كتب نبيل صالح: تحرير الدين من السياسة وإغلاق سقيفة بني ساعدة

2021.07.12 - 03:02
Facebook Share
طباعة

  

1
 
تلاشت النسخ الأصلية من الأديان الإبراهيمية القديمة وحلت مكانها المذاهب المتوالدة عنها بشروحها التي وضعها الفقهاء والكهنة والحاخامات بما يناسب كياناتهم السياسية آنذاك فصار لدينا نسخة مسلم شيعي وأخرى سنية أو زيدية، ولدينا مسيحي أرثوذوكسي أو بروتستانتي أو كاثوليلكي، ويهودي محافظ أو إصلاحي أو أرثوذوكسي، بحيث يمكننا القول إن الأديان تحورت على يد فقهائها وأصبحت منتجاً بشرياً - إلهياً مشتركاً، بعدما باتت تفاسير الفقهاء تشارك النص الإلهي في صفة القدسية، كما أن تفسير النص القدسي بات يحمل قدراً كبيراً من الأنسنة. غير أن المسلمين اليوم أكثر من غيرهم مازالوا رهينة الخلافات السياسية التي أنتجت مذاهبهم وعطلت حيويتهم الروحية المطلوبة ودفعتهم نحو كراهية الآخر بدلاً من حبه في الله بكونه: إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق، حسب تصنيف الإمام علي للناس.
فكما هو معروف بعد وفاة الرسول الأكرم نشب النزاع السياسي بين المسلمين، وارتدت الكثير من القبائل، ودخلت عائلات قريش والمهاجرين والأنصار في نزاع على الحكم وراح كل طرف يبحث عما يعزز أحقيته في خلافة الله على أرضه، فتم تلفيق الكثير من الروايات بشأن ذلك وكلها دخلت في النسخ المذهبية المتعددة للإسلام.. وقد تطور النزاع السياسي من التجاذب العنيف بين الصحابة إلى الحرب الشاملة بين المسلمين: في قريش حزب بني هاشم ضد حزب بني أمية وكلاهما ضد حزب الخوارج الذين ينتمون إلى غير قريش، ثم انقسمت هذه الأحزاب على نفسها وأنتجت سبعين فرقة إسلامية اشتغلت على شرح النص بما يدعم أحقيتها وتوجهاتها السياسية بكونها الفرقة الوحيدة الناجية، وصرنا اليوم أحوج ما نكون إلى ترقية النسخ المذهبية من العقل الإسلامي بما يلبي حاجاتنا الروحية من دون حمولات سياسية تحيلنا إلى تاريخ الصراع بين العائلات القرشية قبل الإسلام. إذ تعيش المجتمعات الإسلامية اليوم حالة (تصلب حضاري) بحسب توصيف المفكر وعالم الأديان التونسي "عز الدين عناية" في كتابه: العقل الإسلامي، ويقسم الإسلام فيه إلى إسلام سلطوي محافظ وإسلام أصولي معارض، حيث أخذ الإسلام السلطوي شكله بحسب توجهات الدولة القطرية الاشتراكية أو الليبرالية، بحيث لا يختلف الأزهر عن توجهات السلطات المتعاقبة وكذلك مؤسسة الوهابية لم تخرج عن سياسة آل سعود طوال قرنين، وقد كان الأمر كذلك سابقاً أيام الدولة الأموية والعباسية والمملوكية والفاطمية والعثمانية، فكان أن تقلصت سيطرة المؤسسة الدينية في البلاد العربية على المجال الاجتماعي الديني بفعل التقادم والتراكم كما ساهم انتشار التعليم غير الديني في تحرير غالبيىة الناس من سطوتها..
وقد ساهم وجود المؤسسة الدينية الرسمية بتشكيل نقيضها الإسلامي الخوارجي الذي ماتزال تنظيماته تعمل على أساس أنها الفرقة الناجية والمنصورة، الأمر الذي يعطيها حق تكفير ومحاربة من لا ينضم إليها (من المسلمين الضالين)، حيث يحتكر الأصوليون المشروعية والصواب في الإسلام ويغتصبون المجتمع ويتعاملون معه تعامل المأسور نفسياً. وقد عجز الطرفان الإسلاميان المتعاديان سياسياً، في السلطة والمعارضة، عن إيجاد صيغة إسلامية خارج المتضادات والمقابلات ضمن ردود أفعال الانعكاس الشرطي.. وكما فعلت الأحزاب الإسلامية القديمة فإن المرجعيات الإسلامية اليوم تعمل على اختزال الإسلام في رؤاها وتوجهاتها معتبرة كل من يخالفها منحرفا وغير شرعي، مثلما رأينا في صراعات وحروب (الربيع السلفي) حيث أحرقت التنظيمات الأصولية بلدانها ثم فرت تطلب اللجوء عند من تسميه بلاد الفسق والفجور. بينما استمرت المؤسسات الدينية الرسمية محافظة على ما هي عليه ولم يتغير سوى اسم الخليفة أو الملك أو الرئيس الذي يدعون له بالنصر وطول العمر في خطبة الجمعة دون أي محاولة لفهم المشكلة وعلاجها؟!
2
 
