كتب نبيل صالح: أثر الذئاب: من عشرية الدم الجزائري إلى عشرية الخراب السوري

خاص عربي برس

2021.03.19 - 07:46
Facebook Share
طباعة

  

1
عرَّفَ "أبو الأعلي المودودي" الأصوليةَ الإسلامية: حيث يكون الحاكمُ هو الله، والسلطةُ مختصةٌ بذاته وحده، ومن ثم فليسَ لأحدٍ من دون الله حق في التشريع. وبلوَرَها "سَيِّد قُطُب" في كتابه "معالم في الطريق" حيث المجتمعُ، عنده، إما جاهليٌّ وإمَّا إسلاميٌّ.. هذا التعريف الإخونجي لها، وهناك سماتٌ مشتركةٌ لكلِّ الأصوليَّات الدينية، فهي تستندُ على كتابٍ مقدسٍ، القرآن أو الإنجيل أو التوراة أو الفيدا بالنسبة للهندوس، وتدعي أنَّ الحلَّ لكلِّ مشكلاتِ الإنسان تكمنُ في الرُّجوع إلى صحيح الدِّين الإسلامي أو المسيحي أواليهودي، وتدعو إلى العودة إلى الأصل الدِّينيِّ الصَّحيح، والاقتداء بالصَّحابة الأوائل.. ويمكن القولُ أنَّ كلَّ الدِّيانات يوجدُ فيها أفرادٌ أصوليُّون متحجِّرُون يرفُضُون الخروج من الماضي ويريدون إعادة إنتاجه، وكأن الزمن واقفٌ والعقلَ الإنسانيَّ لم يتطوَّر، غير أنَّ هذا لا يمنعهم من استخدام التكنولوجيا الحديثة ومصطلحات الديمقراطية لتحصين قواعدهم السلفية في مهاجمة الحداثة!؟  فمنذ بداية التاريخ تعثرت أحلام الأمم بهذه الرؤوس الكتيمة فأخرت استحقاقاتِها المعاصرة، على الرغم من موعظة "إبراهيم الخليل" و"محمَّد بن عبد الله"، النَّبيَّين اللذين حطما أصنام وحكاياتِ الآباءِ كي يتمكنوا من نشر رسالتهم الجديدة.. لولا أن الأصنامَ كانت تنهض من جديد على أيدي أصوليِّي هذه الأديان!؟
وقد تتبَّعْتُ أصوليِّي الأديان الإبراهيمية في برنامجٍ وثائقيٍّ، اشتغلتُ عليه طوال عام 2001، كَوني كنتُ أرى أنَّ العقودَ الثلاثة التالية ستشهد اشتعالَ الأصولياتِ الشرق أوسطية وانطفاءها بعدما يكتوي الناسُ بنارها وينفَضُّونَ من حولها.. وقد أنجزتُ كتابة النص بالتعاون مع بضعة مؤرخين عرب هم الباحث الفلسطيني د.إلياس شوفاني والباحث السوري جمال باروت وباحث جزائري لم يرغب بإعلان اسمه خوفاً من انتقام متشدِّدي "الجبهة الإسلامية" حيث كتبتُ سيناريو برنامجٍ يمتدُّ لثلاثين حلقةً عن المجموعات الأصولية الإسلامية واليهودية والمسيحية التي مارست العنف ضد مجتمعاتها.. وبالطبع لم يشترِ أحدٌ برنامجي الذي عرضته طيلة السنوات التالية على المحطاتِ الخليجية واللبنانية التي كانت تريد شراء ملفات دون أخرى.. المهم أن فكرتي كانت تركز على عرض مشهدٍ متكاملٍ للعقل السَّلفي في كلِّ المِلَل أمام المشاهدِ العربي كي يُحْجِمَ المتديِّنُون عن الدخول في الجماعات الأصولية التي تعاند حركة الحياة نحو المستقبل.. وقد انتهى الأمر بأن رَكَنْتُ البرنامجَ في أدراجي مع الكثير من المشاريع الأخرى التي لم تر النور بعد..
 
