كتب أحمد نظيف: هل سينجح الأوروبيون في كسر التأثير الخارجي على مسلمي القارة؟

2021.03.17 - 09:02
Facebook Share
طباعة

 
لأسباب تتعلق بالنزعة "اللاتدخلية" للدولة الأوروبية في النشاط الديني و التعامل مع المسلمين كورقة انتخابية، تراكمت قضايا اندماج مسلمي أوروبا في مجتمعاتهم، حتى تحولت إلى معضلة واستفاقة أوروبا خلال السنوات الأخيرة على مجتمعات مسلمة منعزلة عن وسطها الإجتماعي العام، لأسباب اقتصادية ودينية وثقافية، نجحت الشبكات التركية والإخوانية في كسبها إلى صفها في مواجهة الدولة.
وقد اكتشف الأوروبيون أن "مشكلة التطرّف العنيف" التي استهدفت مدنهم طوال السنوات الاخيرة كانت لها أسباب مباشرة تتعلق بالأحداث الأنية وأخرى غير مباشرة ترتبط أساسا بالسرديات الإسلامية التي شكلت حزاماً ناقلاً للتطرف . فقد تبين أن أعدادا كبيرة من الشباب الأوروبي المسلم،  الذين هاجروا إلى سوريا والعراق سوريا للقتال في صفوف الجماعات الإرهابية قد نهلوا قبل هجرتهم من مساجد الجمعيات الاسلامية التي تسيطر على ضواحي المدن الأوروبية. وقد بدا واضحاً  ان الارهاب الذي ضرب الكثير من الدول الأوروبية طوال السنوات الخمسة الاخيرة وقبله مبني على انتشار الايديولوجيا الاسلامية الاخوانية وسيطرة شبكة الجمعيات على التصور العام للشباب الأوروبي من أصول مهاجرة من الأجيال الجديدة . لم يكن العنف بالنسبة لهؤلاء الشباب الا الحلقة الاخيرة من تكوينهم المبني على معاداة حقيقية لثقافة المجتمع الأوروبي، فهذا  الشباب اذا لم يلجأ الى الاعتزال والمعاداة الباطنية للنموذج الفرنسي وبالتالي رفض كل نمط المعيشة فيه فانه يلجأ الى العنف ضده عندما تتوفر الظروف الملائمة لأن مبررات العنف ضد الدولة ومؤسساتها مغروسة في تفكيره.
بدأت الإستفاقة الأوروبية بسياسات أمنية، زادت من تعقيد الوضع، واستغلتها هذه الشبكات في تعميق حدة الإستقطاب. فهذه الاجراءات ظلت تمس الجانب "الامني" والاجرائي ولا تمسّ جوهر مضمون المشروع الفكري والثقافي للإسلام السياسي المنتشر في المساجد الأوروبية والذي جعل من ماركة "حلال" على سبيل المثال تنتصب كعلامة فارقة في التعامل اليومي في مجتمعات الهجرة المسلمة، وهذا جوهر عملية "الانعزال" أو الانفصال الذي من الصعب مواجهتها بمجرد اجراءات أمنية أو قضائية.
لاحقاً شرعت بعض الدول في وضع برامج دينية وثقافية وتعليمية لكسر التأثير وإعادة تشكيل "إسلام" أوروبي بعيداً عن التدخل الأجنبي، سواءً من الدولة أو من الجماعات السياسية. 
 لكسر التأثير على المساجد شرع الدول الأوروبية في وضع برامج تتعلق بتدريب أئمة المساجد داخل أوروبا ومنع استجلاب أئمة من تركيا وغيرها من الدول الإسلامية. وخلال القمة الأوروبية المصغرة التي عقدت في نوفمبر الماضي طرح أعلن رئيس المجلس الأوروبي شارل ميشال، أنه يؤيد إنشاء "معهد أوروبي لتدريب الأئمة" يدرب الأئمة وفقاً لخصوصيات المجتمعات الأوروبية لمحاول ايجاد توافق بين الإسلام والعلمانية الأوروبية بمختلف درجاتها، الكلية والنسبية والصارمة.
لكن هذا المقترح، وإن بدا في ظاهره ثورياً ويمكن أن يقدم نتائج على المدى البعيد، إلا أنه لا يقدم حلاً جذرياً. فجماعة الإخوان المسلمين والدولة التركية قد استبقوا أي خطوات أوروبية لمنع تدريب الأئمة خارج النطاق الأوروبي بتأسيس بينة تعليمية دينية واسعة في ألمانيا وفرنسا وبريطانيا، كسلسلة "المعهد الأوروبي للعلوم الإنسانية" و"كلية العلوم الإسلامية" التركية في مدينة ستراسبورغ على الحدود بين فرنسا وألمانيا. لذلك فإن التحدي الحقيقي يكمن في مضامين مناهج تدريب هؤلاء الأئمة وليس مكان التدريب في حد ذاته.
لكن المعضلة الكبرى أمام الأوروبيين تبقى قضية التوافق بين الحريات والأمن في مواجهة شبكات التأثير الخارجي على المسلمين، حيث تداخلت مع الزمن المؤسسات التمثيلية لمسلمي القارة مع الشبكات التركية والإخوانية لدرجة أصبح التمييز بينهما صعباً ومعقداً، حتى أن الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون يراهن في مشروعه نحو "إسلام فرنسي" على مجلس الديانة الإسلامية في أن ينجح في "القطع مع التدخلات الأجنبية"، مع أن المجلس نفسه يضم في صفوفه وضمن مجلس إدارته كلاً من الفرع الفرنسي لجماعة الإخوان المسلمين والفرع الفرنسي للإتحاد الإسلامي التركي للشؤون الدينية، وهي المفارقة التي أشارت إليها العديد من الأقلام البحثية الفرنسية المهتمة بدراسة الإسلام.
ويبدو جلياً أن الأوروبيون أنفسهم لم يجدوا بعد الوصفة المثالية لإصلاح أخطاء تراكمت لأكثر من ثلاثة عقود، في علاقة مسلمي القارة وطرائق اندماجهم في مجتمعاتهم بعيداً عن تلاعب شبكات التأثير الخارجي، فبقيت أغلب الحلول تدور حول المقاربة الأمنية الظرفية دون أن تنفذ إلى جوهر المسألة بإعتبارها إشكالية ثقافية وليست ملفاً أمنياً، تساهم الحملات الإنتخابية والاستقطابات الظرفية بين اليمين واليسار في تحريكه حيناً واخفائها أحياناً أخرى. في المقابل بقيت النخب المسلمة المستقلة في أوروبا عاجزة عن المساهمة في تأطير هذه الجاليات لأسباب ذاتية تتعلق بها  وعزوفها عن المشاركة في الشأن العام، ولأسباب موضوعية تتعلق بفقدانها للدعم والأدوات للقيام بذلك في مواجهة شبكات ممولة بشكل جيد وتحظى بدعم سياسي كبير، في الداخل من خلال النخب الأوروبية اليسارية وفي الخارج من خلال العديد من الأنظمة التي تستثمر فيها. بيد أن أي محاولة للإصلاح لا تأخذ في الإعتبار أن الحلول المسقطة من الحكومات لا يمكن أن تنجح، بل يمكن أن تزيد من تعميق الأزمة، هي محاولة فاشلة لا محالة. ولعل دروس التجربة التاريخية الفرنسية منذ محاولات منتصف التسعينات خير شاهد وبرهان على ذلك.
Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 3 + 9