتب تركيا حيث يديران المشهد بشكل عام لإنشاء دولة عابرة للقارات... 
 
3
 
ورد في كتابنا " رواية اسمها سورية" أنَّ الشيخ الحمصي مصطفى السباعي أولُ مراقبٍ عام لجماعة الإخوان المسلمين في سورية كان يميل إلى الفكر الاشتراكي من وجهة نظرٍ إسلامية حسب كتابه "الاشتراكية في الإسلام" وقد أيد الإصلاحُ الزراعي الذي أقرَّهُ جمال عبد الناصر في سورية، كما التزم بحل الجماعة على غرار بقية الأحزاب السورية أثناء الوحدة مع مصر، بالرغم من عداوة ناصر مع إخونج مصر، وعندما كان في اللجنة الدستورية مع رشدي الكيخيا أفتى بتعديل فقرة "الإسلام دين الدولة" التي أغضبت العلمانيين وكادت تتسبب بفتنة، لتصبح "الإسلام دين رئيس الدولة" في دستور 1950 وبالمجمل كان يوصف بأنه يمثل الجناح المعتدل في الجماعة، بينما اتسم جناح الشيخ الحموي محمد الحامد بالتشدد والانغلاق، وكان امتداداً لنهج الجماعة في مصر حيث استورد تلميذا الحامد: مروان حديد وسعيد حوى تجربة التنظيم العسكري السري لإخونج مصر، وقاموا بتمرد حماه 1964 فهاجموا مكاتب حزب البعث والخمارات دون أن يسجل التاريخ أي مطالب شعبية لهم، فاستدعى رد الفعل عليهم بعنف مماثل، ومن يومها غلب الجناح الراديكالي على إخوان سورية بقيادة "الطليعة المقاتلة" التي اغتالت فيما بعد من ضمن النخب البعثية الدكتور محمد الفاضل صديق مصطفى السباعي.. ومنذ اليوم الذي حلل فيه الإخونج الدم السوري بات دم الإخونج مباحا لمنافسيهم السياسيين، ومنذ اليوم الذي استعادوا فيه فتاوى تكفير الطوائف خسروا كل الطوائف السورية بما فيه الطائفة التي يتكلمون باسمها دون تفويضٍ من شيوخها، وبات كلُّ من يتحالف معهم خاسراً بالرغم من كل الدعم الخارجي لهم؛ ففي تمرد الثمانينات تحالفوا مع البعث العراقي (الكافر) ضد البعث السوري (الكافر) دون أن يُفهم المنطق الذي احتكمت إليه الجماعة سوى أنه فرز طائفي لم تعرفه الأحزاب السورية من قبل. وكذا تحالفوا مع النظام الأردني، ودعمتهم مخابرات السادات، والمخابرات الفرنسية، ثم خسروا جميعا في مواجهتهم مع الدولة السورية، وتسببت قيادات الجماعة، بضيق أفقها ومحدودية رؤيتها السياسية والعسكرية، بمقتل وتشريد أتباعهم ومريديهم لثلاثين عاماً خلت، وقد حاورتهم السلطات السورية مرتين في منتصف الثمانينات وأطلقت سراح معتقليهم بنية المصالحة دون جدوى... وعلى الرغم من مراجعاتهم لخطئهم التاريخي في حماة، وقيام السلطات بإلغاء المادة 59 من الدستور، والسماح بعودتهم منفردين، وإطلاق سراح سجنائهمبوساطة من حماس وحزب العدالة التركي عام 2009، فقد عادوا لتكرار الخطأ دونما أي تغيير في التفكير، فزجُّوا بأجيالهم الجديدة في أتون حرب تمكنوا من إشعالها ولم يعد بمقدورهم التحكم في مسارها، بعدما تم تدويل المسألة السورية، وبات تنظيمُهُم جزءاً تابعاً لمؤسسات النظام التركي الذي يرفع شعار العثمانية الجديدة، فعادوا من عاداه، وطالبوا جيشَهُ باحتلال الأراضي السورية دون تبيان الأسانيد الشرعية التي يستندون إليها في ذلك، بينما فصائلهم في إدلب مازالت ترفع الكتاب على أسنة السيوف وتحكم به جموع الناس هناك ولو كرهوا... ففي كل حروب الفرع السوري كانت الجماعة تشتري تذكرة الذهاب وتنسى تأمين تذكرة الإياب لتبقى عالقة على الحدود !؟
 
