كتب نبيل صالح : البحث في أسباب عظمة العرب وانحطاطهم

خاص عربي برس

2021.07.05 - 12:24
Facebook Share
طباعة

  

1
 
ماهي ماهية الهوية العربية ولماذا يتخلى عنها غالبية أبنائها اليوم ؟
لطالما انشغل العرب بالماضي على حساب الحاضر، إذ يضفي الزمن الشرقي قدسيته على الأشخاص والأحداث والروايات بحسب سماكة الغبار فوقها! ولطالما انشغلنا عن أوطاننا وعلمائنا وأبطالنا وإنجازاتنا المعاصرة في بلداننا العربية واستغنينا عنها بما وصلنا من تاريخ سكان نجد والحجاز وثقافتهم المستخرجة من بين طبقات القرنين السادس والسابع الميلادي الأثرية حتى ليمكننا قراءة أسماء شعرائهم ومقاتليهم على مدارس وشوارع ومؤسسات في سورية أو العراق أو مصر أو المغرب... مع أنه لم يكن لدينا مؤرخون أو تأريخ رسمي لقبائل شبه الجزيرة العربية قبل نهاية القرن الأول من صدر الإسلام ، إذ لم يكن العرب أهل تأليف وعلوم وكتابة، وأول كتاب جمعوه هو القرآن الكريم، ولم يراعِ الخليفة عثمان (رضي الله عنه) عند جمعه وتصنيفه زمن ورود الآيات فقد وضع المكية الرشيقة والمكثفة في آخره والمدنية بأوله، مفتتحاً الكتاب بأطول سورة فيه "البقرة" التي تتحدث عن مماحكات بني إسرائيل مع نبيهم.. ولم يترك الخليفة الثالث للمسلمين صحفهم الأولى، التي دون الصحابة عليها آيات القرآن حتى يتمكنوا من الرجوع إليها ومقارنتها، فأحرق ما قدر على جمعه من النسخ !؟ وعندما بدأ العرب بالتدوين اعتمدوا على الشعر بكونه "ديوان العرب" وتاريخهم الشفوي غير المكتوب الذي كان عاملاً موحداً لثقافة القبائل وممهداً لانتشار البلاغة القرآنية وسطوتها على قلوب العرب. غير أن الاعتماد على الشعر غير كافٍ لمعرفة البدايات الواقعية للتاريخ العربي ، وإنما بتنا أسرى مجازات وتخيلات الشعراء ومنحولات رواة السيرة النبوية على هوى سياسات حكام بني أمية والعباسيين، فخسرنا معرفة الحقائق التي شكلتنا قبل أربعة عشر قرناً حتى غدونا ما نحن عليه. وعندما نشر عميد الأدب العربي طه حسين كتابه "في الأدب الجاهلي" معتمداً في دراسته منهج الشك الديكارتي منع الأزهر الكتاب وسحبت نسخه من الأسواق وفوّت علينا السلفيون فرصة لإعادة التفكير ونفض غبار الزمان عن حقائق التاريخ العربي.
 
