كتب نبيل صالح: ما بعد الدين ما بعد العلمانية

2021.06.12 - 06:29
Facebook Share
طباعة

 1

الخوف من الموت والمجهول دفع الناس نحو البحث عن حياة ما بعد الموت، فحنطوا أجساد موتاهم، ووضعوا معهم أموالَهم وأغراضَهم الشخصيةَ لاستخدامها بعد قيامتهم، بمساعدة قوىً فوق بشرية ترعاهم. وكان الكهنةُ وسطاءَ هذه القوى غيرِ المرئية ورسلها المطوَّبين، حيث تمكنوا بذكائهم وبراعة حكاياتهم وقوة خطابهم اللغوي من إقناع البشر الفانين للتوسط لهم عندها، حيث كان الكهنة يتقبلون نذورَهم وأضحياتِهم وتبرعاتِهم، ويتغذون على خوف الناس الذين يجدون أمانهم في قصص الرسل ووعود الآلهة لعبادها المطيعين بالجنان؛ فكانت الكهانةُ أولَ وظيفة يعتاش منها أصحابُها دون عملٍ شاقٍّ في الأرض أو الصيد أو الحرب، فكانوا يستغلون التجار والفلاحين والمحاربين باسم الدين، ويطوعونهم للأب الملك والقائد مقابل حظوته وعطائه...
ثم... وبسبب تنافس الكهنة على الناس ومنافعهم، اخترعوا الكثير من الآلهة، وبنوا لها بيوتاً لا تسكنها. وقد كثرت الآلهة وتنوعت اختصاصاتها بين الزراعة والحرب والحب والحكمة والشمس والقمر والرعد والمطر، واختلفت الآلهة مع بعضها باختلاف مصالح كهنتها وتنوع أحقادهم؛ فغالباً ما تسببت الآلهة بالفوضى وتقسيم المجتمع الغافل، حتى بات الكهنة يشكلون قوة روحية موازية للقوة السياسية، فقام الفرعون أخناتون بتوحيد الآلهة وصهرها في جوهر آتون إله الشمس الواحد الذي لا شريك له، وقال إنه ابنه، ثم ضرب على يد الكهنة المعارضين للتوحيد بيدٍ من حديد باعتبارهم مشركين. ولعل اليهود تعرفوا إلى تعاليم أخناتون عندما كانوا في مصر، فلم يعذبوا النبي موسى بتصديق رسالته التوحيدية، حيث ظهرت معهم أولُ نسخة إبراهيمية من التوحيد، ثم تأثرت بها باقي الأديان التي جاءت بعدها وانتشرت بين الوثنيين الخائفين من الموت، حيث وعدتهم بحياة خالدة فيها كلُّ ما يشتهون.
2
العقل هو ما يميز الإنسان عن الحيوان. وقد تجلى العقل بالكلمة التي هي الله. واللهُ، في بعض تعريفاته، هو العقل الكلي الموزَّع في البشر، فهو الظاهر في الكلم والباطن في العقل، وهو أول الوجود وآخره. وقد طور العقل الإنساني غرائزه فيختلف عن الحيوان بطلب الجمال، في طريقة اللبس والأكل والشرب والجنس والفنون، لهذا فإن العقل يعرف ذاته بذاته ومطوِّع لغريزته من أجل خيره الأسمى، حيث ارتقى عقل الإنسان بغريزته من مرتبة الحيوان إلى إنتاج الأسرة وبناء المدينة والسوق وتنظيم المجتمع الأخلاقي والسياسي، حتى وصل العقل الجزئي إلى أقصى ما هو عليه اليوم من اكتشاف لأسرار العقل الكلي الذي وسِعَ كرسيُّه الكونَ كله. وأما الفرق بين الفائزين والخاسرين فهو الحد الفارق بين جمود النقل وحيوية العقل، حيث يدفن جماعة النقل رأسهم في مقبرة الماضي، عندما كانت الكلمات تحمل معنىً غيرَ ما تدل عليه اليوم؛ بينما يتدفق جماعة العقل مع الزمن ومدلولات اللغة المتجددة كالطبيعة، فأيهما الكافرُ من غير الكافر؟ الأمر بيٍّنٌ وجليّ، وإعمال العقل فريضة على من يطلب الإيمان ومعرفة الله؛ وكما تجاوز العقل البشري الأشكال البدائية للإيمان نحو التوحيد الإبراهيمي، فإنه سيرتقي إلى مرحلة جديدة من الإيمان أكثر ملاءمة للزمن الذي نتدفق فيه، وأكثر معقولية لصورة الله. وكلما ارتقى العقل كلما أوغل في جنته ونعيمه، وكلما تحنط أوغل في جحيمه؛ حيث يعيش إنسان اليوم في شروط أفضل مما كان عليه أجداده بالأمس..