4
 
"سامح عسكر" مفكرٌ مصري علماني مؤمن، كان عضواً في جماعة الإخوان، وقد أنقذه عقله النقدي الحر من براثن الجماعة حيث كتب أفضل نقد موضوعي معاصر للإخونج من دون تجنٍّ عليهم... يقول "عسكر" في كتابه مدينة الإخوان:" إن أقل ما يقال عن معارك الإخوان المسلمين في سورية ومصر إنها كانت معارك على النفوذ والمال وليست للعلوم والاكتشافات الجديدة، وأن الإخوان يبحثون عن النفوذ والسلطان لإقامة دولتهم المزعومة استناداً لرؤيتهم حول دور العثمانيين في التاريخ المسمى إسلامي.." وعلى غرار ما فعل سبينوزا في كتابه "رسالة في اللاهوت" الذي فكك فيه بنيةَ اليهودية وعرَّى مزاعمَها الأسطورية، فقد ناقش عسكر أمراضَ الجماعة وأسبابَ سقوط دولتهم في مصر وعزاها إلى خلل تنظيمي وفكري داخل جماعة الإخوان يتحقق وينمو بدوام طبيعتها السرية.. ويرى "أن الجماعةَ مصدرٌ أصيلٌ للجهل والتطرف والاستغلال والتجارة باسم الدين، وأنه لا يمكن وصف سلطتهم في مصر بأنها سلطة عدل بل كانت سلطةَ قوةٍ حاولت فرضَ نفسها وإيجابَ طاعتها على الجميع. وما زاد الأمرَ سخونةً هو تدخلُ رجال الدين المتشددين لصالح السلطة إذ حولوا مصر إلى دولة دينية مفككة. وقد تعدى الإخوان صراعهم مع المعارضة إلى صراعهم مع الشعب نفسه، حيث وصفوا كل من يتظاهر ضدهم بأوصاف إقصائية "كالفلول والبلطجية"، ولم يكن لخطابهم أي مصداقية قد تشجع على الحوار، فظهر من سلوكهم بأنهم يقولون ما لا يفعلون، وأن التقيَّةَ أصبحت عنوان الجماعة، حيث يكتم القائد أكثر مما يبدي لجنوده، وفي كثير من الأحيان يضطر للكذب إذا ما رأى أن مصلحة الجماعة تقتضي ذلك، لأن من أكثر العلوم الفقهية الشرعية التي يعمل بها قادتهم هو "فقه الأولويات والموازنات" والذي يتم تدريسُهُ للمراحل المتقدمة في الجماعة ولكن بمعزل عن الأخلاق، على الرغم من أن الأخلاق هي أداتُهم المعلنة بالدعاية بين البسطاء وأوساط المتعلمين... فالتربية الفكرية للإخوان آثرت الابتعاد عن رؤى التنوير ونقد الذات إلى رؤىً أكثرَ أصولية، فكان أغلبُ مؤيديها وأنصارها من التيار الأصولي السلبي والمتشدد، فالوعيُ الجمعي للإخوان لايزال متأثراً بخديعة القرون المفضلة حيث يعتقدون أن عصور السلف هي أفضل عند الله من عصرنا هذا، وأن السابقين هم أفضل عند الله من اللاحقين، وهذه خدعة أنتجتها أنظمة الفكر السلفية التقليدية وتم حشوُها بأحاديثَ باطلة جعلت مجرمي وظالمي العصور السابقة أفضلَ عند الله من المحسنين والعاقلين في العصور اللاحقة " !؟
 