2
 
ففي قديم الزمان لم يكن الفرد في وسط الجزيرة العربية يخضع لكيان سياسي مؤطر وإنما كان أشبه بذئب ناطق يجول في صحراء مترامية الأخطار ومتنوعة الجماليات، تحكمه قوانين الطبيعة وأعراف القبيلة التي تعلي من شأن الصفات الفردية للإنسان كالشجاعة والكرم والفروسية وحماية الملهوف وبراعة القول في الحب والحرب والفخر والحكمة ووصف الحصان والناقة والوحوش والنساء والأسلحة. فهو نموذج لبطل وجودي معتد بكيانه الفردي وأرفع شأناً من أبطال الكاوبوي الأميين التي تتحفنا هوليود بحكاياتهم.. وقد أعلى العرب من شأن القول حتى أنهم كتبوا قصائد كبار شعرائهم بماء الذهب وعلقوها على جدران كعبتهم عندما كانت معبداً وثنياً متعدد الأصنام يتقرب العرب عبرها إلى الله زلفى، كما ورد في سورة الزمر 3، إذ كانت جميع آلهتهم تتبع لإله أعلى هو الله. وكانوا يحضرون معهم آلهتهم إلى الحروب يحملونها في جبة حمراء، ويقول المستشرق برنارد لويس: "كان الإله والعبادة قوام الشخصية القبلية العقائدي والتعبير الوحيد لمفهوم وحدة القبيلة وتماسكها، وكان التمسك بعبادة القبيلة دليل الولاء السياسي أما الإرتداد عنها فهو بمثابة الكفر والخيانة". ويبدو أن السياق السياسي العام للإسلام لم يخرج عن ذلك حتى اليوم !؟
وعندما جاء الإسلام قدم أجوبة مبسطة لهذا المجتمع الفطري بصياغات لغوية عالية فتبنوه وآمنوا به، لكن بعد خروجهم من بوتقة الجزيرة واطلاعهم على ثقافات الأمم لم تعد الأجوبة الدينية القديمة تستجيب لأسئلتهم الجديدة فاستعانوا بالفلسفة اليونانية والمعارف السريانية ونشأت لديهم مسألة خلق القرآن مثلما نشأ في المسيحية خلاف حول مسألة طبيعة المسيح.. وللأسف فقد انتصر في هذه المعركة جماعة النقل على جماعة العقل الذين كبحوا تقدم حضارة الإسلام وأضعفوها منذ زمن الخليفة المتوكل بحيث ركبها أقوام من غير الناطقين بالعربية كل همهم في الحكم، وبالتالي لم يعد هناك اهتمام بتحرير النصوص المقدسة من تاريخيتها وحرفيتها وتجديد تأويلها بما يتلائم مع متغيرات الزمن وحاجات المسلمين، فاستنقعت شعوب العرب وتسلفنت مراوحة في مكانها عشرة قرون قبل أن تبدأ نهضتها على يد المفكرين العرب منتصف القرن التاسع عشر، الذين شكلوا بذور النظرية القومية وأيقظوا الروح العربية مع تأكيدهم على ربطها بالإسلام ولغة القرآن، وبالتالي بات تطور مفهوم العروبة رهين تطور فهم النصوص الدينية، ولم يحصل أي من الأمرين حيث ارتد الجميع ليقبعوا داخل شرنقتهم المتوضعة ضمن طبقات القرن السادس والسابع الميلادي في باطن نجد والحجاز ؟!
 
