كتب نبيل صالح: تفخيخُ الدِّين: بالسياسة والعلاج، بالعلمانية والحداثة

خاص عربي برس

2021.04.30 - 02:13
Facebook Share
طباعة

 
 
1
 
قبل انفجارها بنا... كيف تشكَّلَتْ ألغام الحرب الدينية والقومية والمذهبية الكامنة فينا، هذا هو السؤال؟
منذ أن تمَّ تبنِّيها في بلدان المشرق العربي، لم يَقُمْ أيٌّ من دعاة العلمانية أو تياراتها القومية والأممية بالدعوة إلى الإلحاد أو معاداة الدين الإسلامي، ومع ذلك مازال الإسلاميُّون يَسِمُون العلمانيين بالكفر، وآخرُها عندما اتَّهم موظفو وزارة الأوقاف "التحالف السُّوري العلماني" بذلك، بينما شنت مواقعُ المعارضة الإسلامية هجومَها على مفتي الجمهورية بعد تصريحه لنا بالقول: "أنا مؤمن علماني"، ونشرت صورته وهو يصافح امرأة باعتبار ذلك إباحية.. والواقع أنه لم يسبق للعلمانيين العرب أن اعترضوا على طقوس المتدينين، ولا اعترضت النساء "السافرات" يوماً على "المحجبات"، لأن العلمانية تحفظُ للفرد حقَّ الإيمان وحريةَ ممارسة الشعائر، وإنما خلافُنا على تسييس الإسلام والتحكم بالمجتمع والحد من حرية الفرد ومعاقبته باسم الرب تحت شعار "الحاكمية لله" الذي أطلقه الخوارج بعد التحكيم في "صفين" وحاربهم الإمام علي ابن أبي طالب... فوصفة الحكم الإسلامي لم تكن عادلة أبداً في حكوماتها عبر القرون الماضية، حتى عندما حكم خلفاءُ عادلون، وإنما أعطت الحق فيما بعد للمستعمرين والقتلة بحكم المسلمين طالما أنهم مسلمون ويحكمون بالشريعة، الأمر الذي ساعد المماليك والعثمانيين على حكمنا لسبعة قرون بأبشع طريقة للحكم في التاريخ الإنساني، وقد أدرك نابليون بونابرت هذه الوصفة فأعلن إسلامَهُ حين دخل مصرَ المملوكية، ولم يجد مقاومة شعبية تذكر بعدما هزم المماليك في معركة أمبابة، إذ لم يكن الشعب مهتماً باستبدال محتل بآخر..
يقول الباحث والمفكر الإسلامي زكريا أوزون رداً على مقولة " الإسلام هو الحل": "كانت السلطة موضع صراع عند العرب خلال القرون الغابرة، فقبل الإسلام كان النزاع بين أهل الجنوب (القحطانيين) وأهل الشمال (العدنانيين) في شبه جزيرة العرب، واستمر ذلك الصراع على أشده بعد الإسلام ليصبح بين الأمويين والهاشميين مع ما انعكس عنه من نتائج حتى يومنا هذا. والمسلمون لم يختلفوا على أركان الإسلام من صلاة وصيام وحج وزكاة، إلا أن خلافهم كان على الإمارة والحكم ونظروا للرسالة والنبوة كخلافة ومُلك، واقتتلوا في سبيل ذلك بدءاً من سقيفة بني ساعدة مروراً باغتيال الخليفة عثمان وموقعة الجمل وصفين والحرة، وانتهاءً بسقوط الدولة العباسية... وفي تلك الحقبة قَتَلَ "المبشِّرُون بالجنة" بعضَهم بعضاً، وهتك العرب المسلمون بعضُهم أعراضَ بعض، وغلبت البداوة والقبلية على التسامح، وبُثت الطائفية والعداء بين صفوف المسلمين باسم الله وباسم الدين وباسم الرسول وتحت شعار الله أكبر الذي رفعه كل فريق من المتخاصمين. وعاش المسلمون إلى يومنا هذا تحت مظلة البغض والتكفير والكراهية لبعضهم البعض"... ومن هذا المنطلق كنا قد أكدنا في بيان تحالفنا العلماني (المعطل) أن علمانيتنا ليست ضد الدين وإنما ضد تسييسه الذي كان سبباً في تفرق الأمة، إذ أن الإسلام الروحي والأخلاقي منفصل تماما عن سياسات حكومات الإسلام منذ وفاة النبي.
 