فلا أحد اليوم يعرف دينه بشكل حرفي مطابق للنسخة التي جاءنا بها الرسل، وإنما تحورت الأديان بفعل الإيحاءات المتعددة للغة نصوصها كونها "حمّالة أوجه" كما وصف الإمام علي آيات القرآن الكريم، فاختلف الشراح والمفسرين على المعنى، وتشكلت مذاهب متخالفة عَمّقها الزمن والأحداث واختلاف مصالح أتباعها إلى درجة تكفير بعضهم بعضاً، وهذا ما حصل للأديان الإبراهيمية الثلاثة في صراعها مع بعضها ومع نفسها، حتى ضج الناس من الحروب الدينية، فكان لابد لمفكريهم أن يجدو سبيلاً آمناً للحياة غير سبيل الأديان، فنشأت أفكار التنوير التي أسست على الفلسفة اليونانية، وبنوا على فكر أرسطو حيث أن الله عنده "خالق وفاعل للكون، ومحرك أول له، لكنه ترك للإنسان شؤون تدبير العالم ورعايته للأسباب والأدوات المادية التي أودعها الخالق فيه بحيث يبقى العالم مكتفياً بتدبير ذاته لذاته".  وقد استمرت فلسفة الأنوار تحفر في وعي الأوربيين أربعة قرون كانت ممانعة رجال الدين لها قوية، حيث تمسكوا بأقوال القديس أوغستين من أن "سلطة الكتاب المقدس هي أكبر من جميع قوى العقل الإنساني، وحيثما وقع التناقض بين الملاحظة العلمية والكتاب المقدس تهمل هذه الملاحظة العلمية". غير أن الحركة اللوثرية تمردت على سلطة الكنيسة وقامت بنقلة جيدة نحو العلمانية معتبرة أن " الدين أمراً شخصياً، وأن الخلاص فردي ويأتي عبر علاقة خاصة مع الرب" ، ومع تقدم العلوم تجاوز الأوربيون التفسيرات الميتافيزيقية لنشوء الكون وأخذوا بالتفسير العقلي المستند على المشاهدة والتجريب، وهكذا تم تقليص الهيمنة الدينية على حياة الناس، وباتت مقتصرة على العبادات، حيث استمرت الشعوب الأوروبية في بناء علمانيتها زمناً طويلاً قبل أن تفرز  قادة يشبهون تطلعاتها.. وقد انتقلت أفكارهم إلى سائر العالم عبر تجارهم وجنودهم والبعثات التي كانت تأتيهم من العالم، فأخذت العلمانية صبغة المجتمع الذي انتقل إليه، حيث أن شكل الماء شكل الإناء، فتعددت أشكال العلمانية بتعدد تجاربها الإنسانية وتنوع قادتها الثوريون. ففي فرنسا وبعد صراع مرير مع الكنيسة أخذت العلمانية شكل العداء لكل ما هو ديني، بينما اكتفت بريطانيا بفصل الدين عن سلطة الدولة، إذ أن الملك رمزياً هو رأس الكنيسة. وفي أمريكا فإن الدولة متصالحة مع الأديان فلا تمنع ممارستها كما لا ترعاها، مع التأكيد على علمانيتها المثبتة على أوراق عملتها، وعلى سيادة قوانينها الوضعية، حتى أن محاكمها لا تعتمد تقليد القسم على الكتب المقدسة. وفي إيطاليا مركز بابوية كاثوليك العالم، فقد تم إسقاط دولة الفاتيكان وتقليص مساحتها إلى نصف كيلومتر مربع، حيث وقَّع القوميون بقيادة موسوليني اتفاقيات "لاتيران" مع الكرسي الرسولي التي تسمح ببقاء البابوية على أن تكون سلطاتها دينية لا دنيوية.