3
 
كانت القبائل العربية تتدفق إلى بلاد الشام والعراق أو تتسرب إليها خلال عصور عديدة سبقت ظهور الإسلام، وكانت هذه الحركة تشتد أو تضعف تبعاً للحاجة الإقتصادية وضغطها على تلك القبائل. وفي القرنين الذين سبقا ميلاد المسيح شكلت هذه القبائل أسراً حاكمة في حمص والرها. وفي القرن الثالث للميلاد ظهرت إمارتان عربيتان مزدهرتان في تدمر والحيرة. وقد هاجرت جماعات كثيرة من العرب استوطنت بلاد الشام والعراق وامتزجت بسكانهما. و تركت اللغة العربية بعض الأثر ولكنه لم يكن عميقاً في بنية اللغة الأساسية لتلك البلاد .
أما أقدم ذكر لكلمة عرب فقد ورد في النقوش الآشورية والبابلية في القرن التاسع قبل الميلاد وفي الوثائق الفارسية المسمارية في القرن السادس قبل الميلاد. حيث كان احتكاك البدو الرحل بهذه الأمم في بادية الشام شمال الجزيرة العربية. كما ورد ذكر عرب الجنوب اليمنيون في التوراة باسم عربايا، بينما كان اليونانيون يطلقون تسمية عرب على كل سكان شبه الجزيرة العربية بما فيها صحراء سيناء وشرق النيل وصولاً إلى حدود نهر الفرات في بادية الشام، بما يشمل كل المناطق الصحراوية في الشرق الأدنى والأوسط، وكانت كلمة عربي تعني (البدوي) و (المُغير) وتطلق على الرُحَّل تمييزا لهم من الحضر، وقد ورد اسم عربي في نقش النمارة بأوائل القرن الرابع للميلاد، وهو من أقدم الوثائق بلغة عرب الشمال وكتب بالخط النبطي الآرامي ويتحدث عن وفاة امرئ القيس (ملك كل العرب). أما في القرآن الكريم فترد كلمة الأعراب لتدل على البدو من غير أهل الحضر. كما تقول الآيات أن القرآن نزل بلسان عربي مبين وتعني لغة أهل البادية حيث كان العرب يرسلون أولادهم في سنيهم الأولى ليرضعوا اللغة الصحيحة في مهدها، وقد أرسل والدا محمد عبدالله وآمنة ابنهما إلى قبيلة بني سعد وبقي فيها حتى السابعة من عمره وكانت مرضعته حليمة السعدية، وهذا من أحد غرائب العرب، أن اللغة بقواعدها الصحيحة كانت عند أهل البوادي المنقطعين عن الحضارة، وهي كذلك حتى اليوم، حيث تستخدم العربية الفصحى في كل البلدان الناطقة بالعربية قاموس بدو الشمال وقواعدهم النحوية !؟ فقد حافظ البدو على لغتهم العربية وعاداتهم وأخلاقهم ولم يتأثروا كثيرا بالإسلام حيث كان إسلامهم طقسياً، وبقيت القبيلة هي وطن البدوي ومرجعيته وليس الدولة، وهذا أحد أسباب الردة بعد وفاة النبي، إذ رفضت القبائل الخضوع لقريش وتأدية ضريبة الزكاة لها؛ وحتى في زمن النبي فقد أعياه ولاءهم للقبيلة أكثر من ولائهم للدين الحنيف وقد وصفهم القرآن الكريم: " إن الأعراب أشد كفرا ونفاقا"، فقد كانوا متمردين غير مطواعين، يحنون إلى الغزو وسلب الأعداء والفخر بمن قتلوا وما غنموا وما وهبوا، حيث تم توجيه هذه الطاقة المتوحشة نحو الفتوحات فأثمرت امبراطورية مترامية الأطراف اغتنت بالخراج والجزية والجواري والعبيد وذهب الغنائم أكثر مما جنته في تطوير الزراعة والصناعة.. فقد كانت العروبة كلمة وسيف ورمح وناقة وحصان وصحراء وروح فردية متوثبة لا تعرف الإستقرار أقلقت القارات القديمة الثلاث وشكلت ذروة حضارتها خلال قرنين امتدا بين أواخر الحكم الأموي وصدر العباسي، عندما استوعبت مثقفي الأمم الأخرى وعلومهم وأدمجتهم في ثقافة حاضرتيها: دمشق ثم بغداد، لينتهي الزمن العربي على يد المغول سنة 1258 م الذين رموا بكتب العرب وجزء من عقلهم في نهر دجلة حتى اسودت مياهه من حبرها، ذلك أن غريزة البشر المتوحشة تعمل دائماً ضد عقلهم بما يجعل الأمم تتأخر عن استحقاقاتها الحضارية طيلة الوقت ..
 
