كتب نبيل صالح: خروج النسوية العربية من القمقم السلفي

2021.04.02 - 02:05
Facebook Share
طباعة

 
 
 
1
 
دَمَّرَ التمرُّدُ الذي بدأ عام 2011 الهُويَّةَ السُّوريَّة التي تشكَّلت بعد الاستقلال، ليُعيدَ إنتاجَ المرجعيَّة العثمانيَّة في المناطق التي سيطرت عليها فصائلُ المعارضة، لهذا لا يمكنُ وَسْمُهُ بالثورة، لأنَّ الثَّورةَ بوصفها حركةَ تقدُّمٍ لا تراجُع . كما فشلت حكوماتُ المعارضة المؤقَّتة بتعزيز دور المرأة في المناطق التي سيطرت عليها، على الرغم من تسمية وزارةٍ باسمها، حيث أن الفصائل المسلحة واللجان الدعوية هي من يدير حياة الناس، وبحَسَبِ ما ذَكَرَ موقعُ "عنب بلدي" المُعارِض: "فقد ازدادت النشاطات الداعية إلى الالتزام بالحجاب، بدعمٍ من الفصائل، وهو ما يُظْهِرُهُ قرارُ هيئة "جيش الفتح" للدعوة والإرشاد منذ نهاية تشرين الأول من العام 2015، بفرضِ الحجاب وضرورة الابتعاد عن الألبسة الفاضحة والمكياج ومنع بيعها في المحلات. وتقومُ اللجان الدَّعَويَّةُ النِّسائية بالسَّهر على تطبيقه، كما انتشرت حواجز لفصيل "جند الأقصى" في شوارع مدينة إدلبلمنع التبرُّج، في الوقت الذي توزَّعتْ لافتاتٌ في الشَّوارع تطالب المرأة بالالتزام باللباس الشرعي". أما في ظل "دولة الإسلام بالشام والعراق" فقد كان وضعُ "الدَّابَّة" فيها، أفضلَ من وضع المرأة، وقد سمحَ الشَّرعيُّون للمجاهدين بسبي المرأة وبيعها وحتى قتلها، كما دُفعت النساءُ نحو ما سمِّيَ بجهاد النِّكاح حتى امتلأت البلاد بالمواليد غير الشَّرعيين.. وقد تم استغلالُ شراذمِ اليسار المعارض وشعارات الحرية والديمقراطية كواجهة لتمرير أهداف الجماعات الإسلامية بدعم أمريكي أوروبي خليجي، ليس في سورية فقط وإنما في مصر وليبيا وتونس والعراق، فخسرت النِّساءُ الكثيرَ من مكتسباتهن، وتسيَّدَ الشرعيون والأمنيون والدولُ الراعية للتمرد والمناهضة له، ولم تعد مظلةُ الأمان تحميهن، حيث انتكست حركة تحرُّر المرأة وعادت النِّساء المستقلاتُ إلى الحظيرة الأبوية وجلباب العائلة وملكية الطائفة بعد تقلُّص حماية المؤسسات الرسمية لها.. فالوضعُ الاجتماعيُّ العام بعد الرِّدة السلفية جعل من المرأة كائناً زجاجياً هشاً في بيت الرَّجل الحديدي حيث يتنعم بقوانين الشريعة التي تمثل المرأة بنصف رجل في الميراث والشهادة وربع رجل في قوانين الزواج والجنسية.. وهذا الرجلُ الحديديُّ يغدو كائناً من فخَّارٍ في مواجهة العالم الخارجي، حيث تنشأ معادلة عكسية: فكلما تسلَّطَ الرَّجلُ واستقوى على المرأة كلما ضعف المجتمع وتراجعت قوة الدولة في مواكبة الدول المتقدمة نسوياً، ذلك أن مقياس قوة الأمم وازدهارها يقاس بحسب أوضاع نسائها.
 