العقلان الإسلاميان، الرسمي والمعارض، يزدريان التدين الشعبي ويتنافسان على استقطاب جمهوره الذي يمثل الأكثرية الإسلامية المعتدلة. فالتدين الشعبي أشبه باللهجة العامية والرسمي باللغة الفصحى، ينام هذا إلى جنب ذا، ولكن العامية أقرب إلى قلوب الناس وأكثر تعبيرا عن مكنوناتهم من الفصحى الرسمية المتعالية عليهم. وهو شديد التنوع بحسب البيئات ونظم المجتمع والأحوال الاقتصادية وأنماط المعيشة، حيث يتمركز حول المزارات والتكايا والزوايا وأضرحة الأولياء والقديسين وشيوخ الطرق الصوفية. ومن عناصره تدرجات القداسة، والتفسيرات الرمزية، وضعف العلاقة مع علماء الدين الرسميين، والتمسك بتقاليد مشتركة بين مختلف الطوائف مستمدة من عهود قديمة تعود في بعضها إلى ما قبل نشوء الديانات التوحيدية. ومن عناصره أيضا التشديد على شخصنة القوى المقدسة والوسطاء بين المؤمن والله، وعلى أهمية التجربة الروحية الذاتية والورع الداخلي، والإيمان بالعجائب الخارقة، وبالبركة، والتأويل العرفاني. ويتمركز التعبد حول شخص الولي والقديس أكثر منه على النصوص والتعاليم المجرّدة، حيث تسود الأمية الدينية وإيمان الفطرة والموروث الروحي عبر شيفرة روحية موغلة في القدم. ويشوب تدين العامة بقايا عبادات الأسلاف الذين عاشوا على ضفاف الأنهار قبل آلاف السنين. إذ مازلنا نشهد إقبال الكثير من المسلمين على زيارة الأضرحة والمقامات وتقديم الأضاحي والنذور، وفتح الفال، وتفسير المنامات، وكتابة الأحراز والحجب لفك الحسد ومنع تسلط الجن، والقضاء والقدر، والكثير من الأساطير الدينية التي تمت إعادة صياغتها مرات كثيرة منذ عصر الديانات الرعوية إلى يومنا هذا. ولو أخذنا مقامات سيدنا الخضر في بلاد الشام مثالاً سنرى أن تقديسه مشترك بين أتباع المذاهب والأديان، مع أن عبادته تعود إلى ما قبل ظهور الديانات الإبراهيمية، حيث مازال الناس يزورون مقاماته لتلقي العلاج الروحي والجسدي وحل مشاكلهم الدنيوية.
ويمكننا القول إن التدين الشعبي هو محصلة لتكيف تاريخي متبادل بين الرسالة الدينية وما تحويه من عقائد وعبادات وطقوس وخرافات من جهة، والهياكل والأبنية الاقتصادية الاجتماعية والثقافية للمجتمع من جهة أخرى. وهي في أغلبها ليست من الدين الرسمي أو المعارض، وإنما تدين يصدر عن الظروف الحياتية التي تمر بها المجتمعات والأفراد، ويلزمنا إنجاز دراسات ميدانية لتأكيد ما نذهب إليه، وهو أن الناس خلال سياقات تاريخية تراكمية يؤسسون أديانهم الشعبية التي تناسب أسلوب حياتهم، حيث تختلف قليلاً أو كثيراً، بحسب الأقاليم التي يعيشون فيها، إلى درجة القول أنها بمنزلة طبعات إقليمية للتدين الشامي أو المصري أو المغربي. وهي عامل مؤثر في الناس يسيّر حياتهم جنباً إلى جنب مع الإسلام الرسمي المؤسس. إنه تدين مرتبط بالحياة أكثر منه بالنصوص، بمعنى أن التدين الشعبي تدين غير نصي باعتبار أن الإيمان حالة روحية أكثر من كونه منطقاً عقلياً.
وبالعودة إلى الطرق الصوفية الأكثر تأثيرا في الدين الشعبي نذكر أنه لدينا أكثر من 15 طريقة صوفية رئيسية منتشرة في البلاد العربية أشهرها الطريقة النقشبندية والشاذلية والرفاعية فالقادرية والسنوسية والأحمدية والفاتحية والعلاوية. وأهم ما يميز التصوف هو التفاف المريدين حول شيخ صوفي سواء أكان على هدى أم ضلالة، فهو باعتقادهم المرشد الديني والروحي والمخلص والوارث المحمدي، حيث ينتمي الصوفيون في نسبهم الروحي إلى الإمام علي. فتصوف الطرق شعبي، وعندما يصبح التصوف شعبياً، يصبح الشيخ هو الوسيط بين العبد والرب. وقد يشوب التصوف الكثير من الشعوذات ولكنه عامل مساعد على الاستقرار الروحي والنفسي لدى العوام حيث لا توجد ثقافة مراجعة الطبيب النفسي لدى سكان المشرق الروحاني كما عليه الحال في الغرب المادي ..
3
 
