كتب نبيل صالح: القوة المرتدة في الصراع بين أصوليِّي الديانات الإبراهيمية

خاص عربي برس

2021.03.26 - 08:43
Facebook Share
طباعة

  

1
 
كم هي نسبةُ التشابه بيننا وبين أعدائنا الإسرائيليين، ولماذا لم ينتصر أيٌّ من الطرفين المتصارعين بعد ثمانين عاماً من الحرب المقدسة بيننا ؟! أسئلة نحاول مقاربة أجوبتها فيما يلي..
 تحدثتُ في المقالة السابقة عن برنامج الأصوليات المتطرفة في الشرق الأوسط: الإسلامية، اليهودية، المسيحية، الوثائقي الذي أعددته قبل عشرين عاما لظني أن العقود الثلاثة الأولى من القرن الجديد ستشهد اشتعال الأصوليات الدينية في المنطقة، وحديثنا اليوم مخصصٌ لأيديولوجيا التطرف اليهودي، ومدى تشابهِ خطابه ِمع باقي الأصوليات الإبراهيمية، إذ يمكنُ للباحث رؤيةُ التشابه والتشابك الكبيرين بين الديانات الإبراهيمية الثلاث: فقد قامت المسيحية بحركة تصحيحٍ لليهودية مع محافظتها على وجود التوراة إلى جانب الإنجيل، بينما قام الإسلام بإعادة صياغة الديانتين مع الاعتراف بقدسية الإنجيل والتوراة، حيث زخَرَ القرآنُ الكريم بقصص اليهود المسماة "الإسرائيليات"، ويستخدمها المُطَبِّعُون اليوم لشرعنة خيانتهم للقضية الفلسطينية.. فقد اشتملت ثقافة الديانات الثلاث على نصوصٍ ذاتِ مدلولٍ عنصري، ترجع في أصولها إلى أسفار التوراة التي تحُضُّ على القتل والحرقِ والنَّهب والسَّبي، حيث عانى منها الناسُ المسالمون بما فيهم المتدينون طوالَ ثلاثة آلاف عام، ونستمر؛ ويمكن أن نذكر كيف أن محتلي القارة الأمريكية الأوروبيين كانوا يستعينون بأسفار التوراة لشرعنة التطهير العرقي ضد سكان أمريكا الأصليين، كما يفعل الإسرائيليون بالفلسطينيين، ذلك أن النبي "موسى" الذي تُنْسَبُ إليه أسفارُ التوراة بدأ حياته بقتلِ رجل قبطيٍّ انتصاراً لرجل من شيعته، ثم هرب من العقاب، حسب ما ورد في القرآن الكريم (سورة القصص الآية 15) .. ومازالت مجتمعاتُ الديانات الثلاث تعاني من نتائج التشابه في بنية الخطاب لدى جماعات التطرف الديني التي تعتمد أيديولوجياتها على النصوص الإبراهيمية المقدسة، حيث تعيد هذه الجماعات إنتاج نفسها في دورة تاريخية لا تنتهي، خصوصاً في الكيان الإسرائيلي المتخم  بالتطرف الديني كما المجتمعات العربية.
 