2
 
يؤكد المفكر الإسلامي جمال البنا أنه: "لا توجد في القرآن الكريم دولةٌ بل أمة، ولم ترد كلمة دولة في القرآن الكريم إلا مرة: (كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم)... كما يتّفق الرسول (ص) مع القرآن في رفضِهِ المُلكَ والحكم والسلطة، وقد رفض كل ما عرضه عليه كبار قريش وأثرياؤها من مال وجاه أو ملك، وأنه في حياته في المدينة لم يتكلف شيئاً وعاش متقشفاً متواضعاً. وقد حصرت الآياتُ القرآنية دورَ الرسول في البلاغ وتجرده من أي سلطة"، وينهي "البَنَّا" قوله بأن: "فساد العقيدة على يد السلطة أمرٌ لا مفر منه بحكم طبيعتها، والسلطة في الوقت نفسه هي الخاصية التي تميز الدولة، ما يعني أن الدولة لا يمكن أن تكون راعية لعقيدة أو فكرة لأن السلطة الكامنة فيها لا بد من أن تفسد العقيدة، وثمة شواهد كثيرة من التاريخ الإسلامي والمسيحي واليهودي توضح ذلك"...
ويضيف الباحث زكريا أوزون أن كلمة "حكم" لم تكن تعني في الجاهلية و صدر الإسلام معنى السلطة السياسية في مفهومها الذي تعنيه اليوم، وإنما كانت تعني الحكم بين الناس في خلافاتهم وخصوماتهم، وأما مسألة آيات الشورى فهي متعلقة بالرسول وأصحابه (أبو بكر وعمر) في حدث معين وزمان محدد، ولا يصح إسقاطها اليوم، ولو كان الأمر يعني كل المؤمنين لكانت صيغة الجملة جاءت (والأمر شورى بينكم). كما أن مفهوم الشورى الوارد عام، ولا يتضمن أية آلية أو دلالة على كيفية تطبيقه، وهو ما ظهر جلياً في صدر الإسلام وخلال حقب التاريخ العربي الإسلامي، والرسول حين خروجه من المدينة للغزو لم يكن يستشير أصحابه فيمن يخلفه على المدينة، وكان غالباً ما يستخلف ُابنَ أمِّ مكتوم الضرير، كما أنه لم يشاور صحابته في وضع أي معايير أو أسس يجري بموجبها انتقاء الحاكم في حالة حصول الشورى وإجماعها عليه". ويظهر أوزون بالتحليل المنطقي أن الخلفاء الراشدين لم يطبقوا أية شورى فيمن سيخلفهم حسبما وصلنا من روايات، حيث تسببت وصايا الاستخلاف بمقتلهم على يد مسلمين غاضبين...
 وبالمجمل فإن الرسول الكريم قام بثورة اجتماعية لا سياسية، وقد مات الإسلام الصحيح معه، وانشغل عنه صحابته بالصراع على السلطة تحت سقيفة بني ساعدة بينما كان ابن عمه عليّ مشغول بغسله وتكفينه، ولم يسمح الصحابة بالصلاة عليه جماعة وإنما فرادى، والسبب كما يقول الإمام الرملي، نقلاً عن الإمام الشافعي: " لأنه لم يكن قد تعين إمام يؤم القوم، فلو تقدم واحداً في الصلاة لصار مقدماً في كل شيء، وتعين للخلافة "، إذ ركز صحابته من بعده على برنامجهم السياسي وأقاموا تحالفاتهم لتثبيت حكمهم وتوسيع رقعة سيطرتهم، والحصول على المزيد من الضرائب والغنائم والجواري والعبيد تحت شعار الجهاد. ونذكر ما قاله الخليفة أبو بكر رضي الله عنه خلال الثورات الاجتماعية التي وسمت بحروب الردة: "والله لو منعوني عقال بعير لحاربتهم عليه" وقد تم استخدام سيف الله المسلول الصحابي خالد بن الوليد في قمع الثورة... وتم تأويل الآيات والأحاديث واستخدام القرآن الكريم للخديعة السياسية والاستئثار بالسلطة (كما فعل عمرو بنُ العاص في التحكيم بين فريقي المسلمين المتحاربين)، حيث شكل الصحابة تياراتٍ سياسيةً متنازعة، وخالفوا مبدأ الثورة الاجتماعية، حتى باتت الرَّعية في خدمة الراعي وليس العكس.. وتم نفي ونبذ الصحابة الذين خالفوا الخلفاء ولم ينصاعوا لتوجهاتهم كما حصل مع الخليفة عثمان عندما نفى أبا ذر الغفاري رابعَ رجل يدخل في الإسلام، نفاه إلى صحراء "الرَّبذة" حتى مات فيها صبراً، فكان أحد أسباب ثورة الصحابة على عثمان ومن بينهم محمد بن أبي بكر، حيث حاصروه في داره أربعين يوماً دون أن يقوم مسلم واحد بنجدته سوى عليّ الذي كان يرسل إليه أولاده الحسن والحسين، فكان جزاؤه أن اتهمته أم المؤمنين السيدة عائشة بقتله، بالرغم من أنها كانت من المحرضين على عثمان لإشراكه أقاربه في السلطة والعطاء، فأدخلت المسلمين في حرب أهلية استخدمت فيها آيات القرآن بشكل سيء، وقتل الصحابي معاوية الصحابي المبشر بالجنة عمار بن ياسر في معركة صفين، وكان الرسول تنبأ بمقتله على يد الفئة الباغية... وقد استمرت جماعات الإسلام السياسي حتى اليوم على هذا المنهج، وكانوا براغماتيين سياسياً، ولم يكن لدى ورثتهم اليوم مانع بالتخلي عن مبدأ الشورى الذي ينظم دولتهم الإسلامية ليشاركوا في (ديمقراطية الكفار) للوصول إلى السلطة، كما هو الحال مع حـزب النهضة التونسي، وحزب العدالة والتنمية المغربي، وحزب الحرية والعدالة المصري، وحزب الإصـلاح الـجـزائـري واليمني، وحـركـة حـمـاس، والبيان الختامي لجماعة الإخـوان المسلمين السوريين فـي ٢٠١٥، ووثـائـق الأزهـر ٢٠١٢، وتنظيرات الشيخ يوسف القرضاوي، الذي كان يـنـدد قبل الربيع الإخونجي بالليبرالية - الديمقراطية!؟ ذلك أن السلطة كانت وما زالت مطلب الإسلاميين، حتى لو كان في ذلك تدمير حياة عباد الله والخروج على قوانين الشريعة والأخلاق، وما حصل من إباحية شرعية أثناء حكم داعش والنصرة من أجل مسرة (المجاهدين) يندى له الجبين...
 