 لطالما كان تفسير آيات الكتاب مصدر خلاف بين المسلمين، منذ أن رفع عمرو بن العاص القرآن على رمحه مطالباً بالتحكيم ورد الإمام علي بأنها كلمة حق يراد بها باطل.. وكذا في وصيته لابن عباس حين وجهه لمفاوضة الخوارج فإنه يضع يده على مشكلة التأويل السياسي للآيات: "لا تخاصمهم بالقرآن فإن القرآن حمال ذو وجوه، تقول ويقولون، ولكن حاجَّهم بالسنة، فإنهم لن يجدوا عنها محيصا". وفي حديث الإمام جعفر الصادق في ذم الغاصبين: "وذلك أنهم ضربوا بعض القرآن ببعض، واحتجوا بالمنسوخ، وهم يظنون أنه الناسخ، واحتجوا بالمتشابه، وهم يرون أنه المحكم، واحتجوا بالخاص، وهم يقدرون أنه العام، واحتجوا بأول الآية، وتركوا السبب في تأويلها. ولم ينظروا إلى ما يفتح الكلام وإلى ما يختمه، ولم يعرفوا موارده ومصادره، إذ لم يأخذوه عن أهله، فضلوا وأضلوا". وإذا راجعنا القرآن الكريم سنجد أكثر من مائة كلمة قرآنية يخطئ في فهمها الكثير من الناس ظانين صواب أنفسهم، كما يحتوي القرآن على كثير من الآيات غير المفهومة والتي احتار فيها المفسرون كورود الحروف في أوائل السور واعتبرت من الطلاسم. وقد ساعد كل هذا على تسييس آيات القرآن من قبل أتباع الأحزاب الثلاثة الأموي والهاشمي والخارجي، والأخير أشدهم حيث رفع شعار "الحاكمية لله" فسيس فكرة الله وجعل منه حاكما وملكا، فبات امتلاك الطريق هو الغاية مما أبعدنا عن الهدف الأخير للدين. وقد استعاد أبو الأعلى المودودي شعار الخوارج بعد 1300 سنة لإنجاز انفصال الباكستان عن الهند حيث تفرّد العسكر وشيوخ الوهابية في حكمها! فمنذ أيام الخلافة الأموية تم فصل جسد الإسلام عن روحه ليأخذ شكله السياسي، ثم بدأ يستعيد روحه مع ظهور المتصوفة المسلمين في منتصف القرن الثاني للهجرة، حيث وجهوا التأويل نحو الحب والزهد والتواضع وتعظيم الإنسان بكونه شبيه الله. وكان لهم دور في إبعاد الدين عن السياسة وإعطاء حيوية اجتماعية جديدة للإسلام إذ افتتحوا دروبا جديدة نحو الإيمان تمثل الجوهر الإبراهيمي الذي يماهي بين الديانات الثلاث، وكانت محط إقبال العامة كما أسلفنا. فكان إسلام بلاد الشام ومصر والسودان والصومال والمغرب أشعرياً صوفياً حتى منتصف الستينات إذ غزته طلائع التبشير الوهابي والإخونجي الممول نفطياً، فتم تفخيخ الدين بالسياسة لينفجر المجتمع العربي بعد نصف قرن من الجهود المبذولة في تسييس الدين ، حيث أن الصوفية هي العدو الأول للوهابية وهذا ماسعَّر الحرب الإسلامية – الإسلامية كما نرى اليوم ..
4
 