5
 
يعرف ساسة الغرب ومراكزهم البحثية قابلية العرب المسلمين الدائمة للصراعات الدينية، لهذا عملوا على استبدال عدائهم القديم لإسرائيل بالعداء السُّني الشيعي، وكان اختيارهم للإخونج موفقاً لإشعال هذه الحرب في سورية، حيث بدأت عناصرُ الإخوان بمذهبة الصراع منذ الشهر الأول للتمرد دون أن تنجرَّ قوى الدولة السورية إلى ذلك بالرغم من الخسائر المؤلمة... ويقول المفكر سامح عسكر في كتابه الأزمة السورية: "أكثرُ ما أقلقني في الوضع السوري هو ضعفُ الانتماء الذي بدا واضحاً بين صفوف الثوار، حتى أدى بهم هذا الضعفُ إلى طلب العون من أعدائهم الافتراضيين فتحوَّرَ بذلك الصراع من طريق لآخر" وقد أدان عسكر في دراسته "الثورة" أكثر من الحكومة كونها تسببت في إعلاء نزعة عدوانية يضعف بها الانتماء للوطن لصالح الدين والمذهب". ويرى "أن المقدمات الخاطئة أعطت نتائج خاطئة حيث تم الخلط بين مذهبية النظام وبين أيديولوجيته الفكرية والتي تعطيه بعداً قومياً فينشأ التعامل معه على أساس تصنيفي بينما الواقع يشهد بتنوعه الأيديولوجي والمذهبي على عكس الكثير من الدعاية التي تروج لأشياء أخرى ليست لها علاقة بالنظام..." وعلى الرغم من انتقاد عسكر للنظام بكونه أحد أسباب الأزمة فقد رأى "أن الترويج لطائفية النظام السوري غير صحيح ولا يجوز لأنه يترافق في العادة مع خطاب طائفي لمعارضي النظام السوري في الداخل والخارج بدلالة فتاوى الشيوخ ضد النظام السوري وضد العلويين ووضعهم في نسقٍ واحد.. أيضاً بدلالة تكفير العلويين تمهيداً للقول بأحقية خلع والانقلاب على الرئيس كون بشار الأسد (حاكم كافر) كما يدَّعُون... وهذه النوعية من التفكير سطحية حيث يقع الشيوخ فيها لجهلهم بأسس وقواعد الحكم الشرعي الصحيح والذي يخلط الحكم الشرعي بالسياسي ولكلٍّ علومُهُ الخاصة... فالسمة العامة لخطاب المعارضة الدعائي هي سمة أيديولوجية تمسُّ المذهبَ والعِرْقَ والفكرَ عند القواعد الجماهيرية والقيادية الدينية التي يمكن رصدها في إعلامهم، بينما لم نر في خطاب النظام السياسي وفي خطاب مؤيديه أي خطاب طائفي، بل وجدنا خطاباً وحدوياً يضع جميع الفرق والمذاهب والأيديولوجيات في نظام واحد ويربطهم جميعاً مصير واحد. وإذا نظرنا إلى الظرف الإقليمي فسنجد أن الصراع في سورية لا يبتعد كثيراً عن الصراع المعتاد بين الإسلام السياسي والعلمنة، وكأن الحرب في سورية تكرار لصراع أتاتورك مع العثمانيين".
 
6
 
هل فعلا خطف الإخونج الثورة السورية كما يتباكى ثورجيُّو اليسار؟
منذ البداية كان التمرد بإدارة إخونجية وقودُها التركمان، إذ اشتعلت في أحياء وقرى التركمان من درعا إلى حمص فبانياس فاللاذقية فحلب، وقد انضم إليها الكثير من المهمشين والمظلومين ومغفلي اليسار الذين أعمتهم كراهيتهم للنظام بحيث قبلوا أن يكونوا خدماً في صفوف من هم أسوأ منه بما لا يقاس، وانتهوا بعد عشر سنوات من الخسائر إلى الفوز بـإمارة إدلب الإسلامية بإدارة فرع الإخونج التركي الذي يعمل على فصلها عن الوطن الأم، واستخدامها كقاعدة سلفية بديلة خارج حدود الجمهورية التركية كونها محكومة بالقوانين العلمانية التي تقيد عملهم... هذا ما حصل عليه الثوار بأطيافهم كافة حتى الآن بسبب وضع يدهم بيد الإخونج الذين استغلوهم طوال سني الحرب، ثم راحوا يتباكون على الثورة التي خطفها الإخونج، فيقول د.برهان غليون رئيس الائتلاف المعارض السابق في كتابه عطب الذات ـ وقائع ثورة لم تكتمل: "إن الإخوان المسلمين كانوا السبب في فشل المجلس الوطني المعارض حيث استخدموه للتغطية السياسية على نشاطاتهم الخاصة والمستقلة، وكانوا يتحمسون حيث توجد نشاطات تخدم أهدافهم، ولا يترددون في تعطيل أي مشروع لا يفيدهم... ولأنهم يملكون قدرات مالية لا تملكها أية قوة علمانية فقد كان لهم الدور الكبير في أسلمة الفصائل... وقد نقلت العسكرة "قيادة الثورة" من السلطة المدنية إلى السلطة العسكرية، وتم تقويض الأجندة الديمقراطية، وارتفعت شعارات ثورة إسلامية واهمة، وتغيرت صورة الانتفاضة من سلمية تهتف للحرية والكرامة إلى صورة حرب أهلية... وتشكلت عشرات الفصائل الكبيرة ومئات الفصائل الصغيرة في ظل فوضى عسكرية لا مثيل لها، وقد وقف الإخوان المسلمين ضد تنظيم القوى العسكرية وإخضاعها لقيادة سياسية، ورأى السلفيون في الدعوة إلى توحيد الكتائب "مؤامرة يقودها العلمانيون"... ويخلص "غليون إلى "أن الدين لم يكن عامل توحيد سياسي بقدر ما هو عامل ترسيخ للانقسامات وشرعنتها، وأن تسلط الإسلاموية السياسية على (الثورة) وضع القضية السورية في طريق مسدود، وتكونت قناعة مشتركة لدى الغرب بأنه لا يوجد بديل للأسد أفضل منه، فانتقل تركيز المجتمع الدولي إلى محاربة الإرهاب، وأصبح بقاء الأسد البديل الأفضل لديه".
 