2
 
يحتوي السيناريو على ملف الإخوان المسلمين في مصر، من المؤسِّسِ "حسن البَنَّا"، وصولاً إلى "أيمن الظَّواهري" زعيمِ القاعدة، كما يحتوي على ملف "الطليعة المقاتلة" في سورية، وملف "الجبهة الإسلامية" في الجزائر، وملف المنظمات اليهودية في "إسرائيل"، وملف التنظيمات المسيحية في لبنان.. وقد لاحظت في مراجعتي للملف الجزائري في تسعينات القرن الماضي شبهه بملف الصراع بين البعثيين والإخونجيين في سورية، حيث تكرَّرَت تجربةُ عِشْرِيَّةِ الدَّم في الجزائر خلالَ عقد التسعينات بعشريَّة الخراب السوري اليوم..
فمنذ الاستقلال سنة 1962 شكل قادة المجلس الوطني للثورة الجزائرية التوجهاتِ السِّياسيَّةَ للبلاد والتي تمت عسكرتُها بسبب بنية تفكيرهم التي شكلتها مقاومتهم الطويلة للاستعمار الفرنسي. وبعد عامين على الاستقلال، عُقِدَ مؤتمر حزب جبهة التحرير الوطني واتُّخِذَ قرارٌ بتبنِّي النَّهج الاشتراكي لإدارة الاقتصاد الوطني، إذ كان للسُّوفيات دوراً كبيراً في دعم الثورة الجزائرية، وقد انقسمت الطبقة السياسية داخل الحزب والجيش بسبب قرارات المؤتمر.
عارض الشيخ محمد البشير الإبراهيمي (رئيس جمعية علماء المسلمين) قرار النهج الاشتراكي فتم سجنه، وكان الإبراهيمي قد تابع تعليمه الديني في المدينة المنورة بالحجاز ثم زار دمشق وأقام فيها خمس سنوات اشتغل فيها بالتدريس حتى سنة 1920 حيث غادر دمشق إلى الجزائر، ليبدأ دعوته إلى الإصلاح ونشر التعليم الديني في مدينة سطيف، وفي عام 1924 زاره الشيخ عبد الحميد بن باديس، وعرض عليه فكرة إقامة جمعية العلماء، وبعد تأسيس الجمعية اختِير الإبراهيمي نائباً لرئيسها، وانتُدِبَ من قِبل الجمعية لنشر الإصلاح في غرب الجزائر، وفي مدينة وهران التي تعتبَرُ معقلاً حصيناً للصُّوفية الطُّرُقيين، وقد بدأ ببناء المدارس الدينية، وكان يحاضر في كل مكان يصل إليه، تساعده خطابته وبراعته الأدبية حيث امتد نشاطه إلى تلمسان..
 