4
 
يقول برنار لويس الباحث البريطاني من أصل يهودي في كتابه تاريخ العرب:" أسست شعوب بلاد العرب الناطقون بالعربية، البدوي منهم والحضري على حد سواء، دولة واسعة تمتد من أواسط آسيا إلى الإطلنطي. ووجد العرب أنفسهم وسط خليط من الشعوب يختلف عنصراً ولغة وديناً فكونوا بينهم أقلية حاكمة من الفاتحين والسادة، الإسلام دينهم القومي وشعارهم في الحرب، والدولة الجديدة غنيمتهم، وأصبحت الفروق الجغرافية البشرية بين قبيلة وقبيلة، كما أصبحت الفروق الإجتماعية بين الحضر والبدو أقل أهمية من الفروق بين سادة الدولة الجديدة وبين الشعوب المتباينة التي قهروها". فخلال الفترة الأولى من التاريخ الإسلامي التي كان فيها الإسلام ديناً عربياً خالصاً والخلافة دولة عربية، صار لفظ "العربي" يطلق على من يتكلمون العربية وينتسبون نسبا صحيحا إلى قبيلة عربية أو ولد أسلافهم في بلاد العرب. وكان لفظ العربي كافيا لتمييز العرب من مجموعة الفرس أو السوريين أو المصريين وغيرهم الذين أدخلتهم الفتوح العظيمة في الحكم العربي. وتقدم معاجم اللغة الفصحى الأولى معنيين لكلمة عربي وهما عرب أو أعراب، والثانية تخبرنا بمعنى بدوي. ومنذ القرن التاسع  أخذت الخلافة تتحول من دولة عربية إلى إسلامية. وكان الإنتساب إلى هذه الطبقة تقرره العقيدة لا النسب. وإذ أخذت أعداد متزايدة من هذه الشعوب المغلوبة تدخل في الإسلام لم يعد الدين هو المعتقد القومي المطوّب للعرب الفاتحين بل اكتسب صفة العالمية وهو مايزال يحتفظ بها منذ ذلك الحين. وفي الوقت الذي كان مدلول كلمة عرب الإجتماعي يتغير فإن انتشار اللغة العربية كان يواكب انتشار الإسلام بين الشعوب المغلوبة، ولكن منذ ظهور الحكام الأتراك في القرن العاشر الهجري وخضوع الجميع لهم لم يعد مهماً التفريق بين أبناء العرب الفاتحين والسكان الأصليين. وقد ماتت لغات أهل البلاد القديمة في جميع الأمصار الواقعة غرب فارس وأصبحت اللغة العربية هي اللغة الرسمية. وينتهي لويس إلى أن: "المقومات الصحيحة لحضارة الخلافة أعظم مما تبدو بالنظر في أصول مبدعيها، رداً على الذين قالوا بأن مظاهر تلك الحضارة الغنية الخلاقة المبدعة قد أنتجها بشر من كل الشعوب، وأن مآثر المتحدرين من أصول عربية في الطب والفلسفة العربية ضئيلة بالقياس إلى مآثر غيرهم، حيث أن كثيرين من بناة هذه الحضارة كانوا من قوميات وأديان أخرى. ذلك أن حضارة الخلافة في مفهومها الواسع في وعي العرب الجماعي اليوم هي تراثهم المشترك والهام المكون لحياتهم الثقافية". وهذا رأي موضوعي بالنسبة لباحث لا يحبه القوميون العرب رغم اعترافه "أن محمد بن عبدالله أيقظ القوى الكامنة المتطلعة إلى بعث وتوسع قوميين عربيين ووجههما توجيهاً جديداً، أما إتمامه فقد ترك للآخرين".. وقد حصل ذلك خلال القرون الثلاثة الأولى لدولة الإسلام العربية، ولكن منذ أواخر العصر العباسي بات حصان الإسلام هو الذي يجر العروبة خلفه، وهذا ما سهل للمماليك  والعثمانيين السيطرة على بلدان العرب العاربة والمستعربة، وبات الدين وسيلتهم للحكم  حيث فقهاء الشريعة يمنعون الخروج على الحاكم المسلم ولو كان ظالماً !
 ثم وبعد قرون طويلة من حكم غير العرب واستبدادهم اطلع المثقفون العرب على النظريات القومية الأوروبية وتأثروا بها فاستيقظت روح العروبة لديهم وثاروا ضد العثمانيين وتحرروا منهم مع بدايات الحرب العالمية الأولى، وعادت فرس العروبة إلى المقدمة لتجر عربة الإسلام خلفها، ذلك أن القوميات الأوربية كانت علمانية ترفض الدين السياسي، وكذا فعل القوميون العرب الأوائل، مما أغضب أصحاب النزعة العثمانية ومهد لظهور جماعة الإخونج التي عادت القوميين وأكدت آيديولوجيتها الإسلامية على خلفيتها العثمانية، فنشأ صراع متوحش بين الدين السياسي والقومية السياسية أوصلنا إلى مانحن عليه اليوم، حيث بات الناس خارج معادلة الصراع بين السلطات القومية والمعارضات الإسلاموية، وهم الآن قابعون ينتظرون على مفترق طرق بلا حصان قومي أو عربة إسلامية لأن سرعة السفر باتت تعتمد القطارات السريعة ..
 