7
 
كل الفصائل الإسلامية خرجت من عباءة الإخونج الذين ما زالوا يرفعون المصاحف على سيوفهم وهي تقطر بالدماء، والقسم الأكبر من العنف المتدفق في البلدان الإسلامية كان بسببهم، وتحمل الأنظمة العربية الاستبدادية المسؤولية في عدم النهوض بمجتمعاتها السلفية، كون عملية التحديث لديها بقيت على السطح ولم تدخل في عمق ثقافة المواطنة، واقتصرت حلولها على الضبط الأمني وفرض التعايش بين مكوناتها بدلاً من التنمية الثقافية والدمج الإثني والطائفي ضمن الهوية الوطنية الجامعة ، ذلك أن البنى السلفية ما زالت تشغل حيزاً كبيراً في عقل السلطة التي تدعو إلى الحداثة بينما هي تسبح في نهر من العصبيات، هذه السلطات التي ما زالت تعيد إنتاج سياساتها وأخطائها التي تعيد بدورها إنتاج حروبها مع الإخونج منذ نصف قرن، في سورية ومصر وتونس والجزائر وليبيا والسودان والصومال، بينما تماهت الممالك والمشيخات مع البنى السلفية حتى لم يعد هناك فرق أو خلاف بينها، ولكنها بقيت رهينة قوى الغرب العلماني الذي يمتص نفطها مقابل حمايته لها.
نحتاج إلى ثورة ثقافية عربية تنظف العقول من عفن السلفية وفيروساتها القاتلة، وأنظمة ديمقراطية تؤمن حياة كريمة لمواطنيها، حينها لن تجد جماعة الإخونج مريدين لها بعد تجفيف مستنقعاتها من الجهل.. وقد آن الأوان للإخوان أن يتعظوا من نكساتهم وينزلوا المصاحف عن أسنتهم كونها وسيلة للعبادة وليست للقتل، فقد توقف الفرد العربي عن الاهتمام بالأحزاب السياسية والدينية العتيقة، وملّ من الشعارات المجوفة، وهو يريد أن يعيش بأمان ورغد حتى لو استدعاه الأمر أن يهاجر من وطنه، حيث نشهد اليوم كيف تتسرب القوى العاملة والخبرات الوطنية والكثير من المجاهدين الذين كانوا يرفعون أعلام دولة الإسلام وآخرهم إسلام علوش الناطق باسم جيش الإسلام، إلى البلدان العلمانية حيث يمكنهم أن يجدوا فيها حياة أفضل...! وإذا استمر تنظيم الإخونج متحجراً في قوقعته بينما العالم يتحرك بتسارع مطرد بعيداً عن متحفهم السلفي فمحكوم عليه بالتلاشي ولن يبقى منه سوى درس في مادة التاريخ يحكي عن الجماعات السلفية المنقرضة في البلاد العربية في منهاج أحفادنا.
 
 
Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 1 + 7