2
 
منع القرآنُ الكريمُ وأدَ البنات، غير أن الدولة العثمانية التي حكمتنا باسم الإسلام وأدت وجود المرأة بالنقاب، مع عدمِ ذِكْرِ اسمِها في السِّجِلَّات، وإهمال تعليمها غير الصَّلاة والطبخ، وحبسها في بيت الزوج بعد الأب لتتلخص حياتها: (من بيت أبيها لبيت زوجها للقبر)، كما استمرَّ اتخاذُ المحظيات والجواري إلى جانب تعدد الزَّوجات مما كان يسمَّى "حريم السلطان".. ولم يكن للنساء حضورٌ في الحياة العامة أو سياسة الدولة باستثناء أمهات وبنات وزوجات السلاطين والولاة، وبائعات الهوى والمغنيات اللواتي كان عملهنَّ مرخَّصاً في الملاهي والكرخانات من أجل زيادة ضرائب الدولة "العَلِيَّة".
يقول المؤرخ عبد العزيز العظمة في كتابه "مرآة الشام": "كانت النساء عند خروجهن من دُورِهِنَّ يتأزَّرْنَ بمآزرَ بيضاء تُسْدَلُ إلى وجه القدم، وكُنَّ يستُرْنَ وجوهَهُنًّ ببراقع، مناديل ملونة لا يرى من ورائها النَّاظرُ شيئاً". وطبع نعمان قساطلي كتابه "الرَّوضة الغناء في دمشق الفيحاء" عام 1879م وتحدث عن زَيِّ نساءِ دمشق في وقته فقال: "ولا تخرج امرأة من بيتها دون إزار، ويُسبِلْنَ غالباً على وجوههنَّ المناديلَ كيلا يراهُنَّ أحد". ويذكر خالد العظم في مذكراته عن نمط الحياة التي كانت تحياها المرأة في زمن العثمانيين "فكانت الزياراتُ قاصرةً على الأهل والصديقات. وكانت المرأة تسير وهي تتعثّر بخطاها بسبب كثافة المنديل الذي يحجب وجهها، أما الملاءة التي ترتديها فمن اللون الأسود وتتدلّى حتى الأرض تحجب المرأة كاملاً وكانت الاجتماعات التي تروق للنساء هي التي تعقدها في الحمامات باللهو والغناء وسماع الموسيقى والأكل والاستحمام".. ويقول خليل السَّكاكيني في يومياته: "أما النِّساءُ في الأحياء المسيحية فهن غير محجبات ويخرجن مع الأصدقاء والأقرباء للتنزُّهِ سيراً على الأقدام وإلى البساتين". ويذكر عبد العزيز العظمة أيضاً: "أنَّ حياة المرأة الدمشقية اتَّسمت بروح المحافظة، وأبدى أحدُ المعاصرين إعجابه بهذا النمط فالنساء يقبعن في دورهن حيث يقضين معظم الوقت بالعناية بالمنزل أو الإشراف عليه لو كان لديهن خادمات، وبالأولاد وبتحضير المآكل و التفنن بها والعناية بزينتهن أو بالتطريز والخياطة" .. أما النساءُ الأقلُّ ثراءً فكنَّ يعملن في مهن معينة سواء في المدينة (الأسطة والبلاّنة والرسّامة والغسّالة والماشطة، والنقاشة)، أو في الريف (المحمّرة والمعشّبة وغيرها) حسب ما ورد في قاموس الصناعات الدمشقية.. أما تقاليد الزواج في دمشق، كما يقول عبد العزيز العظمة: "فهي تتبع الأصول المتعارف عليها، تقوم والدة الشاب الذي يرغب في الزواج، برفقة قريباته، بالبحث عن فتاة موافقة ولو راقت لهنَّ، يذهبُ الوالد مع أقربائه لخطبة الفتاة ويُتفق على المهر. وكانت عادات الزواج عند المسيحيين في دمشق، تجري على نهج المسلمين، ثم طرأ عليها التغيير مع الأيام لعدم جواز الطلاق عندهم فأطلقوا الحرية لشبانهم في انتقاء الفتيات وجعلهن مختارات بقبول الخطبة أو رفضها.. أما تقاليد الزواج عند يهود دمشق فهي ممزوجة بعادات المسلمين والمسيحيين، ويميزها الحرية التامة في انتقاء الزوجة و تقديم أهل الفتاة البائنة (الدوته) للعريس هدية"..
 