3
 
بعد سجن الإبراهيمي وتعاون الجيش والسلطة مع الاتحاد السوفييتي واستقبالِ الرئيس بن بلة الخبراءَ الشيوعيين من منظومة الدول الاشتراكية، دخل العمل الإسلامي مرحلة السِّريَّة وتمَّ تأسيس "رابطة الدعوة" التي أعلنت عزمها على إقامة الدولة الإسلامية..
في العام 1965 قام وزير الدفاع العقيد "هواري بومدين" بالانقلاب على "بن بِلَّة" وأودعَهُ السِّجنَ مع الرفاق الذين أيَّدُوه فيما سماه "التَّصحيح الثوري" حيث وصم سياسة جناح بن بلة بالاشتراكية الدعائية. وبعدما غدا رئيساً لمجلس الثورة أَطْلِقَ سراح الشَّيخ الإبراهيمي وتحالف مع جمعية العلماء المسلمين ليحُلَها بعد عام بسببِ بيانها الذي انتقدت فيه الرَّئيسَ جمال عبد الناصر بعد إعدامه للشيخ الإخونجي "سيد قطب" منظِّرِ الإرهاب في الجماعة، فقد كان عبد الناصر مُلْهِمَ الثورة الجزائرية وداعماً لها ضد الاستعمار الفرنسي. وقد استبدلَ الشيخَ الإبراهيميَّ، بالمفكر الإسلامي مالكِ بنِ نَبِيَ واعتمده وزيراً للأوقاف، كما وافق "بومدين"، على عقد مؤتمرٍ سنوي للعلماء المسلمين في العالم برعاية الشيخ قاسم مولود، في الوقت الذي كان حزب جبهة التحرير يتغلغلُ في مؤسسات الدولة ويسيطر عليها تحت شعار ثلاثية الثورة الزراعية والثقافية والاجتماعية، بعدما أسس مجلس الثورة قيادةً جماعيةً تتخذ القراراتِ الكبرى للبلاد، كتأميمِ النَّفط والمحروقات وإشراف الدولة على القطاعات الإنتاجية، واعتمادِ الاقتصاد الموجه، ومجانية التعليم والعلاج وبناء السَّد الأخضر، كما وضعَ دستوراً وميثاقاً أسسا ركائزَ "الدولة الجزائرية الحديثة". وقد تطابقت مسيرةُ الرفاق البعثيين في سورية بعد ثورة 8 آذار 1963مع مسيرة حزب جبهة التحرير الجزائري، حيث  تمَّ التأميم وأطلقوا الثورة الزراعية وعمموا مجانية التعليم والصحة وبنوا سد الفرات.. وبسبب خلافاتٍ عقائدية، قام وزيرُ الدفاع حافظُ الأسد بانقلاب على صلاح جديد سنة 1970 وأودعه السِّجْنَ مع مؤيديه فيما تمَّ تسميتُهُ "الحركة التصحيحية"، وقد وُصِمَ جناحُ "جديد" بالانعزالي واليسار الطفولي، وانضم كبار الضباط البعثيين إلى الحركة التصحيحية، وتم إطلاق شعار بناء سورية الحديثة.. وقرَّبَ الرئيس الأسد الشيخ الإخواني "أحمد كفتارو" وسلَّمَهُ الإفتاءَ وأطلقَ يده في بناء آلاف الجوامع وافتتاح المدارس الشرعية ومعاهد الأسد لتحفيظ القرآن الكريم، ثم وحَّدَ الأحزابَ في "الجبهة الوطنية التقدمية" وأعطاهم حصصاً في مجلس الشعب والحكومة..
فقد تماهت قيادةُ البعث مع نهج قيادة الثورة الجزائرية دونما تنسيق مسبق إلى درجة أن تلاميذ المدارس كانوا يرددون نشيد الجزائر إلى جانب النشيد الوطني السوري، وكانت المناضلة "جميلة بوحيرد" ملهمةَ مثقفي وفناني البعث، وكأنَّ مناضلي الجمهوريتين قد رضعوا معاً من ثدي ماركس.. فقد دعمت سورية الجزائر بالخبراء السُّوريين حتى لم يبق معلم بعثيٌّ إلا وانتُدِبَ للتدريس في الجزائر، فساهم السُّوريون في حركة تعريب الجزائر بعد قرن من "الفَرْنَسَة"، وكانوا سعداء يذلك كونُهُ يصُبُّ في خانة الوحدة العربية، فيما كان إسلاميُّو الجزائر هم الأكثرُ إقبالاً على التعريب ونشر لغة القرآن الكريم الذي يعتبرونه دستور دولتهم الإسلامية ..
 
4
 
 كان الشيخ "محفوظ نحناح" أول من أدخل مفهوم الإسلام السياسي للجزائر نهاية ستينات القرن الماضي، كما كان أحدَ أهمِّ الدُّعاة لمنهج الإخوان المسلمين في الجزائر. فبعد استقلال الجزائر عام 1962، كان هناك إسلاميون ينتمون إلى الجيل الذي تربَّى في مدارس جمعية العلماء المسلمين التي أنشأها ابنُ باديس والإبراهيمي. وكان نحناح تلميذاً لشيوخ هذه المدارس أمثال الشيخ المصباح والشيخ العرباوي، غير أنه زاد عليهم باتصاله بالإخوان المسلمين في مصر وسوريا، وأنشأ بعدها خلايا الحركة الإسلامية الجزائرية، بالاعتماد على أفكار الآباء الروحيين للإخونج كالشيخ حسن البنا وسيد قطب ومحمد فرغلي وعبد القادر عودة وغيرهم.. ويمكن القول إن جناح نحناح الإخواني يشبه جناح سعيد حوّى في سورية في ستينيات القرن الماضي.
كان الرئيس الجزائري هواري بومدين متسامحاً مع التيارات السياسية، حتى فترة إقرار الدستور الاشتراكي عام 1976. حيث ندد الليبراليون الذين أُمِّمَتْ أراضيهم وأملاكَهُم بالدستور الجديد، ونددت به أيضاً الحركةُ الإسلامية الناشئة بزعامة الشيخ محفوظ نحناح، فأصدروافتوى بتحريم الصلاة في الأراضي التي تدخل نطاق الثورة الزراعية، الأمر الذي أدى للصدام مع الدولة.. غضب بومدين من نحناح وأتباعه وأدخلهم السجن، وحكم على نحناح بخمسة عشر عاماً. ظهرت داخل السجن خلافات بين الإخوان المسلمين أنصار التيار العالمي وزعيمهم الشيخ نحناح، وتيارٍ إخواني وليد عُـرف بتيار "الجزأرة"، تلاميذُهُ من شيوخ جمعية العلماء المسلمين تماماً كما الشيخ نحناح، غير أنهم لا يرغبون في ارتباطهم تنظيمياً بجماعة مصر ولا سوريا، معتبرين أنهم يملكون القدرة على تسيير أنفسهم بأنفسهم. وكان عباسي مدني الذي أصبح فيما بعد زعيماً للجبهة الإسلامية للإنقاذ مؤيداً لهذا التيار الجديد، وكانت فترةُ السِّجن أولَ مرة يتمرد فيها بعض التلاميذ على شيخهم.
بعد وفاة بومدين نهاية عام 1978، تولى وزير دفاعه الشاذلي بن جديد الرئاسة وأطلق سراح الإسلاميين بمن فيهم الشيخ محفوظ نحناح.
 
