سفربرلك" الحلقة الثانية: من مذكرات فخري البارودي حول الابادة التركية للعرب

الدكتور مصطفى الايوبي

2021.04.23 - 05:49
Facebook Share
طباعة

 ما رأته بغداد على يد المحتل التركي ومرتزقته تكرر في دمشق، السفربرلك هي سياسة تركية انتشرت كالوباء المبيد للبشرية، فحيث مر العسكر التركي اختفت الحياة، وكأنهم جراد يجتاح الحقول فتختفي من على وجه البسيطة. الفرق ان الجراد لا يفني البشر بل يفني المزروعات.
المفجع ان القوات التركية المحتلة ارسلت العرب ليقاتلوا دفاعا عن تركيا بينما عاث الجند التركي في المدن العربية تخريبا وافسادا يلاحقون الرجال لسحبهم اما الى الجبهة او الى المشانق والسجون. ولو سخرت تركيا جيوشها المحتلة للقتال لما احتاجت للعرب لكنها العنصرية التي ادت في النهاية الى انهيار السلطنة الظالمة لا على يد الحلفاء الاوروبيين بل على يد الثوار العرب قبل كل شيء
التاريخ يعيد نفسه وها هو المحتل التركي يسحب الشبان العرب من سورية وتركيا ويرسلهم للموت في اوكرانيا التي تتحضر لحرب جديدة بمساعدة تركيا ضد مناطق ثائرة ضد كييف على خلفية اضطهاد الاوكران للمواطنين من ذوي الاصول الروسية.
في العام 1915 عين جمال باشا السفاح قاتلا مجرما ضابطا عاما لحاضرة الشام الكبرى دمشق البهية.
يروي المؤرخ " البارودي" فيقول ما شاهده بام العين:
المكان حي القيمرية الدمشقي العريق، ساعات الصباح الاولى، حيث بدأت مظاهر الحياة الدمشقية المبهجة يومها كما كل يوم، اصوات خرير المياه داخل زجاجات النراجيل في مقهى الحي، اصوات الباعة خضار لحوم حلويات.. فيما ابو ينشغل ابو انور حلاق الحي في نفض الفوط وكنس شعيرات عن ارضية دكانه كان قد خلفها احد زبائنه.
لم يطل هذا المشهد، عبارة "عباية عباية" اخترقت ضجيج حياة الحي بكل اصواته، حتى ان ضربات مطرقة حداد الحي التي كانت تهوي على سيف دمشقي تتم صناعته قد توقفت، سكون لم يدم، حتى قاطعته خطوات عسكر عثماني متثاقلة توحي بالغرور، رجل بالبسة مزركشة و على رأسه قطعة من قماش اللباد، يتوسط العسكر.
انهم رجال سرور آغا مسؤول الامن بدمشق، يبحثون عمن يصفونهم بالأشقياء، الذين تخلفوا عن الاخذ عسكر او امتنعوا عن دفع ضرائب الدولة العلية.
شعر رجل سرور اغا بتواطئ اهل القيمرية، لقد كانت كلمة عباية بمثابة تحذير سبقت وصولهم للحي، وكانت كفيلة بانقاذ شبان كان مصيرهم احد اثنين، اما الموت قتالا في ارض غريبة حيث الجوع و البرد عند القرم والقفقاز وهي قدر كل من يتم اخذه الى السفربرلك، او حجز مترين مربعين في سجن القلعة حيث يتم التعذيب بسادية.
اكملت دورية العسكر طريقها بريبة من سكان الحي، فعيون ابو لبادة قائد الدورية كانت توجه اتهاما ايمائيا لكل من تقع عليهما، بتحذير الاشقياء والمساعدة في هربهم.
لم تكن ايام سرور آغا، سوى عصر ذهبي لاهالي القيمرية، مقارنة
بمصطفى بك، رئيس بلدية دمشق، رجل تركي شديد القسوة صنع حضوره بين الدمشقيين من خلال ارعابهم، ولكثرة خوف الناس منه وحنقهم عليه في آن، كانوا يتهامسون فيما بينهم ويرددون كلمة "اتى عباية، ذهب عباية".
لقد كان اهالي الحي البائسين يطلقون على مصطفى بيك لقب العباية، لشدته وضرره على الناس، حيث لم يوفروا اية فرصة لتحذير بعضهم بعضا قبل وصول البيك قاسي القلب.
مرت سنوات الاخذ عسكر، لقد مضى عليها ما يقارب المئة وسبعة اعوام، لم يبقى منها سوى مرويات الفتن والوقائع، فيما استمرت كلمة "عباية" على السنة مراهقي اليوم، لم يبقى من هذه الكلمة التي كانت تمثل رعبا للشبان قبل مئة عام سوى ذات الحروف لكن بدلالة مختلفة، يغلب عليها التهكم.

المصادر :مذكرات فخري البارودي.
يتبع

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 2 + 5