إن الإيمان بالله العادل والمحب لخلقه هو ما يشكل مركزية الرسالات الإبراهيمية الثلاث بين أتباعها، وهي قيم مازالت مطلوبة في جوهرها، غير أن ما يفرقها هو بقايا السياسات الاستعمارية في تفكيرها وطموحها، حيث كان التبشير المسيحي مقدمة للمد الاستعماري الأوروبي في القرن الثامن عشر، مثلما كانت الأسلمة مقدمة لتوسيع حدود الإمبراطورية العربية في القرن السابع والثامن الميلادي، وكذا هو حال اليهودية السياسية في الكيان الإسرائيلي اليوم، فقد تضررت الرسالات الإبراهيمية من الاستغلال الاستعماري لها ولم تعد رسالات روحية خالصة بل غدت في ممارستها أدوات للعدوان والهيمنة على العالم؛ وما تزعمه الدول العلمانية من عدم تسييس الدين غير دقيق، فهي تفصل الدين عن السياسة داخل حدودها الوطنية بينما تستخدمه خارجها لإضعاف الأمم الأخرى والهيمنة على مقدراتها أو تدميرها، كما حصل عند قيام فرنسا بفصل مسيحيي لبنان عن الوطن السوري، وكما حصل في الاستغلال البريطاني لمسلمي الهند للانفصال عن بلادهم في الوقت الذي جندت فيه اليهود لاحتلال جزء من بلاد العرب المسلمين؛ وكما فعلت الولايات المتحدة الأمريكية في استغلالها للتنظيمات الإسلامية في مواجهة الشيوعية، ومن ثم بعد تفكك الاتحاد السوفياتي أعادت توجيه طاقة الجهاديين نحو بلدانهم التي تعادي إسرائيل..
لقد سمم القادة السياسيون وعملاؤهم الدينيون تعاليم المحبة والعدالة باستخدامهم المراوغ للأديان، وباتت علمنة الغرب ناقصة وغير مكتملة، لهذا مازال العالم قلقاً وغير مستقر، وأصبح الآن مثلما كان عليه الحال قبل ظهور هذه الأديان التي رفعت شعار التسامح والسلام بينما استخدم القادة والسياسيون أسفارها وآياتها لتسويغ القتل والنهب والتدمير، فكانت كلماتها حقاً استخدم لشرعنة الباطل، وبات لزاماً على كل من يدعي الإيمان بالله حقاً أن يخلّص دينه وإيمانه من أي بعد سياسي. ونحن اليوم كعرب ومسلمين يتوجب علينا أن نحارب لاسترجاع حقوق شعب فلسطين من دون إقحام الدين، لأن ذلك يموّه الحق ويحيلنا إلى أساطير الأولين التي يستغلها الإسرائيليون لإثبات شرعيتهم بعدما تحولت اليهودية على أيديهم إلى دين موسادي عاجز عن تحقيق السلام العادل والشامل بعد أربعين عاماً على توقيعه اتفاقيات السلام الفاشلة مع بعض الدول العربية، ذلك أن فاقد السلام لا يعطيه..
إذاً، فقد تعامل أتباع الأديان مع بعضهم بعدوانية رغم انتمائهم  لمصدر واحد، ووسمو الآخرين بالضالين حتى فقدت الثقة فيما بينها وباتت منتجاً لا يشبه مصدرها الذي يدعو للحب والسلام، وهذه مفارقة تستدعي التحدي لإعادة إثبات نسب هذه الديانات إلى الله، كما تستدعي علمنة الأديان وتطوير الأبعاد الإيجابية في مفاهيمها السماوية التي تدعو إلى تكريم الإنسان وتحقيق رؤى السلام. ولابد من الاعتراف أن صراع الأديان الإبراهيمية مع بعضها والاختلاف السياسي بين مذاهبها خلال قرون كثرة قد قلل من مصداقيتها وأضعف وهجها حتى بات الكثير من الناس الجيدين يرون أنه من الممكن أن يكونوا مؤمنين من دون التعامل مع موظفي المؤسسات الكهنوتية عبر الإيمان الحر والتواصل المباشر مع رب العالمين !؟ 
 