3
 
الفرق بين الحداثة والتحديث كالفرق بين النظرية والتطبيق، وقد سبقت أفكار الحداثة عملية التحديث في سورية والعراق بنصف قرن، حتى مجيء الاستعمار الفرنسي والبريطاني. بينما سبق التحديث على الحداثة في مصر مع دخول نابليون بونابرت عام 1798 الذي اشتغل مع علماء فرنسا على إنجاز موسوعة "وصف مصر" حيث شمل العمل خطة لإحصاء السكان استكملها محمد علي باشا بواسطة طلاب البعثات الذين أرسلهم للتعلم في فرنسا وعادوا حاملين معهم أفكار الحداثة... وقد بدأ التحديث بتنفيذ أول مسح سكاني شامل في مصر، لأن تطوير وتحديث الجيش والزراعة والمالية مرتبط به، بينما تأخر التحديث في سورية والعراق حتى جلاء العثماني عام 1918 كونهما كانتا واقعتين تحت السيطرة المباشرة للسلطنة العثمانية، التي كان أول إحصاء لها في سورية عام 1854 في عهد السلطان عبد المجيد، بعد ثلاثة قرون ونصف من حكم العثمانيين لبلادنا، وشمل الشبان فقط من أجل "أخد عسكر"، وكان ينص على مدة خدمة عسكرية لعشرين سنة، وكانت الخدمة العسكرية إلزامية على المسلمين. فذهب الآلاف منهم للحرب في البلقان والقوقاز وكريت واليمن وغيرها، وقتل كثيرون منهم ولم تعرف أخبارهم. لهذا أحجم الكثير من السكان عن تسجيل أولادهم فكانوا مكتومين وهاربين من وجه موظفي الدولة "العَلِية"... ثم جرى إحصاء ثان سجلت فيه الإناث سنة 1885 ولكنه لم يشمل سوى جزء من سكان سورية العثمانية، وأول إحصاء شامل بنيت على أساسه الدولة الحديثة جرى في زمن الاحتلال الفرنسي سنة 1922 بهدف وضع سجلات مدنية، فتم إصدار أول قانون للسجل المدني (قانون النفوس) في أيلول 1923 ثم أنشئت الجنسية السورية عام 1924 بموجب معاهدة لوزان، بعدما خضع العرب للجنسية العثمانية منذ سنة 1869 وتم تحديد شروط الجنسية السورية في دستور عام 1950 وبوجود السجل المدني بات رعايا الدولة مجبرين على تسجيل الولادات والوفيات والزواج والطلاق وفق وثائق رسمية... وهكذا تم التأسيس للجمهورية العلمانية والبرلمان والانتخابات الديمقراطية بعد إحصاء الجمهور وتقييد بياناته. وقد بنى آباء الاستقلال على ذلك ولم يتمكن الإسلاميون من اقتحام مواد الدستور السوري العلماني حتى بداية الخمسينات حيث دخل الإخونج في خضم التنافس السياسي مع التيارات العلمانية آنذاك ووضعوا المادة الثالثة التي تحدد دين رئيس الدولة مستبعدة غير المسلمين من رئاسة الجمهورية، فخالف المشرع بذلك المادة الأولى منه والتي تقول بالمساواة بين المواطنين، كما عطلت فقرة "اﻟﻔﻘﻪ اﻹﺳﻼﻣﻲ مصدراً رﺋﻴﺴاً ﻟﻠﺘﺸﺮﻳﻊ" تطوير قانون الأحوال الشخصية الذي ناقشناه وتم تعديله مرتين خلال ستة أشهر في مجلس الشعب العام الماضي، ولم نتمكن من استكمال مساواة المرأة بالرجل بسبب تعنت القاضي الشرعي وشيخ كلية الشريعة وصمت الحزبيين...
 
4
 