3
 
بالمجمل كانت المرأة العثمانية شبه مَوْءُودَة حتى نصف القرن الأخير من عمر الإمبراطورية، حيثُ افتتحت المدرسة الرُّشدية باستانبول كأول مدرسة للبنات سنة 1854 وذلك بتأثير الضغط الأوروبي على السلطنة، كما دخلت أفكار العلمانية والمساواة مع البعثات التبشيرية والقنصليات الأوروبية إلى البلاد العربية.. وفي مطلع القرن العشرين افتتحت مدارس الإناث بدمشق، حيث يقول محمد كرد علي في مذكراته: "تمركزت المدارس الابتدائية الرسمية في مبان مستقلة، وبلغ عددها حتى الحرب العالمية الأولى 9 مدارس للذكور و4 للإناث. وانقسمت المدارس الخاصة إلى أهلية وأجنبية، والأهلية مسيحية وإسلامية، وتوزعت المدارس الأهلية المسيحية بين الطوائف: "ففي مدارس الروم نحو 250 من الصبيان و150 من البنات، والكاثوليك نحو هذا العدد وكذلك البروتستانت. وتتوزّعُ المدارسُ الأجنبية في الأحياء المسيحية كمدرسة الفرير والعازريةومدرسة لليسوعيين وأخرى للإنجليز وللروس ولليهود (جمعية الأليانس). والمدارس الأجنبية تعلم باللغات التي تنتمي إليها. وكان بعضُ أبناء دمشق الذين يتقنون اللغة الأجنبية، يقومون برحلات إلى الغرب بهدف التعرف إلى مدنيته ودرسها درسًا علميًا، إضافة إلى التعرف على علماء المشرقياتودورهم في التقريب بين الشرق والغرب".. ويمكن القول إن هؤلاء السوريين الأحرار هم من شكَّل بداية الحركة العلمانية في بلاد الشام حيث جاءت حركة تحرر المرأة كثمرة من ثمارها..
 