5
 
تدنت أسعار النفط أوائل الثمانينات، وألغيت الثورة الزراعية، وتدنى تصريف إنتاج مصانع القطاع العام، وتفاقمت البطالة بالتوازي مع فساد الطبقة الحاكمة، حيث أعلن بن جديد سياسة التقشف، فتحركت القوى الإسلامية لقلب النظام بالقوة، وأسس الشيخ مصطفى بويعلى الحركةَ الجزائرية المسلحة على غرار "الطليعة المقاتلة" التي كان قد أسسها الشيخ الإخونجي مروان حديد في سورية السبعينات، وبدأت طلائع الحركة الجزائرية بأعمال التخريب واستهداف مؤسساتالنظام الاشتراكي.
 في تشرين أول ١٩٨٨ اندلعت احتجاجات شبابية ضد بن جديد اعتراضاً على سياسات التقشف ما أدى إلى انتشار اضطرابات هائلة في وهران وعنابة، ومدن أخرى فقمعها الجيش بقسوة وأدى ذلك إلى مقتل المئات.. دعا بن جديد إلى الانتقال للديمقراطية والسماح بالتعددية الحزبية. تم إقرار دستور الجزائر الجديد في العام 1989 ، وشهدت البلاد أجواء انفتاح سياسي غير مسبوقة، تمخّضت عن تكوين 60 حزبًا سياسيًا؛ فعاد القائد التاريخي للجزائر بن بيلا وأسَّس حزبه «حركة من أجل الديمقراطية»، كما دشّن الزعيم السياسي حسين آيت أحمد «جبهة القوى الاشتراكية»، وسمحت الحكومة للإسلاميين بتأسيس كيانهم السياسي الأول في تاريخ الجزائر، الذي أُطلق عليه اسم «الجبهة الإسلامية للإنقاذ».. تم إقرار دستور الجزائر الجديد، ولم تُقدِّم الجبهة برنامجًا سياسيًا محددًا، لكنها كانت تُقدم خطابًا دينيًا حماسيًا وراحت تتمدَّدُ في التراب الجزائري، غير أنها قدّمت للأهالي أنشطة تنموية خلال أزمات الجزائر الكبرى، فعندما تعرّضت منطقة تيبازة لزلزالٍ كبير نشطَ أعضاؤها في إعانة الضحايا وتقديم المساعدات، كما انتشرت في القرى الأسواق الإسلامية التي قدّمت السلع للمواطنين بأسعار مُخفّضة. وعندما أضرب عمّال النظافة في العاصمة الجزائر تكدَّست النفاياتُ في الشوارع، فانتشر متطوعو الجبهة في كل مكان يُنظِّفون الطرقات، كما انتشر في الشوارع شباب علّقوا على سواعدهم شرائط تحمل عبارة «شرطة إسلامية» وكانوا يتدخلون في الحياة اليومية للمواطنين في بعض الأحياء الفقيرة، وفرضوا عليها القوانين الإسلامية، فمُنعت الصحون اللاقطة والمشروبات الروحية والسجائر والصحف، وأُلزمت الفتيات بالحجاب ومُنعن من الذهاب للعمل، ولم يكن مسموحًا للجيش الجزائري باقتحام هذه الأحياء، وإنما كان يكتفي بمحاصرتها من الخارج.. وعندما جرت الانتخابات البلدية في تموز 1990م نجحت الجبهة التي يرأسها الشيخ عباسي مدني ونائبه على بلحاج بنسبة 54% من الأصوات، لكنَّ الجيش رفض نتائج الانتخابات وأعلن حالة الطوارئ، واستقالَ الشاذلي بن جديد في كانون الثاني 1992 وجاء الجيش بالجنرال المقال محمد بوضياف من منفاه الطوعي بالمغرب. وتم حظر الجبهة الإسلامية للإنقاذ واعتقل الآلاف من أعضائها، فقامت بإنشاء مجموعات مسلحة اتخذت من الجبال قاعدة لها رافعة شعار "لا اتفاق ولا هدنة ولا حوار" وأفتى أمراؤها بتكفير وقتل كل جزائري لم يلتحق بالجماعة الإسلامية المسلحة، أو تعامل مع الدولة وأجهزتها المدنية، رغم أن 95 % من الشعب الجزائري من المسلمين السنة والباقي مسيحيين. وافتتحت عملها باغتيال مجموعة من الأكاديميين الجامعيين والمثقفين والكُتاب والصحفيين والأطباء والفنانين في آذار 1993 
 