5
 
 استغل العقل اللاهوتي الدين ووظفه لصالح التمايزات المللية والخلافات السياسية أكثر منه لصالح الإنسان. ويرى المفكر اللبناني خليل أحمد خليل أن أحد السلبيات المنتشرة بين الأديان اليوم هي النظر إلى مشروع الحوار بينها على أنه مشروع تعريفي أكثر منه اعترافي، وتبعا لذلك لم يصل الحوار إلى مستوى الاعتراف الكامل بالآخر من دون شروط تحد من حريته. ويدعو خليل إلى إخصاب الذات وتأهيلها لاستيعاب المغاير الديني على مبدأ أن العائلة الإبراهيمية تمثل تفرعات عائدة إلى أصل واحد هو الإنسان ولدين واحد هو دين الله.
أما المفكر عز الدين عناية فيرى أن تحريرَ المجال الديني من القيود التي كبلته، يقتضي تَبنِّيَ فكرٍ دينيٍّ نقدي فاعل يخرج من عباءة المناورات السياسية إلى حقل المعالجة الفكرية والعلمية، مما يتطلب التعاطيَ مع المسألة الدينية من زاوية تخدم الإنسانَ والناس، عوض الانغلاق في غيتوهات وجزر يتحرَّك فيها كلُّ طرف بمنأًى عن الآخر.
وأذكر أنه في ندوات حوار الأديان التي عقدناها في دمشق بين عامي 2001 و 2002 بحضور عشرين رجل دين وخمسة علمانيين مدججين بخطة وبرنامج عمل، كان المشايخ والخوارنة يبحثون في محاضراتهم عن المشتركات الدينية لتأكيد التقابل والتماثل المسيحي الإسلامي، بينما كنا نحن العلمانيين نبحث عن المشتركات الإنسانية فيها، ذلك أن المختلفات منطقيا كانت بسبب اختلاف الأزمنة والأمكنة وحاجات الناس. وأذكر أني نشرت وقتها مقالة بعنوان :" شيخ في كنيسة وكنيسة في وطن" وقلت بوجوب تخليص الدين من السياسة لكي يغدو دين الإنسان لا السلطة أو المعارضة، وبالطبع تم تعطيل هذا النشاط؛ وقد أجابني أحد المسؤولين في الدولة آنذاك في تعليل التعطيل: "ما بدنا حوار بين الأديان ولا المذاهب.. فرق تسد"، وقد انشق هذا المسؤول مع مجموعة من جنرالات عائلته في بداية الحرب على سورية وكونوا فصيلاً إسلامياً مسلحاً باسم أسود السنة ؟!
 