طوال العقد الماضي شنت الجماعات الإسلامية حربها المقدسة ضد الجيوش العربية الجزائرية، المصرية، السورية، العراقية، الليبية، وهي جيوش أغلب جنودها وقادتها مسلمون علمانيون، إلا أنها تبنت نمط التحديث والتوجه القومي المعادي للكيان الإسرائيلي، وقاد ضباطها منذ منتصف القرن الماضي انقلابات سياسية واجتماعية وتعليمية وزراعية شبه علمانية مع استيعاب واحتواء للإسلام الاجتماعي غير المسيس، وكانت أقل استبداداً من الحكومات الإسلامية في العصور الماضية. وبالمجمل فإن العداء للصهاينة هو ما شكل مجتمعاتنا وحكوماتنا في نصف القرن الماضي، وعلى مبدأ عدو عدوي صديقي فقد بدأت قيادات الإسلاميين بفتح خطوط مع الإسرائيليين والأمريكان منذ بداية الألفية الثالثة، وراحوا يبحثون في آيات "الإسرائيليات" بالقرآن الكريم عما يبرر لهم العلاقة مع الكيان الإسرائيلي، وكانت بداية ذلك عبر محطة الجزيرة الإخونجية التي كانت أول من يكسر التابو ويستضيف معلقين إسرائيليين على شاشتها، كما قام "الأصلع الدَّجال" فيصل القاسم بمهمة تسفيه المثقفين والمفكرين العلمانيين بالتهاوش مع بعضهم في برنامجه مقابل خمسة آلاف دولار ليسقطوا في عيون الجمهور، بينما أخذ الشيخ القرضاوي دور فقيه الأمة ورسول الإصلاح حتى بداية التمرد الإخونجي حيث أظهر وجهه التكفيري وأفتى بتكفير العلويين وقتلهم استكمالاً لفتوى ابن تيمية، وتحولت الجزيرة إلى ناطق رسمي باسم الإخونج ومجموعاتهم الإجرامية، واستخدمت الكثير من الكتبة المرتزقة للإساءة لسمعة الجيوش العربية العلمانية على موقعها منذ بداية الغزو الأمريكي للعراق. بل هم يرجعون في هجومهم إلى دولة محمد علي باشا والجيش المصري، منتقدين سياسته في التحديث العسكري والسياسي والثقافي، باعتبارها انحيازاً للنمط الإفرنجي الذي ساهم في تفكك الإمبراطورية العثمانية (حامية الإسلام والمسلمين)، وهم يصورون الحداثة والتحديث على أنها تغلغل استعماري في قلب العالم الإسلامي، بل ويفترون على الشيخ رفاعة الطهطاوي فيقولون إنه كان مناهضاً للحداثة؟! الطهطاوي الذي قال: "ذهبت إلى بلاد الغرب فرأيت الإسلام ولم أرَ مسلمين، وذهبت إلى بلاد العرب فرأيت مسلمين ولم أرَ إسلاماً" فأي تخريب وتزوير أقدمت عليه هذه المحطة التي لعبت بعقول العرب ودفعتم لتدمير بلدانهم... ومن حسن الحظ أن أرشيفها مازال شاهداً على ذلك، وكذا هو الحال في موسوعة الويكيبيديا على شبكة الإنترنت، إذ يعمل موظفو الإخونج على تزوير التأريخ العربي الحديث برواياتهم المسمومة وتجميل صورتهم المشوهة في عيون الناس بالتعاون بين "الجزيرة" وإعلام حزب العدالة التركي، حيث تمتلئ الموسوعة بالأكاذيب والتلفيقات، وسنفرد لاحقا مراجعة خاصة بذلك... وعلى أية حال، فإن الإبقاء على العقيدة العلمانية لدى الجيوش العربية هو خط الدفاع الأول عن المواطنة والحداثة بوجه السلفيين، وأية محاولة لأسلمة الجيوش العربية ستشكل خيانة لمبادئ الجمهورية وعرقلة للحداثة والتحديث..
 