4
 
في سنة 2006 كنت أقف مع طفلتي بانتظار حافلة المدرسة، وقد انشغلت بإحصاء عدد الطفلات المحجبات من طالبات الإعدادي والثانوي، إذ يوجد في حيِّنا ثلاث مدارس للبنات (لم أكن أعرف أن الأخوات القبيسيات يسيطرن عليها)، وكانت نسبة المحجبات 6 من 10، واستغربت الأمر عندما رأيت محجبات أعرف أمهاتهن سافرات، فقررت نشر كتاب عن بدايات الحركة النسوية في سورية، لأُبَيِّنَ للحفيدات كيف أنَّ الجدات في أول حركة تحرر قمن بها، وهن ينعمن اليوم بثمارها، قمنَ بنزع الحجاب والخروج من المنزل للعلم والعمل.. وقد أصدرتُ الجزءَ الأوَّلَ من الكتاب تحت عنوان "نساء سورية" بتمويل من الهيئة السورية لشؤون الأسرة سنة 2008 ويغطِّي الكتابُ نشاطَ الرَّائدات السُّوريات خلال النِّصف الأول من القرن العشرين، بالتعاون مع 14 كاتبة سورية، وأذكر أن أبحاث الكتاب كانت تحتاج لصور الرائدات، فأصرَّ بعضُ وَرَثَتِهِنَّ على صُوَرٍ لهنَّ بالحجاب في سن الشيخوخة، ولم يكن ذلك يخدم سيرتهن أو يتناسق معهنَّ كسيدات دَعَيْنَ للسُّفُور قبل قرن من الزمان، فاستغنيتُ عن الصور.. ذلك أن ثقافة الحجاب عادت إلى المجتمع مع هيمنة الإسلاميين على رياض الأطفال في ريف دمشق منذ أواخر القرن العشرين، كما تغلغلوا في المنظمات الإنسانية ودعموا المدارس الشرعية عبر موظفيهم في مؤسسات الدولة والأوقاف، وكان أول طلب للمتمردين على الدولة السورية عودة المعلِّمات المنقَّبات إلى المدارس.. والواقع أن قضية الحجاب كانت المسألة الأولى في الصراع بين العلمانيين والإسلاميين في سورية ومصر، (منذ أن خرجت مائة سيدة دمشقية في تظاهرة تدعم مرشحي الكتلة الوطنية، وقمن برفع النقاب عن وجوههن، وقد تدرَّعْنَ بلفيفٍ من الشباب الجامعي للتأكيد على حق المرأة في اختيار زيّها)، حيث غدا حجاباً سياسياً بإطلاق يعبر عن توجُّهِ ونهجِ تيار الإسلام السياسي مهما كانت الحجج التي سوِّقت له فهو أمر مختلف عليه بين المسلمين، حيث أن المرأة تكون سافرة في الإحرام ولايوجد نص واضح يأمر بالحجاب.
فمقدمة الحراك النسوي في مصر وسورية كان في الدعوة لإظهار وجه المرأة، ويقول الشيخ علي الطنطاوي عن بدء "السُّفور" في بلاد الشام: "وكانت النصرانيات واليهوديات من أهل الشام يلبسن قبل الحرب الأولى الملاءات الساترات كالمسلمات، وكلُّ ما عندهن أنهن يكشفن الوجوه ويمشين سافرات، أذكر ذلك وأنا صغير، وجاءت مرة وكيلة ثانوية البنات المدرسة سافرة فأغلقت دمشق كلها حوانيتها، وخرج أهلوها محتجين متظاهرين حتى روعوا الحكومة، فأمرتها بالحجاب وأوقعت عليها العقاب مع أنها لم تكشف إلا وجهها.. كما ذكر المستشرق البريطاني إدوارد وليم لين الذي أقام ثلاثة أعوام بمصر درس فيها طبيعة مصر الجغرافية وتاريخها، وتأمَّل في حياة أهلها الاجتماعية والاقتصادية، ونشر كتاب "طباع المصريين المحدثين وعاداتهم" عام 