 
3
انتقلت أفكار العلمانية الأوروبية إلى الإمبراطورية العثمانية مع بداية القرن التاسع عشر، وقد لخصها الشيخ التنويري محمد عبده بالقول: "لا دين في السياسة ولا سياسة في الدين" واشتغل مثقفو السلطنة من الترك والعرب على تفكيك بِنَى الاستبداد قرناً من الزمان، قبل أن ينقلب العلمانيون الأتراك على الخلافة وعلى رفاقهم العرب أيضاً، فجاء سقوط الخلافة بعد نضوج فكري تمخض عن انقلاب الضباط الأحرار على العثمنة وإلغاءها ونفي ورثتها إلى الشام حيث توفي دوندار عبد الكريم عثمان أوغلو، آخر وريث لعرش الإمبراطورية العثمانية في دمشق الشهر الأول هذا العام.
 أما تحرر البلدان العربية فجاء نتيجة الأطماع الاستعمارية الأوروبية التي أفضت إلى مشاركة الثوار العرب في تحرير بلدانهم ثم إعادة احتلالها وتطبيق نظامهم السياسي عليها تحت مسمى الانتداب، حيث فرض الفرنسيون نظامهم الجمهوري في سورية ولبنان، بينما فرض البريطانيون نظامهم الملكي في العراق والأردن ومصر. وبالرغم من الصراع الوطني مع جيوش الاحتلال فقد تغذت العلمانية المشرقية من الوجود العسكري للمستعمرين، حسب نظرية ابن خلدون الاجتماعية حيث تتأثر الأمم المغلوبة بالأمم الغالبة؛ وبدأت الحداثة بالتشكل اجتماعياً عبر اللباس الإفرنجي والتعليم والفنون ورغبة الشباب في الانعتاق من سطوة الأسرة والعادات والتقاليد الشرقية. لتتحقق القفزة الكبرى عبر ثورات الضباط الأحرار في مصر والعراق وسورية والسودان والجزائر واليمن والصومال وليبيا. وأصبحت المؤسسات الوطنية هي التي تقود المجتمع والدولة، وصار بإمكان من ليس لديهم المال أو الحسب والنسب أن يفاخروا بعلمهم وأفكارهم الثورية.. فقد أصبح للفرد كيان شخصي خارج نطاق الأسرة والطائفة، وأمكنه أن يخلق فكرته الخاصة ويعيش من أجل تحقيقها. وتقلصت سلطات رجال الدين وصارت بيد الأحزاب العلمانية التي أصبح الانتساب إليها من معالم الرجولة والوطنية. وخرجت النساء من المنازل بعدما مزقن شرانقهن وأصبحت لهن أجنحة وملامح وجه وجسد، واختلطن بالرجال على قدم المساواة في العلم والعمل، وحصل تزاوج بين الطوائف وإن كان محدوداً.. فخلال العقود الثلاثة الأولى بعد الاستقلال كانت العلمانية العربية والدين في حالة مساكنة وتعايش، وكان الكثير ممن يقدمون نفسهم كمتحررين وعلمانيين يصومون ويصلون ويتزوجون ويموتون بحسب الشعائر الدينية، إذ لم يبدِ العلمانيون العرب أيَّ سلوك عدائي تجاه الدين، وإنما كان نقدهم لمظاهر التخلف الديني في المجتمع، وقدموا مشاريع إصلاح ديني غير أن جنرالات الأنظمة العلمانية اكتفوا بتعزيز المؤسسة الأمنية لكبح نشاط الإسلاميين.
4
يهودية "إسرائيل" أيقظت العداء الإسلامي وغذت تياراته، ومنذ النكسة الأولى أمام "إسرائيل" سنة 1967 انكسر القوميون العرب وتقلصت حيويتهم، وتمددت الجماعات الإخونجية في المجتمعات العربية، (بداية تراجع قوة منظمة فتح والتمهيد لنشوء منظمة حماس) حيث فرض وجود الدولة اليهودية نقيضها الإسلامي، فساهمت بعرقلة تقدم العلمانية العربية التي أصيبت بنكسة ثانية بعد معاهدة كامب ديفيد، حيث اخترع السلفيون فتوى العدو القريب ووجوب محاربته أولاً قبل تحرير فلسطين؟! وكان السادات بطل هذا الخراب، فبعد ثلاثة أعوام من توقيعه لمعاهدة السلام مع أفاعي إسرائيل أقدم عام 1981 على ما ظنه سلاماً مع أفاعي الإخونج، حيث قام بتعديل المادة الثانية في الدستور المصري لتنص على أن "الإسلام هو دين الدولة، ومبادئ الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيس للتشريع" بعد أن كانت مجرد مصدر من مصادر التشريع في دستور عام 1971. ثم نام بين الأفاعي ولم يستيقظ، إذ اغتاله الإسلاميون ورفعوا شعار "الإسلام هو الحل".