5
 
المفارقة أن الحركات القومية العربية الحديثة نشأت في البلدان المستعربة بدءاً بسورية والعراق وصولا للجزائر ولم تتمدد بين العرب العاربة داخل شبه الجزيرة العربية باستثناء اليمن، فقد حاربها الأعراب باعتبارها من مظاهر العلمانية الكافرة رغم أن القوميين العرب اعتبروا العامل الديني جزءاً من الهوية القومية إلى جانب اللغة والتاريخ المشترك ورسموا خريطة الوطن العربي التي تضم كل البلدان الناطقة بالعربية !؟ 
فبعدما فتش الآباء المؤسسون للبعث في التاريخ العربي المجيد تبنوا مفهوم العروبة قبل الإسلام، وأعادوا الإعتبار إلى العصر الجاهلي المؤسس للعروبة، وباركوا معركة القادسية التي اجتمع فيها العرب على الفرس وانتصروا عليهم قبل الإسلام. أما سياسياً فقد تبنوا النموذج الأموي في عصبيتهم السياسية، دون أن يبحثوا في أسباب سقوط الدولة الأموية، فوصلوا إلى ما وصل إليه الأمويون. ذلك أن من بين أسباب ضعف الدولة الأموية وقوة الثورة العباسية ضدها هو معارضة الموالي بسبب معاملة الأمويين العنصرية معهم، والموالي هم سكان البلدان التي حكمها المسلمون العرب سواء كانوا مسلمين أم كتابيين؛ فقد وسِموا بموالي الدولة الإسلامية لموالاتهم لسادتها، إذ انضم موالي الأمصار الإسلامية إلى الثورة العباسية، فكانت ثورة متكاملة الشروط وفي مقدمتها شرط المظلومية الطبقية.. كذلك تجاهل البعثيون في سورية والعراق قوة القوميات الأخرى وثقافتها كالتركمان والأكراد وغيرهم، وكانت معاملتهم تمييزية الأمر الذي برر لهذه القوميات التآمر والإنفصال عن الدولة في أول فرصة سنحت لهم، رغم عوامل الأرض والدين واللغة والمشيئة التاريخية المشتركة التي كان يعتبرها البعثيون من مكونات الهوية العربية !؟
والواقع أنه توفر للبعثيين مفكرين ماركسيين يفهمون فلسفة التاريخ، لكنهم أهملوا إنتاجهم ونفوا بعضهم خارج بلدانهم. إذ لم يتوافق البعثيون العسكريون مع البعثيين السياسيين، كما تعارضت طموحات العسكريين مع بعضهم مثلما تعارضت طموحات السياسيين مع بعضهم، وقد فصلنا بعض هذه الخلافات عبر سيرة كوكبة من الشخصيات البعثية والقومية أوردناها في كتابنا "رواية اسمها سورية" ومن بينهم المفكر ياسين الحافظ الذي كانت رؤيته متقدمة على أقرانه في زمانه فسجنه الرفاق بعدما تبنوا منطلقاته النظرية مرجعاً تثقيفياً لهم، ولكنهم تجاهلوا طروحاته الأخرى حول آيديولوجيا الهزيمة!؟
فمثلما نَفّر الإسلاميون المتشددون العالم من الإسلام فإن المتعصبين القوميين نفروا العالم أيضا من العروبة، إلى درجة أننا بتنا نسمع اليوم الكثير من مواطنينا المتبرمين بالعروبة إلى درجة رفضها ونعتها بالبداوة والتخلف!؟ والواقع أن الأحزاب القومية كانت سطحية في فهمها للعروبة وشوفينية في سياساتها إلى أن فقدت ألقها بعد قرن من الاستخدام الفاشي والجائر لها، وكان لإعدامات جمال باشا السفاح للنخبة العربية في دمشق وبيروت أثر كارثي على رفد الفكر القومي ونموه بشكل صحيح. ذلك أن العروبة ظُلمت من أبنائها قبل أعدائها، بينما أنصفها باحثون أجانب كالفرنسي غوستاف لوبون الذي قال في كتابه حضارة العرب :" إن تأثير العرب عظيم في الغرب وهو في الشرق أشد وأقوى، ولم يتفق لأمة ما اتفق للعرب من نفوذ . كما يصف العرب قبل الإسلام بأنهم: شعب جامح شديد الشكيمة لم يقدر على قهره فاتح . وأن الحضارة العربية من صنع قوم شبه برابرة فلما خرج هؤلاء القوم من صحراء شبه جزيرة العرب صرعوا الفرس واليونان والرومان وأقاموا دولة عظيمة امتد سلطانها من الهند إلى إسبانيا وأبدعوا تلك الآثار التي هي آية في الإعجاز".. ثم ينتهي لوبون بسؤال: فما العوامل التي نمت وظهرت بها حضارة العرب و دولتهم ، وما أسباب عظمتهم وانحطاطهم ؟
 