2
 
 سيطر اليهود القادمون من أوروبا الشرقية «الأشكناز» على مقاليد الحكم في الكيان الإسرائيلي منذ إعلان قيامه عام 1948 والتي مُثلت لاحقًا بحزب العمل الاشتراكي، غير أن التحولات على الساحة السياسية الإسرائيلية بدأت بعد حرب تشرين الأول 1973، وحصل الانقلاب السياسي عام 1977 بعد فوز حزب الليكود اليميني بالانتخابات البرلمانية، ليبدأ تراجع اليسار الإسرائيلي في الحياة السياسية، فقد أظهر استطلاع للرأي أجراه "معهد داحاف" الإسرائيلي عام 2011، "ارتفاع نسبة العنصرية والتطرف الديني والقومي في أوساط الشبان الإسرائيليين، ولاسيما حيال العرب؛ وقال الاستطلاع: "إن 23% من الإسرائيليين  يرون أن الانقسام الحاصل بين المتدينين والعلمانيين هو التهديد الأكبر لإسرائيل".. فقد توسعت الأزمة الوجودية في المجتمع الإسرائيلي حول ما إذا كانت تحكمهم قوانين مدنية علمانية قائمة على المواطنة، أم قوانين دينية قائمة على أساس التجمع اليهودي وتحكمها الشريعة اليهودية. وتجلى الصراع والانقسام بين المتدينيين والعلمانيين حول قوانين الأحوال المدنية، حيث تظهر سيطرة كاسحة للمتدينين، وذلك منذ انتخابات «الكنسيت» عام 2009 عندما فاز اليمين بالأغلبية مما أدى إلى اعتماد عدد من القوانين العنصرية التي تترجم سيطرة اليمين المتدين في الدولة والمجتمع، مما دفع جيرالد شتينبرغ، رئيس برنامج إدارة الصراعات والمحادثات في جامعة بارإيلان، للتصريح: "إن أكثر الناس تفاؤلًا بيننا يعترف بأن التخلص من الحقد وهوة الجهل التي تفصل الحريديم والعلمانيين، تحتاج إلى سنين طويلة.. ونحن نعرف أنه ليس هناك تحد أعظم من هذا يواجه إسرائيل والإسرائيليين في الخمسين سنة القادمة".
 
3
 
يشكل االمتدينون اليهود اليوم 36% من مجموع سكان "إسرائيل" ويتوقع ازديادهم إلى نصف تعداد السكان في 2030 وتسيطر النخب العلمانية على الجيش ومؤسسات الكيان الإسرائيلي، بينما تشكل طبقة العمال والكادحين غالبية المتدينين، حيث يتملقُ نتنياهو وحزبُهُ الليكود حاخاماتِهم، ويتقرب منهم معلناً محبته لهم، كونهم حليف انتخابي مؤثر بالقاعدة الشعبية التي ساهمت بتكرار حكومته التي تشكل الأحزاب الدينية جزءاً منها.. فنتنياهو مثل أعدائه من القادة العرب محكوم أيضاً بتملق المؤسسة الدينية التي ترسخ سلطاته بالطاعة اعتماداً على نصوص النقل.. ذلك أن القوميين الإسرائيليين أسسوا حركتهم على خطأ عندما بنوا على الأساطير الدينية، حيث أن منظومتهم القيمية تتشكل من اعتبار اليهودية قومية حافظت على وجودها بفضل التراث الديني اليهودي، ولا أهمية عندهم للمضمون الديني العقائدي والشرائعي إلا في إطار دلالته على ارتباط اليهود "بأرض إسرائيل"، لتحقيق طموحاتهم الاستعمارية، وكذلك كان حال القوميين العرب الذين ناهضوا الإسلاميين ثم رفعوا شعار تلازم العروبة والإسلام، (بالرغم من أن عرب بلاد الشام كانوا مسيحيين قبل ظهور الإسلام !؟) فما زال غالبية القوميين المشرقيين من العرب والترك واليهود والفرس يستثمرون في العصبيات الدينية لدعم سياستهم القومية على الرغم من اختلافهم الفكري مع الأحزاب والجماعات الدينية ؟!  فمنذ أن تبنى الصهاينة إعلان بريطانيا تعاطفها مع رؤية الحركة الصهيونية في إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين، وقعوا في التناقض بين الأيديولوجيا القومية العلمانية والأيديولوجيا الدينية، نظراً إلى حاجتهم للتعبئة العنصرية التي توفرها العقيدة الدينية للجنود، ثم وقعت النخب القومية العربية بدورها في ذات الخطأ حين تحالفت مع الجماعات الدينية لمواجهة إسرائيل ـ رغم أن ثورتهم الكبرى كانت ضد الخلافة العثمانية ـ  وانتهى الأمر إلى تلقف الإسلاميين لراية المقاومة، فأسلموا الصراع واختزلوا القدس بالمسجد الأقصى، بينما اختزل اليهود المتشددين القدس بالهيكل، وتم تفخيخ الجغرافيا بالتاريخ، وباتت هوية الصراع العربي الإسرائيلي سلفية دينية بدلاً من بنائها على الحقوق والمواثيق والمعاهدات الدولية وقرارات الأمم المتحدة، حيث تبدو دعاوى الحرب الدينية متشابهة لدى الأطراف المتصارعة، ويُسجل للنخب العلمانية العربية أن دساتيرها الجمهورية منعت قيام الأحزاب الدينية، على عكس الإسرائيليين حيث الجدل ما زال يدور عندهم حول المدى الذي تقف عنده حكومات الكيان في دعمها ومساعدتها للمؤسسات الدينية اليهودية بدلا من أن يكون حول الفصل يبن الدين والدولة..
 