5
 
لا يمكن تأصيل الحداثة الفكرية والاجتماعية والسياسية من دون تحديث اقتصادي. ويؤرخ الباحثون العرب للحداثة الاقتصادية العربية بقيام فريق نابليون بونابرت العلمي 1798 بوضع أول أساس للملكية الفردية في مصر، بعد أن كانت الدولة العثمانية والمماليك من قبلهم قد استملكوا أراضي الفلاحين، فمنحها الفرنسيون لهم مقابل حق الانتفاع مع الالتزام بدفع الضريبة حسب قانون نابليون الذي نص على سندات تمكين الفلاحين والاعتراف بحق التوريث حسب الشريعة الإسلامية، ثم قام سلفه مينو 1801 (الذي تسمى بعبد الله جاك مينو وأسلم وتزوج مسلمة) بإصدار إعلان أن من حق الفلاحين امتلاك الأراضي ولهم مطلق الحرية أن يزرعوا أراضيهم كما يشاؤون. كما طور الفرنسيون صناعة النسيج والجلود والورق والبارود، وصناعات آلات لرفع المياه وسك النقود وأدوات الجراحة، ووثقوا علاقتهم بالتجار وأرباب الحرف وشجعوهم على تصدير منتجاتهم إلى أوروبا، الأمر الذي أوجد تنمية زراعية وصناعية وتجارية ساهمت في تراكم ثروة الأفراد والدولة، وأدى إلى نمو حضاري في أنحاء البلاد.. ثم بعد خروج الفرنسيين أدار القائد العسكري الألباني محمد علي باشا شؤون مصر منذ 1805، وكان رجلاً ذكياً ومستبداً، فغيّر قانون توزيع الأراضي بعدما أصبح مالكاً لها على الطريقة العثمانية، وأمم التجارة الداخلية والخارجية وسيطر على الزراعة وفرض ضرائب جديدة بغية بناء جيش وأسطول قوي يحقق طموحاته التوسعية، وقد نجح في تأمين الاكتفاء الذاتي لمصر من دون ديون، على عكس ورثته من بعده الذين أوقعوا مصر في الديون. ويبدو أن حملة نابليون قد أيقظت الإنسان المصري على حقوقه المضيعة فبزغت بداخله بذور الثورة التي نمت وترعرعت مع ثورة أحمد عرابي المجهضة، واستكملت نضوجها مع ثورة جمال عبد الناصر ورفاقه الذين أصدروا قانون الإصلاح الزراعي في مصر ونقلوه إلى سورية إبان الوحدة، وتابعه البعثيون في إعادة توزيع الأراضي وتأميم المصانع وفرز الطبقات وإنهاء الإقطاع والبرجوازية، والمساواة بين الكادحين بالتعليم والصحة والفقر، واختفى البرجوازيون والإقطاعيون حتى منتصف التسعينات، حيث استعادت العديد من الأسر الإقطاعية والبرجوازية حظوتها وباتوا وزراء وأعضاء في الحزب الذي كان قد سجن الرفاق الموسومين بالجناح اليميني في أوائل السبعينات. كما فشلت الثورة الزراعية بسبب السياسات الزراعية المرتبكة التي يديرها مكتب الزراعة في القيادة القطرية. كما لم تحصل نهضة صناعية بعد التأميم ولم يقم الرفاق بدراسة الأسباب وتلافيها وأهملوا القطاع العام ومهدوا لتحرير القطاع الخاص قانونياً لاستثمار