1836، تحدث فيه بشكل مفصل عن لباس المصريات، وذكر أنهنَّ لا يخرجن سافرات الوجه، وأنهن يلبسن البرقع الذي يغطي الوجه كله عدا العينين، وأن بعضهن يلبسن الطرحة ولا يكشفن سوى عين واحدة، ثم يضيف "واللافت للنظر عدم تغطية عديد من نساء الطبقة الفقيرة وجوههن على الإطلاق".. وقد ظلَّ هذا اللباسُ سائداً في مصر حتى قامت ثورة 1919، ثم بدأ الوضع يتغير شيئاً فشيئاً.. فقد تسللت أفكار النهضة النسوية من خلال بعثة والي مصر محمد علي باشا إلى فرنسا للتعلم سنة 1869م، وكان معهم الشيخ رفاعة رافع الطهطاوي، الذي دعا بعد عودته لسفور المرأة عن وجهها، ثم تتابع على هذا الأمر عدد من الكتاب المتنورين، منهم: مرقس فهمي في كتابه: "المرأة في الشرق" الذي هدف فيه إلى نزع الحجاب وإباحة الاختلاط. وأحمد لطفي السيد، وهو أول من أدخل الفتيات المصريات في الجامعات مختلطات بالطلاب، سافرات الوجوه، وناصره في هذا الأديب طه حسين. وقد تولى الدعوة معهما إلى السُّفور قاسم أمين في كتابه " تحرير المرأة " ثم كتابه “المرأة الجديدة ". وقد تأثر الزعيم سعد زغلول وشقيقه أحمد فتحي زغلول بأفكار قاسم أمين ودعوا إليها. وتعود أولُ دعوة للسفور إلى عام 1900م عندما أصدرت هدى شعراوي " مجلة السُّفور" ونشر فيها الكُتَّاب مقالاتِهم التي تدعو إلى السُّفور ونقد المرأة التي تغطي وجهها، وتجرأت المجلة على نشر صور النساء، ودمجت بين المرأة والرجل في الحوار والمناقشة باعتبار أن المرأة شريكة الرجل.. وفي العام 1919 قامت الحركة النسائية بالقاهرة برئاسة الرائدة شعراوي بدعوة المرأة لنزع الحجاب.. وفي تركيا أصدر كمال أتاتورك قانوناً بنزع الحجاب سنة 1920م. وفي إيران أصدر رضا بهلوي قانوناً بنزع الحجاب سنة 1926م . وفي أفغانستان أصدر محمد أمان قراراً بإلغاء الحجاب. وفي ألبانيا أصدر أحمد زوغوا قانوناً بإلغاء الحجاب. وفي تونس أصدر الحبيب بو رقيبة قانوناً بمنع الحجاب وتجريم تعدد الزوجات. وفي العراق تولى المناداة بنزع الحجاب الشاعران صدقي الزهاوي ومعروف الرُّصافي.. فبعد اندحار العثماني انطلق العالم الإسلامي بقوة نحو الحداثة والعلمنة. وخلال العهد الفيصلي في سورية وبالتوازي مع مصر، أسست الآنسة “نازك العابد” وزميلاتها الدمشقيات جمعية “نور الفيحاء” النسوية سنة 1919 وكان هدفها لم شمل أخواتها الناهضات، وتطوعن لإسعاف الجرحى عقب معركة ميسلون، وأسست مدرسة لبنات الشهداء تحت اسم الجمعية، وقدمت مع زميلاتها خدمات إنسانية وتربوية واجتماعية، وأصدرت مجلة نسوية وجمعية للتمريض تحت اسم: “الهلال الأحمر”، شاركت فيها بنات دمشق المندفعات بحسهن الوطني لإغاثة المنكوبين، مع تعهد بنات الشهداء بالرعاية والتعليم مجاناً. وبالعموم فإن حركة تحرر المرأة كانت إحدى ثمار الأفكار العلمانية التي جاء بها رجال عصر النهضة، ولولاهم لتأخر تحرر المرأة العربية..
 
