القطيعة بين النخبة السياسية و النخبة الثقافية في عالمنا العربي

محمد الانصاري

2021.06.08 - 08:48
Facebook Share
طباعة

 

 
أربع و خمسون سنة مرت على نكسة 1967 و مازلنا نحن العرب  نتخبط في مفاهيم الإصلاح و النهضة و الثورة. أحد أهم أسباب التردي الفكري و السياسي هو الانفصال شبه التام بين النخبة السياسية و النخبة الثقافية كما اوضح المفكر السوري الراحل صادق جلال العظم في كتابه الشهير " النقد الذاتي بعد الهزيمة" و يمكن رصد أثار هذا الانفصام النكد في أربع أوجه مدمرة سواء على المستوى القطري أو المستوى القومي، ان جاز الحديث عن المستوى القومي في ظل التفكك الحاضر.
 
اول هذه الأوجه يتعلق بما يسمى بصناعة القرار السياسي. لا يخفى على المتابع و المحلل السياسي الحصيف ان صناعة القرار في الدوائر السياسية تعتمد على عدة عناصر من أهمها إستشارة أهل الخبرة من الأكاديميين بالأساس. و هذا يحدث بشكل كبير في الدول ذات التراث الديمقراطي العريق و التي يفتح السياسيون فيها قنوات اتصال عديدة مع النخبة الثقافية و الأكاديمية. هذا التواشج بين النخبة السياسية و النخبة الثقافية يغذي القرار السياسي و يفتح أفاقا غير محدودة أمام صانع القرار. في عالمنا العربي القرار السياسي محروم من هذا الرافد الثري نتيجة استئثار النخب السياسية باتخاذ القرار. حتى و ان كان هناك مستوى ما من الشورى فيتم تغليب رأي أهل الثقة على رأي اهل الخبرة، و المحزن ان اهل الثقة و الولاء المطلق في العالم العربي يكونوا أحيانا من المحسوبين على النخبة الثقافية زورا و بهتانا. إذا أخذنا دولة مثل الولايات المتحدة مثالا سنجد ان النخبة السياسية متداخلة و متصلة اتصالا وثيقا بالنخبة الثقافية . مثلا فيما يخص سياسة الولايات المتحدة تجاه منطقتنا العربية نجد ان الادارة الأمريكية منذ 1945 لا تتخلى أبدا عن إستشارة الخبراء مثل برنارد لويس و هنتنجتون و غيرهم. أيضا تلعب الجامعات و مراكز الابحاث داخل و خارج امريكا دورا رئيسيا على مستوى المخابرات و الأمن القومي الأمريكي
 
غياب الابداع الاجتماعي وجه أخر من وجوه ضعف الصلة بين النخب السياسية و الثقافية في العالم العربي. فرغم الماضي العربي المزدهر ثقافيا و أخلاقيا فنحن نعاني حاليا من ظاهرة إزدراء الثقافة و هي ظاهرة خطيرة. و يصف المفكر البحريني محمد جابر الأنصاري في كتابه المهم " العرب و السياسة : أين الخلل؟" العالم العربي كجسم تراثي عملاق ذو رأس سياسي متناهي الصغر، و يطلق على هذه الظاهرة مصطلح" التقزم السياسي". فالمثقف العربي لن تكون له يد حقيقية في الابداع الاجتماعي و التوصل الى حلول للمشاكل الاجتماعية و السياسية و الفكرية طالما هو محاصر بين مطرقة التجاهل و سندان الإقصاء. ناهيك عن الاضطهاد السلطوي للمثقف معنويا و مدنيا. 
 
و تنعكس القطيعة موضوع هذا المقال على علاقة المثقفين بعضهم ببعض. فنحن كمثقفين نعاني من حالة استقطاب ايديولوجي غير مسبوق في العصور السابقة. ناهيك عن استقطاب الحكومات لبعض النخبة الذين يتحولون من أعضاء في النخبة الثقافية الى نشطاء في تبرير سياسات الحكومات. و هذا يخلق حالة عداء بين المثقفين تصب في مصلحة الأنظمة. 
 
الوجه الاخير هو عزوف الاجيال العربية الشبابية الجديدة عن الاشتغال بالهم الثقافي ما دامت النخبة الثقافية الغير منحازة للأنظمة تعيش حالة من الاقصاء و العيش الضنك. يجب ان نعي ان الظاهرة السياسية هي قاصرة على  قمة الهرم الاجتماعي اما التفاعلات الاجتماعية و الثقافية هي التي تكو ن الهرم من الاساس فصاعدا. و هذه التفاعلات يجب ان يقوم بها أهل النخبة الثقافية. بناء عليه فإن التعاون و الصلة العميقة بين النخبتين لازم لإنشاء مجتمع عربي سليم. و القطيعة تعني الإنهيار السريع. الألاف من رسائل الماجستير و الدكتوراة في جامعاتنا مكدسة يعلوها التراب.
Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 10 + 3