4
 
تتشابه الحركة الصهيونية مع الحركة الوهابية في بنيتها الأصولية والرعاية البريطانية ثم الأمريكية، ولم يسبق أن اصطدم الوهابيون مع الصهاينة ولا الصهاينة اصطدموا مع الوهابيين، لهذا قد يبدو التطبيع منطقياً بين "إسرائيل" الصهيونية والسعودية الوهابية.. أيضاً وبعد المقارنة يمكننا ملاحظة أن جماعة الإخونج يتشاركون مع الجماعات اليهودية في كثير من السياسات والأفكار:
ـ يتشابه "التنظيم العالمي للإخونج" مع  "الحركة اليهودية حول العالم": في أن كليهما يسعى إلى أستاذية العالم، مع فارق أن اليهودية تمكنت من الهيمنة على عدد كبير من الكيانات الدولية مالياً وإعلامياً، بينما انحصرت سيطرة الإخونج في تركيا وتونس وقطر وتهاوت في سورية ومصر والسودان وقريباً في تونس.
ـ تختزل الجماعات اليهودية صراعها لإقامة الهيكل كما تختزل جماعة الإخونج الصراع بالمسجد الأقصى.
ـ كلتا الجماعتين تدعوان لإقامة الخلافة والدولة الدينية من دون وضع حدود واضحة لها.
ـ كلتاهما ترفعان أعلاماً عليها رَسْمُ سيوف متقاطعة.
ـ كلتاهما تدعوان للعودة إلى (الفطرة التي فطر الله عليها الإنسان) وتناهضان الحداثة كونها تخرب الفطرة .
ـ أعضاء الجماعتين يمضون أوقاتهم في تلاوة الكتاب المقدس دون غيره مما يعتبرونها  كتبا مهرطقة .
ـ ترفضان القوانين المدنية وتطالبان بتطبيق الشريعة.
ـ ترفضان مساواة النساء بالرجال، والزواج المختلط .
ـ  تهاجمان العلمانيين.
ـ يحطمون التماثيل بكونها أصناماً .
ـ يحظرون الاختلاط بين الجنسين .
ـ يدعون للحجاب والنقاب .
ـ يطالبان بمصارف شرعية .
ـ كلتاهما تكفيريتان وتسوغان قتل المخالف والمرتد ( اغتيال إسحاق رابين ومحاولة اغتيال عبد الناصر وحافظ الأسد ) .
ـ تمارسان التطهير العرقي .
ـ أخيرا هما متطابقتا العداء لبعضهما كما لمجتمعاتهما العلمانية !؟
 