6
 
استمر قتل الجزائريين عشرة سنوات وسميت عشرية الدم، والعشرية السوداء، حيث ارتكبت مئات المجازر بين المدنيين وتمت إبادة قرى بأكملها. وذكر تقرير مؤسسة السلام العالمي المنشور عام 2015 إلى أن الفترة ما بين عامي 1994 و1996 وحدها شهدت بحسب ارقام رسمية أكثر من 140 مجزرة، وبين عامي 1997 و1998 ما بين 400 إلى 450 حادثة، وأن مجموع عدد الضحايا في العشرية السوداء بلغ 44 ألف حالة وفاة بينهم 18 ألف حالة اختفاء، في حين أكدت تقارير حكومية أن عدد القتلى وصل إلى 850 قتيل شهرياً منذ بداية الأزمة حتى عام 1996 فقط، وارتفع متوسط أعداد القتلى 2500 قتيل شهرياً في خلال عامي 1997 و1998.
 في عام 1994 ظهرت اختلافات أيديولوجية وتكتيكية قسمت التمرد إلى ثلاثة معسكرات رئيسة: المعسكر الأول الذي يقوده الجناحُ المسلح للجبهة الإسلامية للإنقاذ، والذي أعلن أن الجبهة لا تسعى إلى الإطاحة بالدولة بل كانت تهدف إلى الإصلاح والضغط على النظام. المعسكر الثاني، كان أغلبه من الفصائل الجهادية القادمة من الدول العربية وهدفه الأساسي كان الإطاحة بالنظام وإقامة دولة إسلامية. أما المعسكر الثالث، فكان يتمثل في الجماعة الإسلامية المسلحة المعروفة باسم الأفغان الجزائريين وكانوا الأكثر تطرفًا، رغم تعاونهم المبدئي مع الجبهة الإسلامية للإنقاذ.
في عام 1999 تم انتخاب عبد العزيز بوتفليقة رئيسًا جديداً للبلاد، وبدأ عدد كبير من المقاتلين الإنسحاب والإفادة من قانون العفو الجديد، وبدأت المجموعات تنحل وتختفي جزئياً بحلول عام 2002 وتوقفت عمليات القتال، باستثناء مجموعة منشقة تسمى الجماعة السلفية للدعوة والقتال والتي انضمت لاحقاً إلى تنظيم القاعدة في تشرين أول 2003. وفي العام 2011 صدر قانون جديد للأحزاب في الجزائر يتضمن مادة تمنع إمكانية عودة حزب جبهة الإنقاذ الإسلامية. 
 
7
 
استمر الإخونج بتفريخ الجماعات المسلحة وأمراء الذبح في الجزائر حتىأواخر التسعينات، واكتمل المشهد في سورية خلال السنوات العشر الماضية من مجازر جماعية وخطف وتعذيب وسبايا وغنائم، تكبَّدَها (كفارُ قريش) في الجزائر قبل سورية، في عشرية دموية أعيد تمثيلها في البلدين وكأنَّ الزَّمن واقفٌ لا يتحرك وغزوة أحد مستمرة ضد الكفار !؟
ويذكر أن سورية تعاونت مع الجزائر أمنياً في التسعينات، كون فرع الجماعة قد انكسرت شوكته في سورية الثمانينات، بعد تجربة دموية في مواجهة الجيش، حيث اكتسب السوريون خبرة في مواجهة حرب العصابات وقد أفادتهم بعد عودة الإخونج  إلى سورية مجدداً منذ العام 2011 ليكرروا المشهد الجزائري في حرب حاولوا تلفيقها ضمن مشروع الحرب السنية الشيعية الذي تديره المخابرات الأمريكية، فدمروا الدولة دون النظام، لأن سُنَّةَ سورية العلمانيين وأحفاد مؤسسي الجمهورية خافوا منهم وأفشلوا تمردهم بالوقوف إلى جانب الجيش والدولة، ليبقى السؤال حول تشابه الصراع في الجمهوريتين الجزائرية والسورية رغم وجودهما في قارتين مختلفتين، حتى في الحالة الإنفصالية عند أمازيغ الجزائر وأكراد سورية !؟ فهل هناك علاج لاستبداد العسكر وعنف الإخونج.. وهل نحظى بثورة ثقافية علمانية توصل الفريقين إلى التوافق على حدود السلم المجتمعي.. هل يتوقف الإسلاميون والقوميون عن محاولة الهيمنة على مجتمعاتهم، ويسمحوا بحياة كريمة تشبه حياة مجتمعات الدول التي يهرِّبون إليها أموالهم وأولادهم.. وهل يجرؤ المشايخ على إنتاج إسلام متحرر من سلطة التاريخ وأصنامه بما يخدم مصالح المسلمين اليوم .. هل وهل .. ؟
 