في عام 1992 اهتزت السطات العلمانية في الجزائر بعد فوز الجبهة الإسلامية للإنقاذ بالانتخابات ولم يوافق العلمانيون على تسليم البلاد للإخونج فاشتعلت حرب أهلية سميت بالعشرية السوداء وقدر ضحاياها 200 ألف قتيل وانتهت الحرب بالتوقيع على "ميثاق السلم والمصالحة الوطنية" وقد أفضت تجربة الحرب إلى دستور علماني تم الاستفتاء عليه العام الماضي، وكان أول من عارضه "حركة مجتمع السلم"، التي تتبنى فكر جماعة الإخوان المسلمين، حيث قال رئيسها عبد الرزاق مقري: "إن الدستور الجديد مدنس للغاية لأنه يكرس علمانية المدرسة والمسجد"، كما رفض المادة 40 التي تحمي النساء من العنف، لأنه يرى في ذلك "تهديداً للحياة الأسرية الخاصة". كما ندد رئيس "جبهة العدالة والتنمية" عبد الله جاب الله، وهي القوة السياسية الإسلامية الثانية في الجزائر، بـدستور علماني مبادئه غير مقبولة في مجتمع مسلم وتسبب ضرراً كبيراً لعقيدة الجزائريين!
ويبقى أكبر خطر على الحداثة والعلمانية اليوم هو فقاعة الغاز "قَطَر"، حيث جندت بأموالها الكثير من الأقلام المأجورة لمهاجمة وأبلسة التجارب العلمانية العربية وإسقاطها، ومولت أكبر حرب سلفية على الأنظمة العلمانية منذ العام 2011 فأعادت الحرب بين الإسلاميين والعلمانيين إلى بدايتها بعدما كان قادة الإخونج في المنافي يميلون إلى العقلانية والمصالحة وقبول المشاركة باللعبة الديمقراطية، ثم مع أول بوادر نصرهم أبعدوا "العدو القريب" عن نطاق السلطة، وهادنوا "العدو البعيد" إسرائيل !
وسيأتي وقت تنتقم فيه الدول المتضررة من قطر بتصحيح تجربتها العلمانية بما يعيد العرب والمسلمين إلى صراط الحداثة من جديد.
5
مع بداية الألفية الثالثة بدأ الإسلاميون، الشيعة والسنة على حد سواء، يقرؤون غير كتبهم السلفية لكي يعرفوا شيئاً عن نظريات الكفار الغربيين التي استوردها خصومهم العلمانيون وحاربوهم بها.. وقد اعتقدوا أنهم وقعوا على كنز كبير في طروحات بعض مفكري مدرسة فرانكفورت الفلسفية حول المجتمع ما بعد العلماني، وفي مقدمتهم الألماني يورغن هابرماس، فسطحوا نظريته بما يناسب هواهم، وقد أحبوا هذا الكافر هابرماس وفسروا مصطلح ما بعد العلمانية بما يوحي بموت العلمانية وصحوة الأديان وعودتها إلى سطوتها القديمة!؟ وقد تجاهلوا أن هابرماس يقصد بما بعد العلمانية المجتمع القادر على احتواء الدين تحت مظلة العلمانية، وأنه لكي ننتقل إلى مجتمع ما بعد العلمانية يتوجب على الجماعات الدينية قبول الدستور العلماني، والتعددية الثقافية، والممارسة السياسية التي فرضتها الليبرالية في الدولة الديمقراطية الدستورية. باعتبار أن الدستور العلماني أسمى القوانين يساوي بين الجميع ولا ينتصر لجماعة ضد أخرى، فهو يضمن حيادية الدولة. وقد شرح هابرماس وتشارلز تايلور وباسكال كازانوفا نجوم مدرسة فرانكفورت كيف أن تطور العلمانية الغربية وتلاشي الخطوط الفاصلة مع الدين كان بقدر تطور المسيحية الأوربية وتقبلها للحداثة، حيث شاركت أحزابها في السياسات الديمقراطية ضمن مفهوم جديد للمسامحة تنتفي الحاجة فيه إلى العداء بين العلمانيين والمتدينين؛ حيث تذهب العلمانية في نسختها الجديدة إلى أن تكون محايدة تجاه المتدينين، حتى رأينا كيف يتحالف بعض السياسيين الأوربيين مع الجاليات الإسلامية ويتقبلون اختلافها كحالة اجتماعية فولكلورية. وأما حديث الإسلاميين عن صحوة دينية غربية فيدحضها كثرة الكنائس الأوروبية المهجورة التي يستأجرها الإسلاميون لاستقطاب جالياتهم واستخدامهم ك "لوبي" يتم بيع أصواته للسياسيين على طريقة اليهود..