5
 
في عام 1933 تداعت ثلاث جمعيات لإطلاق نواة الاتحاد النسائي العربي السوري وانتخبت عادلة بيهم الجزائري رئيسة له، وكان ثاني اتحاد نسائي يطلق في البلاد العربية بعد الاتحاد النسائي المصري عام 1923 بقيادة هدى شعراوي. في العام التالي كلفت عادلة الموسيقي عمر البطش بتدريب بعض طالبات مدرستها "دوحة الأدب" على رقص السماح، وفي العام 1936 دعم الاتحاد الإضرابَ السوري العام ضد شروط المعاهدة مع فرنسا بتأمين عائلات المحتجين، وفي 1937 ساهم الاتحاد بإطلاق مشروع التنمية الريفية، وفي 1938 عقد الاتحادان النسائيان في مصر وسورية المؤتمر النسائي الفلسطيني بالقاهرة لدراسة القضية وخطر الصهيونية. وفي العام 1944 اكتمل عقد الاتحاد النسائي السوري بانضمام تسع جمعيات نسائية، واستمرت عادلة بيهم الجزائري رئيسة له حتى 1967، وتقول الأميرة بديعة الجزائري في كتابنا "نساء سورية": "مع الاستقلال اختفت القضية التي كانت تطمس الخلافات لصالح مواجهة عدو واحد هو الاحتلال، ووجدت النساء اللواتي شاركن الرجال النضال ضد العثمانيين والفرنسيين أنفسهن مَقصيات، كما حدث مع النساء في كافة الدول العربية، فقام الاتحاد النسائي العام بتنظيم مظاهرات عدة ومذكرات إلى الرؤساء المتتالين والنواب والمسؤولين يطالبن فيها بإعادة النظر بقانون الأحوال الشخصية بهدف تلافي بعض التمييز ضد المرأة الموجود فيه". كما كان الاتحاد النسائي السوري أول من تقدم في المؤتمر الثالث للاتحاد النسائي العربي عام 1954 باقتراح يقضي بتحديد الملكية الزراعية، وشكل في العام 1956 المقاومة الشعبية النسائية السورية، كما دعا وفد الاتحاد في اجتماعه مع لجنة حقوق المرأة بالأمم المتحدة وأمام وفود العالم النسائية إلى عقد مؤتمر نسائي آسيوي ـ أفريقي، وتحقق الطلب في عام 1960 وفي العام 1957 انعقد المؤتمر الرابع للاتحاد النسائي العربي العام بدمشق حول وضع المرأة ودورها في الوطن العربي وشاركت فيه وفود من الاتحادات النسائية من لبنان والعراق والأردن وفلسطين ومصر والسودان وتونس والمغرب، وانتخبت عادلة بيهم رئيسة للاتحاد النسائي العربي الذي بقي مقره في دمشق حتى العام 1963 فبعد ثورة آذار سيطر المجلس الثوري على الاتحاد، وفي عام 1967 توفيت عادلة وحلت الناشطة البعثية سعاد العبد لله مكانها في رئاسة الاتحاد، ودخلت إلى مجلس الشعب سنة 1971 بالتعيين مع أربع سيدات من قيادة منظمة الاتحاد العام النسائي، وتقدمن في العام نفسه بمشروع تعديلات على قانون الأحوال الشخصية في مواضيع تعدد الزوجات والطلاق والمهر وحضانة الأطفال. ولم يدعم الرفاق البعثيون التعديلات ورُفض المشروع خوفا من استفزاز الإسلاميين.. وقد غطت فروع الاتحاد سائر المحافظات السورية واقتصرت نشاطاته على دورات محو الأمية والخياطة  والتطريز وحياكة الصوف والدفاع المدني ودور حضانة ورياض الأطفال، ولم يعد له كبير أثر خلال العقود اللاحقة حيث تحول إلى مؤسسة قطاع عام تعاني من الترهل على امتداد نصف قرن، ليتم حله بمرسوم رئاسي في العام 2017 وتم توزيع موظفات فروع الاتحاد على الوزارات وكأن الاتحاد لم يكن.. أما في مناطق سيطرة المعارضة فإن عمل المجموعات النسوية، التي بلغ عددها عام 2016 حوالى 65 منظمة وجمعية (ممولة من دول العدوان على سورية)، تراوح بين الدعم النفسي وتعليم الخياطة وتصفيف الشعر ومحو الأمية ورياض الأطفال وتنظيم الأسرة والتمريض والزراعات المنزلية، والالتزام بالملابس الشرعية (حملة حجابي عفافي).
في شهر أيلول عام 2013، وعلى هامش اجتماع الجمعية العمومية للأمم المتحدة، ساهمت رابطة النساء السوريات التابعة للحزب الشيوعي مع ثلاث منظمات سورية في لقاء مع المبعوث الخاص إلى سوريا الأخضر الإبراهيمي، جرى فيه التأكيد على مطلب إشراك النساء السوريات في عملية التفاوض استناداً للقرار الدولي 1325، بناءً عليه تأسَّست "مبادرة نساء سوريات من أجل السلام والديمقراطية" برعاية منظمة الأمم المتحدة للمرأة في كانون الثاني 2014. وعملت المبادرة على الترويج للحل السياسي للأزمة السورية وحجز مقعد للنساء السُّوريات والمجتمع المدني في سوريا على طاولة المفاوضات. وبتأثير عمل المبادرة قرر المبعوث الخاص إلى سوريا، ستيفان ديمستورا، تشكيل المجلس الاستشاري النسائي، وهذا أمر يحدث لأول مرة، حيث أصبح هناك مجلس مكون من عدد من النساء السوريات المستقلات ولكن من خلفيات متنوعة (نظام ومعارضة وبين بين) قريب جداً من المفاوضات ويقدم النصح والمشورة للمبعوث الخاص، ويشكل فضاء لبناء التوافق السوري.
 