6
 
 السؤال الآن: كيف استيقظت عصبيات الأكراد والتركمان القومية في الوقت الذي ماتت فيه العصبية القومية العربية؟
الواقع أن المأزق القومي العربي سياسي - ديني - فلسفي، فقد كان من السيء للشعوب العربية تسييس العروبة بعد تسييس الإسلام، لأن ذلك يحيلنا إلى منطق الإستبداد الشرقي الذي لم يعد مقبولاً في المجتمعات الديمقراطية الحديثة. ويبدو أن الأكراد والتركمان ذاهبون إلى نفس الحفرة التي وقع العرب فيها من قبلهم، ذلك أن العصبيات الشرقية، بعد طول مساكنة، باتت تشبه بعضها.. فقد كانت الشعوب العربية بعد الإستقلال مقبلة نحو الحداثة وذاهبة في الطريق الذي سلكته اليابان غير أن مأسسة العروبة والإسلام النقلي ساهما بتقييد حركة الشعوب العربية وإبطاء تقدمها، يضاف إليه عامل البترول العربي واستخدامه لتمويل الجماعات المتطرفة والأنظمة الرجعية، كما هو الحال في غاز قطر ونفط السعودية. ولا يحتاج الأمر إلى كبير جهد لكي ندرك أن العرب اليوم أعداء أنفسهم، وأنهم فشلوا في إنتاج دولة دينية أو قومية أو ديمقراطية في أي قطر عربي.
وأما اختراع "جامعة الدول العربية" فلم يأت استجابة لتطلعات القكر القومي بقدر ما جاء لامتصاص شغف الناس بالوحدة العربية وتمييع العمل القومي آنذاك، حيث رُفضت تسمية "الجامعة العربية" لتغدو جامعة الدول لا العرب، وقد شرعنت جامعة الأنظمة الإستبدادية الحدود التي وضعها الإستعمار الغربي بعد الحرب العالمية الأولى، إذ أن من رسم هذه الخرائط مستشرقون يعملون لدى وزارات الخارجية الغربية، وهم يعرفون جيدا النزعات الإقليمية والدينية في المنطقة حيث رسموا خطوطهم بما يكرس عصبياتنا الإقليمية، ولم يعد ممكناً إلغاؤها بعدما باتت أقطارنا وحدات سياسية معترف بها دولياً، وإنما الممكن هو وحدة ثقافية تدعمها اللغة العربية، ووحدة إقتصادية تكاملية تنسق بين مصالح الجميع.. ورغم أن الجامعة كمؤسسة فشلت سياسياً ولكن لا يجب إلغاءها وإنما الإفادة منها كتراكم تاريخي للعمل العربي، وإعادة تفعيلها وترتيب أولوياتها، وعندما تنضج البلدان العربية وترتقي ثقافياً واقتصادياً ستحمي أمنها القومي المنتهك بعدما تدرك أن مصلحتها في حماية بعضها، وأن بداية التحديث يجب أن تكون في تحرير التراث الديني، الذي سينعكس إيجاباً على تنمية السياسة الوطنية والقومية، وكل ذلك مرهون بتسليط الضوء على الإنتاج الفكري للمثقفين العرب خلال نصف القرن الأخير حيث أنتجوا كما هائلا من الأفكار التنويرية التي يمكنها أن تنقلنا نحو المستقبل من دون مبالغة.
 