فبعد حرب أفغانستان انتهت مرحلة العلمانية الإقصائية بسقوط دولة السوفييت الشيوعية الإلحادية، بينما تخاذلت سياسات الدول الغربية الكولينيالية وخانت علمانيتهاـ التي تأثر بها المثقفون العرب ـ بتحالفها مع الجماعات الإسلامية ضد العلمانيين، ودعمتهم بالمال والسلاح بغرض حماية "إسرائيل" ومنابع النفط والضغط على الحكومات الوطنية، حيث تضاعفت حصصها النفطية بعد الربيع السلفي، كما أصبحت "إسرائيل" أكثر أماناً بتصالح الجيوش العربية معها (باستثناء السوري) من المحيط إلى الخليج، وباتت علمانية الغرب الإمبريالي بحاجة لأن تتجاوز نفسها أخلاقياً وسياسياً، حيث أن سياساتها الخارجية أنتجت وحشاً اسمه "داعش"... أما في البلدان العربية فلا يمكننا أن نصل إلى الحيادية تجاه الجماعات الإسلامية للانتقال إلى مرحلة ما بعد العلمانية، خاصة أن داعش تمثل أحدث نسخة إسلاموية حتى الآن، وليس في قاموسها شيء اسمه المسامحة أو قبول الآخر الذي لا يشبهها. وبالتوازي فإن الأنظمة العربية العلمانية وفي الوقت الذي تحارب فيه جماعات الإسلام السياسي، تظهر سياسة تصالحية تجاه الدين، بل وتؤكد دائما على تدينها الاجتماعي، ولو كان هابرماس مصرياً أو سورياً أو تونسياً وقرأ كتاب "إدارة التوحش" الذي يعتمده الإسلاميون في مواجهة العلمانيين اليوم لما أمكنه أن يكون متسامحاً حيال عنفهم وتحجرهم وعنصريتهم ورفضهم لحداثة (الكفار)، ولعله كان سيقترح إعادة العمل بالنسخة الفرنسية القديمة للعلمانية.. إذ لكل بلاد وشعب علمانية تتناسب مع واقعه، وتتطور بتطور مجتمعاته أو تنتكس معه. وكما أسلفنا فإن ما سُمي صحوة إسلامية لم يكن سوى حركات سلفية عنصرية لم تتقبلها الشعوب المسلمة بعد نصف قرن من التعرف على الحداثة والتأقلم مع خطوطها العريضة، فسقطت في أول تجاربها العربية في الحكم وعمقت الخلاف مع العلمانيين، معارضين أو مؤيدين للأنظمة، وفي الوقت الذي زاد فيه نفور الشعوب العربية من سلوك الإسلاميين وعنصريتهم، فإن السلطات العربية مازالت تفتقر إلى برنامج علمي وخطة بديلة للتعامل مع الإسلاميين خارج إطار المؤسسة الأمنية؛ مع التنويه إلى بعض الطروحات المخاتلة مثل فكرة الباحث التركي أحمد كورو، الذي تروج له محطة الجزيرة، ويقترح على الدول العربية "تبني مصطلح الدولة المحايدة كبديل للدولة العلمانية، نظراً للحساسية التي قد يحملها البعض تجاه مصطلح العلمانية". فالدولة العلمانية المحايدة أو العلمانية السلبية هو مصطلح مخادع يتم فيه عزل السلطة السياسية عن رقابة المؤسسات الدينية لتنتج دولة داخل الدولة كما حصل مع حزب العدالة الإخونجي الذي قفز إلى السلطة في غفلة من الدولة العلمانية...
