كتب أحمد نظيف: الإمبريالية العثمانية الجديدة: كيف عسّكر أردوغان سياسات تركيا الخارجية؟

خاص عربي برس

2021.03.26 - 08:59
Facebook Share
طباعة

  لعقود من الزمان، توافقت نظرة تركيا، ذات التوجه الغربي، إلى حد كبير مع وصف مؤسس الجمهورية الحديثة مصطفى كمال أتاتورك "السلام في الداخل، السلام في العالم". وخلال النصف الأول من سنواته السبعة عشر في السلطة، شرع أردوغان في بناء علاقات تجارية ودبلوماسية في جميع أنحاء المنطقة تحت شعار "صفر مشاكل مع الجوار". لكن انسحاب الولايات المتحدة من الشرق الأوسط وافتقار الاتحاد الأوروبي لجبهة موحدة فتحا فراغًا لتجد تركيا نفسها أمام فرصة تاريخية لتتمتع بقوة أكبر، لأول مرة منذ هزيمة الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى واقتسام مستعمراتها بين القوى الاستعمارية التقليدية. كما أنها ملأت فراغًا استراتيجيًا ، مع فقدان الولايات المتحدة للعمل كقوة وسيطة بموجب فلسفة ترامب "أمريكا أولاً". 


لكن تركيا ليست الدولة الوحيدة التي تسعى لملء الفراغ. وقد أدى ذلك إلى صراع بينها وبين مصر وحلفائها - خاصة بعد أن عزل محمد مرسي في عام 2013 ومناورة المملكة العربية السعودية لتصبح الوزن الثقيل في المنطقة في أعقاب الربيع العربي - وكذلك روسيا، التي تدعم أطرافًا متعارضة مع تركيا في سوريا وليبيا. أدت الصراعات مع مصر، فضلاً عن التوترات مع قبرص وإسرائيل، إلى إبقاء تركيا خارج عملية إبرام الصفقات عندما أقامت هذه الدول وغيرها من الدول المطلة على البحر الأبيض المتوسط مناطق اقتصادية لترسيم حقول الغاز في شرق المتوسط. 


بيد أن تفضيل تركيا للقوة على التسوية إلى تقليص خياراتها فلم تسعى لفتح القنوات الدبلوماسية اللازمة، لتجد نفسها بمفردها، دون الكثير من الأدوات العسكرية المتاحة لها. وفي الوقت نفسه ، فإن المخاوف من أن الخطوات الكردية نحو الحكم الذاتي في سوريا والعراق قد تحفز الانفصالية بين سكانها من الأكراد دفعت أردوغان للتوغل العسكري المباشر داخل هذين البلدين. كما أدت الإدانة المحتشمة في أعقاب الانقلاب العسكري الفاشل ضد أردوغان في عام 2016 إلى عدم ثقته في الغرب ورفعت من هوس الرئيس التركي بسردية المؤامرة الكونية ضد تركيا. وقال أردوغان في احد خطبه الكثيرة: "تركيا هي الهدف الحقيقي لحصار يمتد من القوقاز إلى البلقان ومن البحر الأسود إلى البحر المتوسط والمناطق المجاورة، وطالما ظلت تركيا قوية ، فلن ينجح أي من هذه السيناريوهات." قد تكون مغامرات أردوغان الخارجية ومحاولاته لإظهار نفسه كزعيم للعالم الإسلامي مصممة جزئيًا لصرف الانتباه عن التدهور الحاد للاقتصاد التركي، والذي تفاقم بسبب جائحة فيروس كورونا، وللحفاظ على شركاء التحالف الحاكم إلى جانب الحركة القومية المتطرفة.
 