6
 
حارب الإسلاميون مظاهر تحرر المرأة ودعوا إلى "النسوية الإسلامية" بصبغتها العثمانية التي تتلخص في الفصل ومنع الاختلاط والتزام الحجاب والصلاة والقبول بما أعطته لهن القوانين الشرعية في الزواج والطلاق والإرث وقوامة الرجل عليهن.. ففي السودان ومع تسلم الجبهة الإسلامية لمقاليد السلطة 1989 بقيادة عمر البشير شكل الإسلام السياسي عائقاً في وجه تحرير المرأة ، ووضعوا العديد من القوانين التمييزية للحد من مشاركة المرأة في الشأن العام وحصرها في مجال الأسرة، وفرضت عليها شكل مظهرها الخارجي، ولم تتورع شرطتها عن اعتقال الصحفية لبنى أحمد وجلدها في الساحة العامة لارتدائها سروالاً، كما قامت الجبهة الإسلامية بإغلاق منظمات نسائية وإلغاء فعاليات يوم المرأة العالمي، وقد تميز خطابها الديني في العودة إلى الختان خلال العقود الثلاثة التي حكمت فيها، بعدما كان تراجع كثيراً بجهود الحكومات السابقة، فقد شكل بظر المرأة خطراً داهماً يستوجب بتره لدى إخونج السودان كما في مصر حيث تفشى الختان في عهد الرئيس مرسي، وكانت القوافل الطبية تدور على القرى للقيام بالعمليات التطهيرية بأجور رمزية لنشر (الفضيلة والعفاف). فقبل استلامهم السلطة بخمس سنوات قدم نواب الإخونج بمجلس الشعب المصري طلب إحاطة حول قيام وزارة الأوقاف بطبع وتوزيع كتاب "ختان الإناث ليس من شعائر الإسلام" واعتبروا ذلك هدراً للمال العام واتهموا جهات أجنبية مشبوهة بتمويل الحملة، ورد الأزهر بأن النبي لم يثبت عنه أنه ختن بناته بينما ثبت ختان الحسن والحسين، وقد أحصت منظمات الأمم المتحدة سنة 2020 حوالى 4 ملايين فتاة في أنحاء العالم معرضات لمخاطر الختان، وتراوح مؤشر فتاوى الختان حول العالم بين الاستحباب بنسبة 35% والوجوب بنسبة 25% والمكرمة بنسبة 25% والحرمة التي تصدرها المؤسسات الدينية الرسمية بنسبة 15% وأما داعش فقد أفتت بختان جميع النساء على الرغم من أن ختان النساء غير معروف في سورية والعراق..
أما "الحركة النسوية الإسلامية" في دول الغرب فليس لديها أي برنامج نسوي سوى الحض على الالتزام بالقوانين الشرعية والحجاب عنوانها.. فقد تغلغل فيها التنظيم العالمي للإخونج بعد استيلائهم على المراكز الإسلامية ومنابر المساجد والمدارس القرآنية والمصليات والجمعيات الخيرية وغيرها من الأطر التي تبدو قانونية في نظر الأوروبيين، وباتوا يقايضون النواب اليساريين على الأصوات الإسلامية، حتى غدا تيار اليسار الأوروبي رهين الإخونج على مستوى السياسات المحلية والإقليمية وإدارة البلديات والمقاطعات..
وفي سورية تدير الأخوات القبيسيات أكبر تنظيم نسائي سري، حيث بدأن بملء الفراغ الذي خلفه الاتحاد النسائي بعد شطبه من الحياة العامة، ويمكن وصفهن كحركة دينية دعوية صارمة، وتنظيم فريد من نوعه في المجتمعات الإسلامية، وهي بعيدة عن أفكار الإسلام السياسي، وهذا ما سمح بالتقارب بينها وبين سلطات حزب البعث حيث تتوفر لكلا الطرفين براغماتية سياسية لا تقيدها العقيدة الحزبية أو الدينية. والثابت أنهن يسيطرن على عدد كبير من رياض الأطفال ومدارس البنات ودور الأيتام وبعض المساجد، ولديهن انتشار في بعض المحافظات السورية وخارج سورية حيث وصلت دعوتهن إلى دول أوروبا وآسيا والشرق الأوسط. ولديهن نفوذ وعلاقات مصاهرة مع النخب التجارية والسياسية، وهناك تخوف من القبيسيات لدى العلمانيين والطوائف غير السنيّة. وبحسب المعلومات المتوفرة لا يمكن اعتبارها حركة نسوية بقدر ماهي جماعة دعوية تعمل لتثبيت النهج الديني الصارم في التربية النسوية. حيث تنهج نساء التنظيم نهج الآنسة منيرة القبيسي في إلغاء مظاهر أنوثتهن من عدم التبرج وعدم تزجيج الحواجب وارتداء الحجاب والبالطو (يكون لونهما بحسب درجة العضوية) وعدم الاختلاط مع الذكور (بما فيهم الأخوة الذكور والأب)، وطاعة الآنسة المشرفة في كل مناحي حياة المريدة بحيث تغدو تابعيتها للتنظيم قبل الأب والزوج .. وقد قيل الكثير عنهن من قبل المنشقات أو المطرودات من التنظيم، لكن لا يوجد شيء مثبت حولهن. وتعود حالة تناغم الأخوات مع سلطات البعث إلى عام 2002 حيث منعت الرقابة حلقة دراما تلفزيونية تأخذ فيها البطلة دور سيدة قبيسية متشددة دينيا، ومن ثم تمكن الشيخ محمد عبد الستار السيد وزير الأوقاف من إشراك بعض الأخوات كمستشارات في الوزارة والمشاركة في مجلس الشعب.. وقد طلبت منه تحت قبة مجلس الشعب في عام 2017 تعريفنا بمنهج القبيسيات اللاتي تدعمهن وزارته بكونهن تنظيماً نسائياً ليس لديه أي برنامج نسوي معلن لدعم المرأة السورية.. وقد احتجَّ الوزير على التسمية وقال: لا يُدْعَينَ "قبيسيات" وإنما اسمهن "الداعيات إلى كتاب الله" وبالطبع لم يوضح لنا السيد الوزير أي شيء عنهن!؟ وعلى أي حال فقد أثبت التنظيم تماسكه واستقلاله خلال أربعين عاما المنصرمة. وهو تيار إسلامي غير عنفي، حتى الآن، ولا يحتاج لاستخدام القوة طالما أنه يتغلغل في مفاصل السلطة والمجتمع والاقتصاد، ولكنه لا يخدم حركة تحرر المرأة، فيما هو يعمل على شرنقتها وإلغاء جسدها وحضورها كأنثى، بما لا يخرج عن التربية الدينية النسوية التي كانت سائدة في ربع القرن الأخير من الاحتلال العثماني لبلاد الشام.
 