6
الشعب والجيش العلمانيان، اللذان تشكل وعيهما خلال قرن من الاستقلال عن العثماني، هما من أسقطا مخطط الإخونج لإعادة إنتاج الدولة الدينية في سورية ومصر. وقد وقف الكثير من المعارضين للسلطات السورية مع الجيش والدولة ضد المجموعات السلفية المسلحة التي دمرت البلاد وأتت على حياة العباد، وهذا لا ينفي استمرار اعتراضنا على تحالف السلطات مع المشايخ دون العمل على دفع الإصلاحيين منهم لتفكيك الألغام السلفية وعلمنة الفكر الديني، بحيث يجمع الإيمان بالله بين جميع الطوائف وإن اختلفوا في العبادات والشعائر... فبعد انتهاء حرب الثمانينات مع الإخونج، انتشرت حركة إعمار واسعة بنيت فيها آلاف المساجد وافتتحت المزيد من المعاهد الشرعية برعاية الدولة، كمكافأة لمن ساندها من رجال الدين. وبعد الربيع السلفي، وعلى الرغم من تحذير التيارات العلمانية من نشاطات السلفيين المريب، ضاعفت السلطات البعثية تحالفها مع رجال الدين التقليديين، بعدما وقف معها قطبا المدرسة الشامية: الشيخ الشهيد محمد سعيد رمضان البوطي والشيخ المرحوم وهبة الزحيلي، حيث ترفض المدرسة الشامية الصوفية توجهات الإسلام السياسي الإخونجي، بدليل سقوط مرشدهم الشيخ مصطفى السباعي في انتخابات البرلمان السوري عام 1957، غير أن الكثير من خريجي المدارس والمعاهد الشرعية الشامية فاجؤوا شيوخهم وخرجوا عن نهجهم وعملوا مع ميلشيات الإخونج كشرعيين بعد أحداث 2011 معتبرين النظام العلماني وداعميه بمثابة العدو القريب؛ ويبدوا أن جنوحهم كان بتأثير وتمويل وهابي حيث وجهوا "المجاهدين" نحو تدمير المدارس ذات المناهج العلمانية وقتل مدرسيها وعدم المساس بالمدارس الشرعية، فتم تدمير آلاف المدارس، على نهج حركة شباب في الصومال وبوكو حرام نيجيريا وطالبان أفغانستان. إذ لا يوجد حد فاصل وواضح بين الاعتدال والتشدد في الفكر الديني السلفي، وإنما يبدو الأمر كالخلايا السرطانية الحميدة لا نعرف متى تستيقظ وتصبح خبيثة، لذلك يجب عزل مسبباتها أو تقليصها قبل انفجارها فتغدو بحاجة إلى العلاج الكيماوي.. ولكن ما حصل ويحصل هو العكس، إذ تضاعفت المعاهد والثانويات الشرعية عشرة أضعافها عما كانت قبل الحرب، حيث أحصينا 18 معهداً للعلوم الدينية بدمشق (يؤمها الطلاب من شتى الدول الإسلامية وتؤمن لهم الوزارة موافقات الدخول عبر مديرية الهجرة والجوازات) وجامعتين شرعيتين  و45 مدرسة دينية في أربع محافظات، ولم نتمكن من إحصاء بقيتها. وتقدم في العام 2020 لامتحانات الشهادتين الإعدادية والثانوية 6323 طالباً شرعياً. وفي الطرف الآخر المناهض للسلطة نجد أيضاً الهيئة الشرعية لما يسمى الحكومة المؤقتة في حالة تنافس مع السلطات الرسمية على الشرعية الدينية، حيث أقامت مدارس دينية للأطفال من عمر خمس سنوات في إدلب، في الوقت الذي يمنعون فيه طلاب المدارس الرسمية من العبور إلى مناطق سيطرة الدولة لتقديم امتحاناتهم.
إن المدرسة الشامية الصوفية، وعلى الرغم من نهجها اللاعنفي المناهض للمدرسة الوهابية، ماتزال تقليدية وارتكاسية تجاه ذاكرتها الممتلئة بحكايات الماضي التي تفصلها عن الحياة وتتحكم في سلوكها السلبي العاجز عن تقدير قيمة الآخر أو محبته، مما يهيئ أرضية للضغينة تتجلى في علاقة ممثلي المذاهب ببعضهم البعض، عداك عن نظرتهم إلى أتباع الأديان الأخرى، بحيث يمكن القول إن الضغائن المذهبية والدينية تشكل العائق الأول بوجه تطوير بنية الوحدة الوطنية.. ذلك أن طرق التدريس في الكليات الشرعية التي تخرّج علماء الدين: "مازالت تعتمد المنهج التقريري الذي يهمل المعالجة التاريخية للنصوص، حيث تنغلق المناهج داخل دائرة المباحث اللفظية، بحيث أن هذه المناهج لم تخرج فقهاء مفكرين ومجتهدين يربون العقل وإنما نَقَلة يمارسون عملية الشحن والتفريغ والتلقين" حسب دراسة للباحث الفلسطيني ساري حنفي عن المناهج الشرعية في سورية، وبالتالي لم يقترب الشرعيون من الثقافة العلمانية التي تعلي من شأن العقل كي يحصل التسامح والتصالح بين الفريقين الديّاني والعلماني بحسب تعريف مدرسة فرانكفورت لمجتمع ما بعد العلمانية، فمازال الشرعيون يعطلون تطوير قوانين الأحوال الشخصية بحيث ينتهي التمييز الحاصل بين حقوق المرأة والرجل.. وخلال عشرة سنوات من الحرب السورية صدر كتاب ديني واحد شجاع عن وزارة الأوقاف بعنوان "فقه الأزمة" حيث يعرّف التشدد الديني ويعرّي مدارسه في الإسلام، وهو غير موقع بأسماء باحثيه خشية من انتقام المجموعات الإسلامية التي اغتالت الشيخ البوطي والعديد من شيوخ المدرسة الشامية، وننصح باستكمال الكتاب الصادر سنة 2014 وتعميمه على المعاهد والمدارس الشرعية والبرامج الدينية التي تعج بها المحطات الإذاعية حتى ليظن المرء نفسه في قندهار وليس في دمشق التي تعتبر متسامحة دينيا مقارنة بدول الجزيرة العربية وأفريقيا. 