في مواجهة هذه الهجمة المتخيلة، يواصل أردوغان التعهد بتأكيد مصالح تركيا كــ "قوة إسلامية"، مستغلاً المشاعر الدينية والقومية بين الجمهور الذي يرى نفسه بأغلبية ساحقة فيه كزعيم طبيعي  للعالم. إن سعي أردوغان لتجديد العظمة التركية، واستخدامه للدين لتحقيق ذلك، أدى إلى انتقاد الثقة العسكرية المتزايدة لتركيا، وأثار إعجاب مؤيديه، بل وحصل على دعم مذل من بعض منتقديه المحليين.  كما وضع أردوغان استثمارات مالية هائلة، حتى أثناء الانكماش الاقتصادي الحالي في البلاد، في يد المؤسسة العسكرية والتصنيع الحربي، باعتبارها ضرورية لاستعادة نوع السيادة الذي تمتعت به الإمبراطورية العثمانية في البحر الأبيض المتوسط وعبر الشرق الأوسط قبل انهيارها بعد الحرب العالمية الأولى.


لكن مخاطر هذه السياسات الشعبوية تتمثل في أن تركيا يمكن أن توسع صراعاتها عسكريا وتتورط في أعمال عدائية غير مرغوب فيها، كما أن تدهور اقتصادها قد يكون بمثابة كعب أخيل، الذي يمكن أن ينهي كل هذه الأحلام. وبالنظر إلى الصراعات التي اختلقتها في المنطقة، فإن دول الجوار وخاصة الجار الأوروبي، قد يحاول، في سياق صد السياسات العدائية لأردوغان أن يقضي على الإقتصاد التركي ويعيده عقوداً إلى الخلف بإجراء واحد وهو إنهاء الوحدة الجمركية بين الطرفين. إلا أردوغان واعٍ تماماً بأن الأوروبيين والأمريكان في حاجة استراتيجية لتركيا  تحتاج أمريكا وحلف شمال الأطلسي والاتحاد الأوروبي إلى تركيا كحليف. موقعها المحوري على مفصل أوروبا والشرق الأوسط وكحارس على البحر الأسود - وهي منطقة تتزايد فيها المنافسة الاستراتيجية مع روسيا - فضلاً عن قوة قواتها المسلحة وثقل اقتصادها، تجعل الأمة التي يبلغ تعداد سكانها 84 مليون نسمة شريك لا غنى عنه. ستفقد واشنطن نقطة انطلاق حيوية في الشرق الأوسط وعنصرًا رئيسيًا في بصمتها العسكرية العالمية إذا مُنعت من استخدام قاعدة إنجرليك الجوية في جنوب تركيا. لذلك يحتاج الرئيس الأمريكي الجديد بايدن والأوروبيون إلى التواصل بشكل مشترك مع أنقرة حول الخطوط الحمراء والاتفاق على المكافآت والعقوبات المحتملة لمحاولة تغيير مسار أردوغان. والتي قد تشمل دعم الاندماج التركي في مجتمع الطاقة في شرق البحر الأبيض المتوسط وشبكات خطوط الأنابيب المحتملة، وتسهيل المفاوضات حول ترسيم الحدود البحرية والمجال الجوي، وتجديد اتفاقية الهجرة والتفاوض على اتحاد جمركي محدث وموسع مع الاتحاد الأوروبي، وتقديم أنظمة صواريخ دفاع جوي متوافقة مع الناتو. 


بينما قد تستلزم العقوبات الحد من التعاون العسكري والاستخباراتي، والعمل حول تركيا بشكل أكثر وضوحًا في حلف شمال الأطلسي، والاستعداد لنقل بعض الأصول الاستراتيجية الأمريكية من إنجرليك إلى اليونان (قيد التنفيذ بالفعل)، وبناء علاقات مع قادة المعارضة التركية، وتثبيط السياحة من خلال نصائح السفر والتأثير على أنقرة. والحد من الوصول إلى الأسواق المالية الغربية. بيد أن لا تخلو أي من هذه الخطوات من المخاطر، وقد يؤدي بعضها إلى رد فعل عنيف. لكن الموقف الأوروبي الأطلسي المشترك، بدعم صريح من بايدن، ومجرد الكشف عن أن بعض هذه الإجراءات قيد الدراسة، يجب أن يقدم لأردوغان رسالة واضحة: التوقف عن استعراض عضلاتك أو مواجهة ضغط متزايد من الغرب الموحد.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 10 + 4