7
 
كان المفكر السوري ياسين الحافظ يميل إلى استخدام مصطلح "التأخر" بدلا عن مصطلح "التخلف"، نظرا لما يحمله التأخر من معنى نهضوي. وقد بنى على مفهومه للتأخر العربي نظرية "الفوات التاريخي" حيث يرى أنّ الشعوب التي تعيش حالة الفوات هي التي يشكل وجودها في عصر معيّن ضرباً من غلطة تاريخية أو مفارقة تاريخية، باعتبار أنها تعيش في مرحلة تخطتها شعوب أخرى، فالشعوب المفوتة هي الماضي ملقى على هامش الراهن أو الحاضر، هي التي تعيش في غير عصرها . فقد رأى الحافظ أن التأخر هو المسألة الأساسية في الواقع العربي المعاصر، منتقـــداً "المنظور التنموي" الذي يوهمنا بإمكانية دخول العصر وتَجَنُّبِ الثورة القومية الديمقراطية التي دشنت العصر الحديث من خلال قلبها وتصفيتها المجتمع التقليدي القديم، وعبر هذه التصفية أمكنها أن ترسي بنى المجتمع الحديث المجتمعية والأيديولوجية والسياسية وإطلاق قواه الإنتاجية. وقال إنّ هذه المنظورات التنموية هي كمحاولة عمل زركشة تحديثية على سطح مجتمع قديم مفوَّت، إذ تقول تجارب الشعوب المتقدمة أنه ما من شعب حقق تقدما ًاقتصادياً قبل أن يحقق تقدما ًمجتمعياً وثقافيا ًوسياسياً. ومن خلال استقرائه لتاريخ الفكر السياسي العربي الحديث وجد أنّ مجمل السياسة العربية متأخر، فالتأخر كامن في البنية السياسية العربية: "لسنا إزاء أخطاء فحسب بل إزاء تأخر، لسنا إزاء سياسات يمينية فقط بل سياسات لا عقلانية. وبكلمة : إنها سياسات قرية في عالم المدن ". لذلك دعا الحافظ إلى الثورة القومية الديمقراطية التي لا تستدعيها نظرية المراحل، بل تستدعيها لاعقلانية السياسة العربية بجماعها، يمينها ويسارها، فالتأخر العربي العام جعل العقل العربي وكأنه: " برميل بلا قعر، لا يجمّع ولا يراكم ، مع كل صباح نبدأ تجربة جديدة، وننسى تجربة البارحة، كما لا نفكر باحتمالات الغد . على الدوام نبدأ من جديد وكأننا ولدنا اليوم، أشبه بفئران عاجزة عن اكتشاف أنّ المصيدة تصيد".
وقد تشكل نظرية الحافظ هنا نصف الجواب بينما النصف الثاني يتعلق بالفوات الديني حيث تحجرت النصوص وبات رواتها وفقهاءها أصناما تُعبد دون السماح بإعادة التفكير فيها بكونها نصوصاً تاريخية نزلت في أزمنة قديمة وعلى مجتمعات مختلفة في تقكيرها وحاجاتها، وأنها بحاجة إلى إعادة ملاءمتها لما تطلبه احتياجات الشعوب العربية المعاصرة، ذلك أن المؤسسة السياسة مازالت محكومة بالمؤسسة الدينية وهي مضطرة لإنتاج سياسة منافقة للمجتمعات السلفية، وبالتالي لا يمكن أن تكون هناك تنمية سياسية عربية قبل أن تسبقها نهضة دينية تبدأ بتحديث شروحات النصوص التي تخضع بدورها إلى نظرية الفوات التاريخي منذ القرن العاشر للميلاد عندما سيطرت المدرسة النقلية على العقلية..
 