 ففي المملكة السعودية لا يوجد تعليم غير ديني، ولديها 33,500 مدرسة ابتدائية ومتوسطة وثانوية و33 جامعة كلها دينية باستثناء 9 جامعات أهلية تدعمها السلطة ويغلب عليها الطابع العلمي. ويلاحظ أن مناهج التعليم الدينية في المملكة تحض على الجهاد التكفيري وترفض الجغرافيا التي تقول بكروية الأرض على اعتبار أن لا وجود لنصّ قرآني يشير إلى هذه الكروية. ويقول الأمير خالد الفيصل وزير التربية والتعليم الأسبق بين عامي 2013 – 2015: "التعليم في السعودية بأكمله للمتشددين، ولم يكن هناك مجال للفكر السعودي المعتدل ولا لمنهج الاعتدال، لقد تخلينا عن أبنائنا واختطفوهم".  وبالتالي فإن الجزء الأكبر من "المجاهدين" التكفيريين في العالم يتخرجون من مدارس وجامعات المملكة، حتى ليبدو مشروع الإصلاح الديني الذي بدأه الأمير محمد بن سلمان أصعب مهمة في تاريخ آل سعود.
أما تركيا اليوم فتسير في الخط المعاكس لتوجهات السعودية، حيث ينشط أردوغان وجماعة الإخونج في زيادة عدد المدارس الشرعية إذ وصل عددها إلى 4500 مدرسة بينما كان عددها قبل 15 عاماً 450 مدرسة، وتزعم حكومة أردوغان أنها تسعى للمزيد من (الإصلاحات التعليمية) بزيادة عدد مدارس "إمام خطيب" حيث يدرس طلابها مفهوم الحرب المقدّسة، وتحريم زواج المسلمين من الملحدين، والإيمان بضرورة إطاعة الزوجات لأزواجهن. كما تشدد هذه المدارس على أهمية التعلم عن ظهر قلب أكثر من الاعتماد على الفكر النقدي، حيث يرغب إخونج تركيا باستعادة النسخة العثمانية النقلية في الإسلام ضمن مقولة: لا اجتهاد مع النص.
7
وعليه، فالمعادلة اليوم كالتالي: التيار الإسلامي في غالبيته هو الطرف الإقصائي بينما التيار العلماني العربي في غالبيته معتدل وغير إقصائي، فالإسلاميون مازالوا يصنفون الناس ضمن ثنائية مؤمن وكافر، وليس الخوف من تهمة الكفر طالما أن غالبية العلمانيين يؤمنون بالله الواحد، لكن الخطر في تهمة الردة، وهي إنكار المسلم أحد مبادئ الإسلام، أو إهمال أحد أركانه (أعدمت داعش ثلاثة سائقي نقلٍ عام على الحدود بعد سقوطهم في اختبار عدد ركعات الصلاة)، أو الإصرار على مخالفة أحكام الإسلام، حيث يمكن اصطياد غالبية المسلمين العلمانيين الذين لا يطبقون الشرائع الدينية أو يهملونها، ومن يفعل منهم سيضطر إلى الخضوع لمرجعية الشيوخ في كافة شؤون حياته، وهذا يخالف حرية المؤمن في القرآن الكريم: " فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر" و "لكم دينكم ولي دين"..  