5
 
تطمح التنظيمات الدينية اليهودية إلى أرض "إسرائيل" النقية الخالية من أي فلسطيني لإقامة الخلافة اليهودية بعد تدمير "الدولة العبرية الحالية" التي يعتبرونها أداة لتحقيق "الوعد الإلهي"، وهم يهاجمون العلمانيين كما يهاجمون المسلمين والمسيحيين ويستخدمون مجموعات "واتس آب" للتنسيق وجمع المعلومات.. ومنذ عقد السبعينات يمكن إحصاء أكثر من 63 تنظيماً وجماعة وجمعية وحزباً وحركة ومدرسة ومؤسسة دينية يهودية متطرفة أشهرها "حركة كاخ" و "كاهانا حي" المحظورة وجماعة "التنظيم اليهودي المقاتل" و"غوش أمونيم" وتتراوح برامجها بين يهودية الدولة وطرد الفلسطينيين والاستيلاء على أراضيهم وهدم الأقصى وإقامة هيكل سليمان، وتتمدد طموحاتهم إلى الهيمنة على المؤسسات المدنية رغم اتفاق الهدنة والتعايش بين المجتمعين الديني والعلماني منذ إعلان "دولة إسرائيل"، حيث ترفض الأحزاب الدينية أي اتفاقيات للسلام مع العرب، وتطالب بتطبيق ومراعاة القوانين الدينية في الحياة العامة والأحوال الشخصية وفي قواعد الأكل الحلال في المؤسسات والمطاعم اليهودية، وحرمة يوم السبت والمقابر اليهودية.. ويرى الكاتب إسرائيل شاحاك: "أن المتدينين حصلوا على مزيد من الامتيازات نظرا للدور الذي تلعبه الأحزاب الدينية في الائتلافات الحكومية، حيث عززوا قوتهم المؤسساتية بشكل يفوق حجمهم الاجتماعي. وتتمثل أهم هذه الامتيازات في إعفاء طلبة المدارس الدينية "الييشيفا" من الخدمة العسكرية، إلى جانب إعفاء الفتيات المتدينات من الخدمة العسكرية نهائيا، وزيادة دعم الحكومة للعائلات الكثيرة الأفراد وهي شائعة في الأوساط الدينية، وزيادة المساعدات الاجتماعية للمدارس الدينية وطلابها، وتخصيص ميزانيات إضافية لمساعدة المتدينين في السكن. وهذا أثار اعتراض الجمهور العلماني كونه يكرس عدم المساواة بين "المواطنين الإسرائيليين"، حيث يدور الصراع المؤسساتي حول عملية وضع القوانين الدينية وفرضها على الأجواء القائمة بين الوسط الديني والعلماني، ومدى الحاجة إلى تغيير هذا الوضع ووفق أي اتجاه".. ويتمثل هذا الصراع المؤسساتي ـ حسب شاحاك ـ "في قيام جمعيات ومنظمات من الجمهور العلماني تناهض ما يسمونه الإكراه الديني، وأن إسرائيل تواجه خطر الخومنة (نسبة للخميني)، من خلال محاولة تحكم المتدينين في كل مفاصل الحياة ومحاولة فرض القوانين الدينية على بقية اليهود. وينذر الوضع بتحول إسرائيل من دولة ديمقراطية علمانية إلى دولة ثيوقراطية يسودها الإكراه الديني والعنصرية".
 