8
 
ـشهادة حول مجزرة بن طلحة في الجزائر: قال الراوي الشَّاهد: "وفي ليلة الثاني والعشرين إلى الثالث والعشرين من أيلول 1997 دخل القتلة بلدة بن طلحة وقتلوا مائتي إنسان من أهلها.. وقد انتشروا في حيين من البلدة هما بودومي وحي جلالي لبعد الحيين وعزلتهما وسهولة الوصول إليهما من الحقول المجاورة.. كان عدد المهاجمين حوالى مئتي مسلَّحٍ تسلَّلُوا بعد العشاء.. ويَروي بعضُ الناجين أن المهاجمين فاجؤوا الأهالي وهم نيامٌ في بيوتهم بعد أن لغموا الأبوابَ الموصدة وفجروها، وحين دخلوا البيوت قتلوا من لا يرجون توبتهم من رجال وأولاد ونساء وعجائزَ وحواملَ بقرت بطونهن، أما النساء والصبايا الصالحات للسبي والمتعة فقد تبادلوهن فيما بينهم وعلى رأسهم الأمراء، وبعد فراغهم من القتل وتعليق جثث الضحايا على الأشجار والأعمدة حملوا الأسلاب والسبايا ثم ولوا الأدبار تاركين البلدة تتوضأ بدماء قتلاها وأنين جرحاها..
ـوثيقة حول توزيع الغنائم: "الذهب والأموال التي يتم الاستيلاء عليها تقسم إلى جزئين: القسم الأول يوزع بين قادة المجموعات المشاركة في العملية. والقسم الثاني الذي يوازي الخُمْسَ هو حصة الأمير عنتر الزوابري "أبو طلحة".. وفي وصل تسليم المغانم المؤرخ 31 آب 1997 بلغ ما استلمه الزوابري 16 سواراً ذهبياً 56 سلسلة 96 قطعة ذهب 181 حلقة أذن، 79 خاتماً كما قدر الوصل قيمة الأموال المرسلة إلى الزوابري 30 مليون سنتيم، وبعد مجزرة بن طلحة استلم مبلغ 152200 دينار أي خمس المستولى عليه.
ـوثيقة حول السبي: من أمير منطقة "السابقون" الجزائر العاصمة أبو عبد الله عيسى إلى مجاهدي منطقة "السابقون": السلام عليكم ورحمة الله وبركاته: بعد أن مَنَّ الله علينا بسنة السبي، وحتى نكون على بينة من أمرنا، هذه بعض أحكامه التي أفاد بها إخواننا:
1 ـ الأمير وحده يُهدي السبية.
2 ـ لا يقبلها إلا من أهديت إليه وباسم الأمير.
3 ـ لا تجرد من الثياب أمام الأخوة.
4 ـ لا يجوز النظر إليها بشهوة، ومن خاف على نفسه فعليه بغض بصره.
5 ـ لا تضرب من طرف الأخوة، بل من طرف من أهديت إليه فعليه أن يفعل بها ما يشاء.
6 ـ إذا كانت سبية مع أمها ودخلت على أمها فلا يجوز أن تدخل على بنتها.
7 ـ إذا وطئها الأول فلا يجوز وطؤها من الآخر إلا بعد أن تستبرأ بحيضة ويجوز المداعبة مع الغزل.
8 ـ إذا كانت سبية وأختها فلا يجوز الجمع بينهما مع مجاهد واحد.
والله ولي التوفيق وهو يهدي السبيل.
Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 6 + 3