6
 
بعد الحرب العالمية التي مزقت الشعوب المسيحية الأوروبية فيها نفسها، حصلت ردة فعل وجودية تدعو للتحرر من الاستعمار السماوي بعد إعلان موت الله، وانتشرت فلسفة تأليه الإنسان وأنسنة الله، وأخذت العلمانية الماركسية اتجاهاً إلحادياً في منظومة الدول الشيوعية وباتت الماركسية دين اليسار العالمي، وبعد خمسة وسبعين عاماً على بدء انتشاره سقط الدين الماركسي فجأة وقام الله من جديد وارتد رعاياهم إلى مسيحيتهم وإسلامهم الذي كان عليه أجدادهم وكأن الماركسية لم تكن! بينما بقيت الرأسمالية مستمرة كون علمانيتها استوعبت الجميع، متدينين وملحدين، بكونهم زبائن دائمين أو محتملين لبضاعتها، بل أنها تعاونت مع الكنيسة الكاثوليكية في بداية الحرب الباردة ضد الشيوعية، ثم تعاونت مع التنظيمات الإسلامية قبل نهايتها..
فبعد سقوط أفغانستان بيد التنظيمات الجهادية التي كانت أمريكا تسلحها، تفكك الإتحاد السوفياتي، واصطدم الجهاديون مع بعضهم، ولم يعد أحد يذكر لماذا قامت هذه الحرب. فنظرت أمريكا إلى هذه الروح الانتحارية المدهشة لدى الإسلاميين وقررت إعادة توجيهها ضد من تبقى من أعداء إسرائيل بين العرب، وهكذا تم إعادة تشكيل فرانكشتاين إسلامي داخل مختبرات مركز "كارنيغي" و "راند" و "بروكينغز" و"سي آي إي" لكي تحاربه أمريكا وتمرن جنودها وسياسييها به، وكان تنظيم "داعش" أعظم مخلوقاتها المشوهة. وهكذا عاد الإسلام السياسي إلى واجهة السياسات الدولية وبات الإسلاميون أحد اختصاصات مراكز الأبحاث والاستخبارات، ولم تفعل الأنظمة العربية الإسلامية شيئا لرد هذه الهجمة المرتدة أو معالجة مسبباتها إلا من خلال البوابة الأمنية، لابل أن بعضها استثمر في التنظيمات المتطرفة ضد الأنظمة العربية المنافسة فساهم في تقويتها ، كما حصل عندما دعم صدام حسين البعثي إخونج سورية ضد رفيقه البعثي حافظ الأسد، وعندما استخدمت قطر وتركيا تنظيم حماس الإخونجي ضد نظام دمشق الراعي له.. ذلك أن تسييس الدين مثل تدين السياسة يقود نحو الخراب، ولابد من فصل السياسي عن الديني من أجل صحة كليهما: الدين الروحي والسياسة المادية. أما بالنسبة لمن رفعوا شعار الإسلام هو الحل، فهل كان حلا في الصومال أو أفغانستان أو السعودية أو مصر أو السودان أو إيران على اختلاف تجاربها؟ وهل كان حلاً عادلاً في أي وقت منذ اجتماع السقيفة الذي ولد كل هذه الإنشقاقات العربية؟ الواقع أن الإسلام نفسه في مشكلة ولن تحل مشكلته إلا عندما ندرك أن كل ما يوافق العقل العلمي التجريبي هو من الإسلام وكل ما يخالف هذا العقل ليس من الإسلام، وعندها قد يتمكن المسلمون من توسيع مظلة السلام العالمي، كون كتابهم المقدس يعترف بباقي الديانات الإبراهيمية التي سبقته وينهل منها كما لو أن الكتب الثلاثة من مصدر واحد بينما المسيحية لاتعترف سوى بالتوراة، أما اليهود فلايعترفون بأي كتاب مقدس سوى كتابهم وهم بالتالي ينتجون أكبر طاقة للكراهية بين الأمم .
لقد ساهم تسييس الأديان الإبراهيمية في توسيع مسرح الحروب والنزاعات والمآسي العالمية، وأما الديانات غير الإبراهيمية  فقد تقلص حضورها وتراجعت حمولتها في حياة الآسيويين، وفي الصراع العالمي أيضا. ففي الصين واليابان لايتجاوز عدد المتدينين في المجتمع 10 % وأغلب المتدينين من الأقليات الإبراهيمية فيها، لهذا كانت نهضة شعوبها سريعة وباهرة. أما في الهند فإن الدين الهندوسي والبوذي كان يأخذ بعدا روحيا مسالما في حياة الهنود إلى أن قام البريطانيون بتحريض المسلمين، كما أسلفنا، حيث انفصلوا  وشكلوا دولة عسكرية ذات طابع ديني وهابي في خدمة أهداف "الناتو" !؟ ولن يحل السلام العالمي من دون نزع الألغام السياسية من الديانات الإبراهيمية . 
Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 8 + 10