6
 
يرى الباحث الجزائري عبد القادر عبد العالي في بحثه حول التصدع الديني ـ العلماني اليهودي: "أن الصراع العلماني الديني تمدد إلى داخل مؤسسات الدولة الرسمية، مثل الصراع و التوتر بين وزارة الشؤون الدينية  والوزارات الأخرى، والصراع بين المجلس الأعلى للحاخامات والمجالس الحاخامية مع المحكمة العليا التي أصدرت أحكاماً قضائيةً عدة تخالف تعاليم الشريعة اليهودية حسب تفسير المتدينين لها. فقد اعترض المتدينون بصفة متكررة على العديد من قراراتها القضائية التي وصفوها بأنها تخالف الشريعة اليهودية، وبأنها تدخل في الشؤون الدينية التي لابد أن يحكمها اتفاق الوضع الراهن. فقد عارض المتدينون لاسيما الحراديين منهم، تعديلات قانون العودة وتعريف من هو اليهودي الذي لابد أن يعرّف على أساس الشريعة اليهودية؛ لذا فقد كانت الاتهامات حادة من قبل المراجع الدينية اليهودية ضد المحكمة العليا والمؤسسات العلمانية، بأنها تحاول إبادة اليهود الحقيقيين بإدخال الغوييم (الأغيار من الشعوب القذرة) بين اليهود، واعترضوا على قرار المحكمة العليا الاعتراف بالمحاكم الدينية الإصلاحية وممارستها لإجراءات اعتناق الديانة اليهودية، وهو الذي أثار نقاشاً كبيراً حول صلاحية المحاكم الأرثوذكسية واحتكارها حق منح الهوية اليهودية بالنسبة لمعتنقي اليهودية، لأن الاتجاه المذهبي السائد في إسرائيل، الذي يجمع بين كل من الصهاينة المتدينين وغلاة الأرثوذوكسية الحراديين هو عدم الاعتراف بالطوائف الدينية اليهودية المخالفة للمذهب الأرثوذكسي والتشكيك في يهودية أتباعها، مثل: الفلاشا، و طائفة القرائين، والسامرة، والإصلاحيين والمحافظين" ـ كما هو الحال عند الإخونج تجاه المذاهب الإسلامية من غير السنة ـ  ويبرز هذا الصراع بين المؤسسات على مستوى الوزارات الحكومية، والتي تتشكل على أساس ائتلافي يجمع بين الأحزاب الدينية وبين الأحزاب العلمانية، حيث تتجدد من حين لآخر الأزمات الحكومية بين الوزارات بسبب التصريحات والإجراءات الوزارية التي يراها أحد الأطراف مخالفة للعقد المشترك بين المتدينين والعلمانيين.. ويمكن أن نرى خلافات مماثلة لدى الائتلاف السوري المعارض حيث استنسخوا التجربة الإسرائيلية، فتحالف علمانيوهم مع الإخونجيين وانتهى الأمر بهيمنة  جماعة الإخونج على الائتلاف لدرجة اتهامهم بخطف الثورة المزعومة..
في مصر تكرر الخطأ ذاته منذ أيام السادات، إذ كشفت وثيقة دبلوماسية أمريكية مسربة عن طريق ويكيليكس عن تعاون جماعة الإخوان المسلمين والجماعات الإسلامية مع نظام الرئيس المصري الراحل أنور السادات، لضرب وتفتيت القوى اليسارية والناصرية المعارضة للسادات آنذاك.. وقد أكد أبناء السادات هذا التحالف بقولهم : أن والدهم فتح للإخونج أبواب الحياة من جديد.. فخانوا العهد وقتلوه ، مؤكدين أن هذا التحالف كانت الخطيئه الوحيده له فى حكمه.
وكان السادات قد أفرج عن عدد من المعتقلين والمسجونين من تلك التيارات، و سمح لهم بالحركة والنشاط خصوصا فى الجامعات وتم إعادة إصدار بعض مجلاتهم ومطبوعاتهم، وتم إعادتهم إلى وظائفهم.. أما في عهد مبارك وحسب رأي الباحث سكوت هيبارد في كتابه: السياسة الدينية والدول العلمانية:  " فقد كان  نظام حكم مبارك  أكثر حزماً فيما يتعلق بموقفه من الجماعات السياسية الدينية، ولكنه لم يقم مطلقاً بمعارضة مركزية الإسلام داخل الحياة العامة المصرية. وعلى النقيض، فقد سعى نظام الحكم إلى تصوير نفسه على أنه المدافع الأصلي عن المعتقد الديني داخل المجتمع المصري. وعلاوة على ذلك، فإن تحالف مبارك مع المؤسسة الدينية الرسمية في سنوات التسعينات من القرن الماضي أدى إلى مزيد من التوطيد للتفسير الرجعي للإسلام داخل مؤسسات الدولة المصرية. وضمن إحدى المحاولات التي قام بها نظام مبارك لمجابهة التحدي الأيديولوجي للمجاهدين الإسلاميين، منح نظام الحكم درجة عالية من الاستقلالية لرجال الدين الذين اختلفت رؤيتهم للمجتمع بشكل بسيط مقارنة برؤية المعارضة الإسلامية، وكانت النتيجة بيئة ثقافية أكثر تشدداً تم من خلالها الهجوم على الحرية الفكرية وقطاعات السكان من الأقليات". وخلال الثورة على مبارك تحالفت المعارضة اليسارية مع الإخونج الذين استأثروا بها دون الجميع ثم سقطوا بسبب ذلك.. وفي تونس يتكرر المشهد المصري، ونحن نشهد نهاية الفيلم..
وكما جرى في مصر مبارك يتكرر الأمر في سورية ، ففي الوقت الذي يحارب فيه الجيش  جحافل الإسلاميين على الجبهات كافة، فإن الحزب الحاكم مازال يتحالف مع المؤسسة الدينية، ويحتوي جماعة الداعيات "القبيسيات" ويفتح أحضانه لكل الإسلاميين الذين لايناصبونه العداء، كما يتحالف مع "الفريق الديني الشبابي" والمجمعات والمراكز الدينية، ويمنح الشيوخ مساحة في برامج الإذاعة والتلفزيون لاستقطاب المجتمع الديني، كما سمح بعودة المنقبات إلى السلك التدريسي مع الفصل بين الجنسين في المدارس منذ بداية الحرب كما ضاعفت عدد المدارس الشرعية عشرات المرات عما كانت عليه قبل الحرب .. ولايحتاج الأمر إلى جهد لملاحظة كيف أن كلا الطرفين القوميين العلمانيين العدوَّين، في سورية وكيان العدو الإسرائيلي، مضطران للتعاون مع الجماعات السماوية لشرعنة صراعهما الأرضي، لهذا فإن الجميع مازالوا يدورون في حلقة مفرغة لم توصلهم إلى أي مكان، فلم يربح أحدهما الحرب كما لم يكسبا السلم.
 