كما يقسّم الإسلاميون الأرض إلى دار الإسلام التي يحكمها المسلمون ويجري فيها حكم الإسلام وتعاليمه، وإن كان غالب سكان تلك البلاد غير مسلمين، ودار الكفر التي لا تجري فيها أحكام الإسلام وتكون فيها الولاية لغير المسلمين، حتى لو كانت موادعة لدار الإسلام! أيضا هناك موضوع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي يأخذ فيه الإسلاميون دور الله ويفرضون وصايتهم على المجتمع وإخضاع الناس لمطوعيهم غير المفوضين! ونذكر أن هذا كان أول نشاطات الإخونج حين تأسيس الجماعة بمصر، وقد ذكرنا كيف كانت جماعة الأمر بالمعروف في "الجبهة الإسلامية" بالجزائر يتحكمون بالناس ويهينون النساء غير المحجبات حين سيطروا على بعض الأحياء الشعبية، أو كما يحصل في إدلب الآن حيث يسيطر مسلحو هيئة تحرير الشام الإخونجية ويمنعون النساء من الظهور دون حجاب !
ما تقدم هو ما يؤدي إلى تغول داعش وبوكو حرام والقاعدة وهيئة تحرير الشام وغيرهم، على حياة المجتمعات المسلمة، معتمدين على مبدأ "الولاء والبراء" الذي أوجده ابن تيمية وتعمل به المدرسة الوهابية (يفرض على كل مؤمن أن يتبرأ من كل مشرك وكافر). وهذا المبدأ هو ما يحرك ضغينة الإسلامي تجاه مخالفيه ويدفعه إلى مناهضة جميع من يشك بإيمانهم، بل ويؤدي الشك أحيانا إلى صراع قادة المجموعات السلفية مع بعضهم!
إن عقلنة سلوك الإسلاميين تبدأ بتجديد ثقافتهم وتحديثها عبر إصلاح مناهج الجامعات والمعاهد والمدارس الشرعية التي تخرج طلائعهم، بما يجعل من أحكام الإسلام مناسبة للحياة المعاصرة، كما لو أن الرسول الأكرم نزل إلينا الآن.هنا، مُجدِّداً نسخة الإسلام التي تضررت كثيراً خلال 14 قرناً مضت.. فالعلمانية لا تلغي حرية الدين وإنما تتطلب أن يتم تدريب طلاب الشريعة على احترام الآخر باعتباره ندّاً خلقه الله، وهو غير قابل للوصاية عبر سيف الفتاوى المسلط على رقاب العباد، ويجب أن يكون ذلك بتأصيل فقه العقل لتفكيك سلطة الفتاوى وقيودها التي تجعل من حياة الفرد حقل ألغام لا يمكن السير فيه من دون خريطة دينية! فنظام الفتاوى هو نوع من الوصاية الذي يغيب عنه التسامح، وهو مربك ومعطل لفعالية الفرد في الحياة، كما هو عليه الحال في تعطيل حقوق المرأة في قانون الأحوال الشخصية الذي يعتقله الشرعيون في الدول العربية ويعرقلون إصلاحه.
لقد أرسل الله تعالى لنا الرسل حاملين كتبهم المقدسة من أجل خدمتنا وتحسين حياتنا، فتحول الأمر بمرور الزمن إلى أن تسخر حياتنا لخدمة النصوص والروايات، لابل غدونا سجناء النصوص والكهنة حراس هذا السجن الذي جل تعالى أن يكون سمح لهم به، إذ كيف لخالق أن يؤذي خلقه الذين جعل منهم شعوباً وطوائف متنوعة !
إن مقدمات الوقائع التي عرضنا بعضاً منها هنا تقول: إن الإسلاميين يستمرون بتحويل الإسلام إلى مشكلة ، وإذا لم يقاربوا مبادئ العلمانية والتسامح ويحترموا قيم الحرية والديمقراطية ومساواة النساء بالرجال والتعامل مع بقية الأديان والمذاهب بندية، وتقديس قيمة الحياة لا الموت، فلن نصل إلى المسامحة والمصالحة ونرتقيَ جميعاً إلى مرحلة ما بعد العلمانية قبل علمنة الدين، لأن تجاوز الشيء يفترض المرور به أولاً.. فنحن مازلنا منقسمين  وانقسامنا انعكس سلباً على حياتنا وبلداننا وجعل مشروع الشرق الأوسط الجديد هيّناً على أعدائنا، من جنوب السودان واليمن حتى شمال العراق وسورية...
Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 10 + 6