الثروات التي جمعوها بحيث تشكلت طبقة مستثمرين من أبناء المسؤولين الذين استقطبوا المال الخليجي، وتراجعت أوضاع الناس واختفت الطبقة الوسطى بعد الانتقال إلى اقتصاد السوق الذي طغى عليه المال الخليجي الإخونجي الوهابي، والانفتاح على تركيا الإخونجية التي غزت الأسواق عبر وكلائها من التركمان الذين سلحوا فيما بعد المجموعات المتمردة على الدولة، ثم نمت على هامش المال السلفي المصارف الخليجية التي مولت الدراما الرجعية وابتعدت عن مضمونها الاجتماعي الحداثوي، وباتت المعلم الأول للجيل الذي تبنى الثورة الرجعية بإدارة شيوخها الذين عملوا كشرعيين عند الجماعات التكفيرية... وكذا كان الحال مع الإرث البعثي في العراق الذي تميز باستبداده ودمويته، رغم الوفرة النفطية والتعليم الجيد والنهضة الاقتصادية، غير أن حرب صدام حسين ضد إيران قربت بعث العراق من أعدائه الإيديولوجيين في السعودية والخليج حتى أنه غَيَّرَ عَلَمَ الدولة ليصبح علماً إسلامياً... وعندما منعت واشنطن عنه أموال بلدان الخليج التي كان يستنزفها بدعوى حمايتها من الخطر الفارسي تهور باحتلال الكويت وصار فيه كما صار مع إبراهيم باشا عندما حاول احتلال القسطنطينة حيث كانت نهاية الحزب والدولة البعثية بسبب تحكم شخص بمصير أمة...
أما في مصر فقد باع خلفاء عبد الناصر الثورة لأمريكا وإسرائيل، وتصالحوا مع الإسلاميين الذين تغلغلوا في التعليم والنقابات والمقاولات ومؤسسة الأزهر، وجاءت نهاية السادات على أيديهم، ثم أطاحوا بمبارك بعد طول صراع ومناورة وقبضوا على مقاليد السلطة قبل أن يستعيدها الجيش المصري الذي شكل عبد الناصر عقيدته العلمانية بينما يحاول الرئيس عبد الفتاح السيسي تقليده... أما في السعودية وكذا الصومال والسودان اللذين يدوران في فلكها فقد حوربت الحداثة والتحديث وطُمس وجود المرأة في الحياة العامة وقمعت الحريات باسم الشريعة وشيوخها... ومنذ عام 2013 ظهر الإسلاميون على حقيقتهم في تونس ومصر وسورية، وانفض غالبية الجمهور من حولهم، وهذا أحد فوائد الثورة السلفية على العلمانية، حيث وجد الناس أن حكم العلمانيين القوميين أقل سوءاً من حكم الإسلاميين، غير أن كليهما فشل في عملية التحديث الاقتصادي... فمنذ بداية الاستقلال توزعت سياسة الحكومات العربية بين ماركسية استبدادية أو رأسمالية إسلامية، فأخذوا من كليهما ما يناسب سلطاتهم وطبقوا خططاً اقتصادية هجينة لم تُلَبِّ تطلعات النهضة الاقتصادية وبالتالي بقيت مشاريع الحداثويين رهينة المال النفطي الذي أنتج ومول ثورات الربيع السلفي ودمر اقتصادات الجمهوريات العلمانية.
 