7
 
في 24/ 12/  2015 اعترف جهاز الأمن العام الإسرائيلي (الشاباك) "إن التنظيمات اليمينية المتطرفة التي تمارس الإرهاب اليهودي، ومنها التنظيم الذي ارتكب جريمة حرق عائلة دوابشة الفلسطينية، هي تنظيمات معادية لإسرائيل وتحاول قلب نظام الحكم فيها، وتعيين ملك في البلاد". وقال (الشاباك) في بيانه أيضاً: "إن هذه التنظيمات تعمل وفق أجندات متطرفة ومعادية للصهيونية، هدفها تغيير نظام الحكم عن طريق استعمال أساليب عنيفة وأعمال إرهابية تصل حد قتل الفلسطينيين، وزعزعة علاقات إسرائيل بالدول الأخرى والمساس بالأقليات وغير اليهود".  ورغم الاعترافات الرسمية بعنصرية المجموعات الدينية اليهودية فإن "إسرائيل" التي زرعها الغرب، هي كيانٌ ظاهره علماني وباطنه ديني عنصري، وهم يواجهون مجتمعاً فلسطينياً مماثلاً في انقسامه بين جماعة الإخونج "حماس" والسلطة الفلسطينية العلمانية، حيث فشلت حماس في الخارج (سورية) وفي الداخل الفلسطيني، وفخخت القضية الفلسطينية بالمزاعم الدينية التي تعطي للمتدينين اليهود شرعية تاريخية تستند على نصوص الكتب السماوية، وهي لاتفعل شيئا سوى أنها تطلق صواريخها العشوائية على "إسرائيل" كلما تراجَعَ حضورُها السياسي ومكاسبها المادية، فيرد الإسرائيليون  بقصف مركز واغتيالات  مبرمجة وهدم بيوت فلسطينيين ليكسبوا بدورهم مزيداً من أصوات الجماعات الدينية اليهودية  في عمليات لانهائية تعزز النظام الإسبارطي في كلا الطرفين .. كما ينعكس ذلك على سياسات حلفاء الفريقين، ويفخخ العلاقات الدولية.. فمازال أصوليو الديانات الإبراهيمية بأيدولوجياتهم الدينية المتشابهة يتصارعون مع بعضهم  في نزاع لاينتهي على الشرق الإبراهيمي، حيث يستخدمون النصوص السماوية لمنع الوصول إلى الاستحقاقات الأرضية، وتخريب التعايش حتى بين أتباع الدين الواحد داخل دول المنطقة، حتى ليمكنُ القولُ إن النزاع  في سورية اليوم بين المجموعات الدينية المتشددة والدولة بات يوازي في أخطاره صراع الدولة التاريخي مع العدو الإسرائيلي، وهو يخرب السلام الداخلي ويضعف المواجهة مع إسرائيل التي سارعت لفتح باب التطبيع مع الائتلاف السوري المعارض منذ بداية الحرب العالمية على الأرض السورية.. 
Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 6 + 9