7
 
في ستينات القرن الماضي نضجت الحركات النسوية العربية، وبات لجسد المرأة حضوره الإنساني بعد قرون من تعميته وإلغائه، وقد ساهم كتاب وشعراء الحداثة العرب بذلك، وفي مقدمتهم شاعر الحب نزار قباني، وأديبة التمرد غادة السمان، و أيقونة حركة التحرر النسوي العربي د. نوال السعداوي، وبات الزواج رهين علاقة الحب والتفاهم بين المتعلمين، وبدأ التشبيك مع الحركات النسوية العالمية، وغدا التعليم المجاني فرضاً على البنات مثل الصبيان، وسمح بالاختلاط في المؤسسات والأماكن العامة، فاستنفر الإسلاميون ضد ما اعتبروه إباحية وفسق برعاية الحكومات شبه العلمانية التي شكلها الانقلابيون في جمهوريات مصر والعراق وسورية وليبيا والجزائر وتونس وتركيا وإيران، بينما بقيت قوانين الممالك العربية في حدود القبول الشرعي، ولم يقوموا بأي تمرد ضد حكامها الذين يأمر الدين بطاعتهم وعدم الخروج عليهم ولو كانوا من الظالمين!؟
وقد مثلت نوال السعداوي رمزاً نسوياً في البلدان العربية والإسلامية، وهي من نساء الجيل الثاني للحركة النسوية العربية، أمازونة علمانية محاربة، ليس من أجل المرأة فقط وإنما لأجل الرجل أيضاً، لعله يفهم طبيعة الأنثى في مجتمعات تعاني من الأمية العاطفية والجنسانية. وقد نشرت 36 كتاباً تراوحت بين الأبحاث والروايات والمقالات التي تتحدث عن الثالوث المحرم: السلطة، الجنس، الدين. وكانت أفكارها التحرُّرية صادمة للكثيرين، حيث مزجَتْ في كتبها بين عملها كطبيبة نسائية وثقافتها في الفلسفة والتاريخ والدين والأدب، ووظَّفت ذلك في الدفاع عن حقوق المرأة.. لم تكن السعداوي ضد الدين وإنما ضد التأويل الذكوري للنصوص الدينية، وقد أظهرت في كتاباتها فهماً عميقاً للدين، وقد أحرجت الإسلاميين في كثير من دعاواهم حتى باتت العدو النسائي الأول لهم وعندما عجزوا عنها وضعوا اسمها في قوائم الاغتيال. ومن المؤسف أن نقابة الأطباء التي هي عضو فيها أحجمت عن تأبينها الأسبوع الماضي خوفاً من إثارة غضب الإسلاميين في مصر.. وعلى أي حال فإن كتب نوال السعداوي بإرثها الفكري كاف لتفكيك البنى السلفية في دعاوى النسوية الإسلامية، وينصح بتعميم كتبها بين الطالبات والطلاب في جميع مراحل التعليم، والأمر ليس صعباً خاصة أن أعمالها متوفرة على شبكة الإنترنت من أجل توفير ثقافة الحماية النسوية، إذ تصنف منظمات الأمم المتحدة بلدان شمال أفريقيا والبلدان الإسلامية في الشرق الأوسط بحزام "النظام الأبوي الكلاسيكي "حيث يمارس الرجل السلطة على المرأة عبر السيطرة على جسدها وتحركاتها مدعوماً في معظم الأحيان بالتفسيرات المحافظة للدين ولا يعتبر على أنه تمييز بل نوع من الحماية والرعاية، حيث تجد المرأة نفسها عالقة في دوامة من العنف في ظل محدودية التعليم والخيارات الاقتصادية المقرونة بالاستغلال وغياب التشريعات التي تحظر التمييز ضد المرأة.
 
8
 
مر قرن على حركة التحرر النسوي العربية، ويمكن اعتبارها جزءاً من الحركة العلمانية في مواجهة السلفية الدينية التي ماتزال بقايا قيودها موجودة في قوانين الأحوال الشخصية في الدول العربية على الرغم من تعارضها مع دساتيرها التي تقول بالمساواة بين المواطنين في الحقوق والواجبات، حيث تضغط منظمات الأمم المتحدة على الحكومات العربية لإلغاء التمييز في قوانين الأحوال الشخصية، بينما تقوم الحكومات ببعض التعديلات البسيطة على سن الزواج والحضانة والمهر، كما حصل في سورية حيث عدل مجلس الشعب خلال عام واحد قانون الأحوال الشخصية مرتين، وقد حضرت نقاشات لجنة مجلس الشعب مع القاضي الشرعي وممثل كلية الشريعة ووزير العدل، واصطدمت معهم في موضوع مساواة المرأة بالرجل في الشهادة والإرث و الجنسية والزواج.. ولم تساندني أي نائبة في النقاش في المرتين اللتين تمت فيهما تعديلات بسيطة حرصاً على رضا جماعة الأوقاف وجمهورهم.. وفي الأردن اعترض الإخونج على تعديلات قانون الأحوال الشخصية وكذا في أغلب الدول العربية التي وصلت فيها النساء إلى الوزارة والنيابة والقضاء وكافة مجالات الحياة لكن الحكومات العربية مازالت رهينة السلفيين في حقوق المرأة، وهي لن تنهض بمجتمعاتها حتى تحسم توجهها العلماني، ذلك أن نهضة الاقتصاد العربي رهينة المساواة والعدالة وإلغاء التمييز ومنع العنف ضد المرأة، وهذالنيتحقق قبل أن يفهم الذكور حقيقة الأنوثة وغناها وحاجتها للسقاية والرعاية والحماية لكي يستحقوا ثمارها، فــ "كُلُّ مالا يُؤَنَّثُ لا يُعَوَّلُ عليه"...
Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 6 + 6