8
 
 قال تعالى : أفلا تعقلون ؟ فقد ذُكر لفظ "العقل" في القرآن تسعاً وأربعين مرة، كلها في صيغ فعلية وليست اسمية، وورد ذكر العقل في الحديث الشريف أكثر من مائة مرة، ومنها: "أول ما خلق الله خلق العقل".
 وفي كتابه "العقل في الإسلام" يتحدث المفكر اللبناني خليل أحمد خلبل عن عقل التاريخ، وعقل الإعتقاد واللامعقول، وعقل الفلسفة، وعقل الحضارة، والعقل الديني والعقل العلمي، ويفرق بين عقل النقل وعقل العقل وعقل النص. ويقصد بعقل النقل نقل نص عن نص أي اعتماد الذاكرة دون الفاكرة والتخيل. أما عقل العقل فهو النقد العلمي للعقل الذي يولد المعارف، عقل الفرد المستقل الحر المبدع. ورأى أن عقل النص والعقل الإعتقادي يكبلان العالم.. وفي فصل "مأزق الفلسفة" يلخص د.خليل مثال الصراع بين مدرسة النقل والعقل عبر مقارنة بين منتج أبو حامد الغزالي النقلي ومنتج ابن رشد العقلي: "فما زال الغزالي وهو شيخ التفلسف الإرتجاعي، الذي لم يكتب سطراً واحداً في فلسفة التحرير يوم كان الغزو الصليبي في ذروته، وكانت القدس كما هي اليوم في غير أيدي العرب والمسلمين، هو النموذج المعارض للفلسفة العقلانية، فلسفة نقد الواقع كمساهمة في عملية تحريره من داخله، ومازال كتابه إحياء علوم الدين يقدم بوصفه "المنقذ من الضلال" بينما كان المطلوب ولازال إنقاذ المجتمعات العربية والإسلامية من الإحتلال، أما نقيضه ابن رشد الذي قامت علمانية أوروبا على حيوية فلسفته القطعية أو ما يسمى اليوم بالقطع المعرفي، فقد دعا إلى مبدأ القياس وصرح بأنه لا استغناء عنه، وعده ضروريًّا، وقال بأنه لا مانع من الاستعانة بما قاله الفلاسفة السابقون حتى ولو كانوا على غير ملتنا. وقال أن نصوص الشرع لها معنى جلي قريب وواضح، وأيضا لها معنى خفي، أو بعبارة أخرى لها معنى ظاهر ومعنى باطن، وصرح بأن الله تعالى راعى اختلاف نظر الناس وتباين قرائحهم فجعل للشرع ظاهراً وباطناً، وقال أن التأويل ضروري لصالح الدين والفلسفة، فإذا كان الدين يوجب النظر العقلي أو الفلسفي، فإنه من الواجب أن نلتمس تأويل ما لا يتفق معه من النصوص". وبالتالي فإن ابن رشد كان يدعو إلى التحرير بالتأويل، ولكنه كان سابق لزمانه العربي.
ويدعو خليل في خلاصته إلى تجديد الدرس الفلسفي العربي المعاصر ضمن مفهوم فلسفة التحرير، الهدف الوحيد الجامع بين كل العرب مؤكدا على أن هذا الدرس الفلسفي يحتاج إلى قرار سياسي.. تخيلوا قيادة عربية تستشير نخبة علماء ومفكري العرب المعاصرين بدلاً من استشارة موظفيها الأمنيين أو رجال الدين فماذا سيحصل ؟
لقد أدرك القوميون استناد العروبة على الدين ولكنهم تجاهلوا أن تلازم العروبة والإسلام دونما تحرير التأويل هو سبب الجمود السياسي ، ولكنهم استمروا في تعزيز مفهوم العروبة دون تطوير الفكر الديني، وانتهى الحكام القوميون إلى مواكبة رجال الدين النقليين السائرين على نهج الغزالي والقادرين على تنويم العامة وقيادهم في حظيرة الحاكم المستبد دونما خوف، فلا العروبة ارتقت ولا الدين تحرر، وبقينا في "التهافت" تائهين ..
 
 
Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 2 + 4