6
 
شكل كتاب "إدارة التوحش" لأبي بكر ناجي وكتاب "فقه الدماء" لأبي عبد الله المهاجر، اللذان يستلهمان أفكار ابن تيمية، المنطلقات النظرية للحركات الإسلامية، وخصوصاً تنظيم داعش وتنظيم أحرار الشام اللذان يحاربان الجيش العربي السوري، حيث يستلهم الكتاب الأول تجارب المنظمات الإرهابية عبر التاريخ ويعيد صياغتها جهادياً، ويحض على تطبيقها بغية تفتيت المجتمع وتحويله لغابة متوحشة، حتى يتقدم أفراد التنظيم لإدارة هذا التوحش وتنظيمه، قبل أن يصلوا لمرحلة التمكين لإعلان دولتهم... وقد وصف خالد عبد الولي (أبو أنس) أحد مؤسسي حركة أحرار الشام وقيادييها، كتاب "إدارة التوحش" بأنه "يعد أهم كتاب رسم معالم الطريق لدى الجماعات الجهادية، بوضعه خارطة عمل واضحة يعمل من خلالها أعضاء الجماعة.. بينما طور المهاجر في كتابه أحكام الجهاد إلى أحكام الدماء، التي تعتمدها "جبهة فتح الشام" " النصرة" سابقاً. ويحتوي على عشرين مسألة من مسائل الدماء والقتل المرعبة، ويقسّم "المهاجر" من يقيمون في "دار الكفر" بين مسلمين ومرتدّين وأهل ذمّة ومشركين، ولكلّ أحكامه. وينزع العِصمة في الدّماء والأموال عن غير المسلمين في هذه الدار، فكلّ من ليس مسلماً حقيقياً موالياً، فهو إمّا مرتدّ أو كافر. ويُرفض منحهم الأمان إلاّ بعهد من "الدولة الإسلامية"، وعند ذلك فالجميع من غير المؤمنين بهذا الخطاب، يقع في دائرة استباحة الدّم والمال وغير ذلك من قتل وأسر واغتيال... ويبقى السؤال: بعد نصف قرن من نشاط جماعة النقل وحروبهم التي حشدوا لها كل طاقات المريدين، لو أنهم استخدموا كل هذا الجهد والتفكير والمال والتنظيم لتحسين حياة المسلمين عبر تطوير العلوم والتنمية والبناء، أما كان غدا حضورهم مقبولاً ومطلوبا بين الأمم.. فلننظر إلى الأحزاب المسيحية في الغرب كيف وجهت جهدها لتعزيز الإيمان بدلاً من أن تهدره في الصراع مع التيارات غير المتدينة، إذ نجحت في أن يكون لها حصة في الحكومات العلمانية دونما خوف منها... بينما نجد أن الإسلاميين قد نجحوا في عزل المسلمين عن محيطهم في أنحاء العالم الخائف من عنفهم وعززوا فوبيا الإسلام حتى لدى المسلمين.. وهنا يمكنا أن نسأل: أين الذين تسميهم وزارات الأوقاف علماء ولماذا لا يقومون بتفكيك بنى الإسلام السياسي وإعادة تأهيل المسلحين قبل تسوية أوضاعهم بدلا من إعادة إطلاقهم بين المجتمع كالذئاب بين الخراف .. إن استرخاء هؤلاء وسكوتهم ضمناً عن فكر ابن تيمة وعدم تجديد الفكر الديني واستمرار النقل يساعد في تنامي الجماعات الإرهابية.. وهنا نقدم اقتراحاً بصيغة سؤال: لماذا لا تقوم الحكومات العربية باستثمار العقارات الوقفية وتسخير ريعها لنشر الفكر المضاد وإقامة الإصلاحيات الدينية للمناصحة بدلاً من صرفها على المدارس النقلية المفخخة المسماة خطأ مدارس شرعية، أيضا يمكننا تذكير الحكومات والأحزاب القومية أن أوربا تخلصت من نزاعاتها بعد القضاء على النازية الألمانية والفاشية الإيطالية، ولولا ذلك لما حققت وحدتها رغم اختلاف لغاتها.. فلنتخلصْ من العصبية القومية ولْنَنْحُ باتجاه العروبة الثقافية باعتبار أن كل مكوناتنا الإثنية تتكلم العربية، وبذلك نسحب الدعاوى القومية الانفصالية التي نمت وقويت خلال نصف قرن من الأخطاء القومية.. فالمواطنة والعلمانية هي ما يشكل نواة الوطن في زمن بات فيه الفرد هو الثروة الأغلى في الدول المتقدمة.
Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 7 + 4