بحث: العراق وادارة بايدن (ح1)

د. ناصر الحفناوي - القاهرة

2021.07.19 - 10:24
Facebook Share
طباعة

 
كرئيس لمجلس الشيوخ الأمريكي في العام 2002م، صوَّت بايدن لصالح قرار أدَّى إلى الغزو الأمريكي للعراق بعد عام, وحينما شغل منصب نائب الرئيس لأوباما، أدَّى دوراً رئيساً في سحب 150 ألف جندي أمريكي من البلاد في العام 2011م, وعلى الرغم من أنَّ الكثيرين أيَّدوا الخطوة في ذلك الوقت، إلَّا أنَّها خَلَقَت فراغاً أمنيَّاً وسط أزمة طائفيَّة في العراق, مهَّدت حسب المراقبين الطريق لظهور تنظيم داعش الإرهابي, وبحلول العام 2014م، احتلَّ التنظيم الإرهابي مساحات شاسعة من الأراضي العراقيَّة؛ وهو تطُّور أعاد القوات الأمريكيَّة إلى البلاد كجزء من تحالف دولي لمحاربة داعش.
حيث صارع جو بايدن طوال حياته السياسيَّة الواسعة، مع الشرق الأوسط, فحسب صحيفة "بوليتيكو"، صوَّت بايدن ضد حرب العراق الأولى في العام 1991م, ودَفَعَ من أجل غزو العراق, وفي عهد أوباما تعامل مع الحرب السوريَّة, وهو محسوب مع القوة المتزايدة لداعش, فعمل بايدن على أن لا تكون أولويَّاته تلك المنطقة المليئة بالحروب, ونزع الأولويَّة للشرق الأوسط في سياسته الخارجيَّة, وأضافت الصحيفة, أنَّه يعتزم التمحور حول آسيا والتركيز على واحدة من أكثر القضايا العالميَّة إلحاحًا: "صعود الصين", حيث فضل أسلافه ترامب وأوباما، في "التحوُّل نحو آسيا", الذين جرَّهما كل من داعش والبرنامج النووي الإيراني باستمرار إلى المنطقة, وأشار ""Kerry Pearson, في موقع Yorkshire by lines"", أنَّه "غالبًا ما تجد الجماعات الإرهابيَّة التي تشكِّل تهديداً كبيرًا للمدنيِّين والغرب "ملاذات" في العراق وسورية واليمن, سيكون الحديث عن الابتعاد عن الشرق الأوسط نحو الصين أسهل من الفعل، ويشرح السناتور "كريس مورفي" السبب في ذلك: "هناك دائمًا أزمة في الشرق الأوسط، هناك دائماً شيء جديد ومثير, بينما مسار الصين بطيء".

اشتُهِر "بايدن" أيضاً بمشاركته في إنشاء جدول عمل مثير للجدل في العام 2006م, والذي دعا إلى إضفاء اللامركزيَّة في العراق على أسس عرقيَّة ودينيَّة، ومنح الأكراد والسنة والشيعة "المساحة" لإدارة شؤونهم الخاصَّة، وترك الحكومة المركزيَّة مسؤولة عن "المصالح المشتركة", ونظراً إلى أنَّ ذلك عمَّق من الانقسامات الطائفيَّة في العراق، فقد قوبِل باستقبال سيء في بغداد, وتحدَّثت ""Caroline Rose, في مركز "new lines institute" للدراسات, عن وجوب أن تصيغ إدارة بايدن سياسة خاصَّة بدولة معينة للعراق، حيث تكون معالجة النفوذ الإيراني هدفًا ولكنَّها ليست ضروريَّة, يجب أن تتضمَّن سياسة الولايات المتحدة في العراق مجموعة متنوعة من الفرص خارج نطاق الدفاع لتعزيز الحكم الذاتي العراقي, فبعد أشهر من توقف العمليَّات المناهضة لداعش, والدورات التدريبيَّة المشتركة، والعديد من عمليَّات نقل القواعد, وعمليَّات إعادة الانتشار على نطاق واسع، وإضعاف الحكومة الفيدراليَّة العراقيَّة، وسلسلة الهجمات الأخيرة من "الميليشيات" المتحالفة مع إيران، ورثت إدارة بايدن موقفًا معقدًا في العراق.

الانسحاب من المنطقة:
ويرى المحلِّلون أنَّ من المرجَّح أنَّ إدارة بايدن ستصوغ نهجاً جديداً للعراق, فالمقرَّبين من فريق بايدن يُدركون أخطاء الماضي, ويتطلَّعون للمضي قدماً بنهج جديد, ربما وحسب المحلِّلين بدأه بتعهد "إعادة القوَّات القتاليَّة الأمريكيَّة" إلى الوطن من العراق وأفغانستان، لذلك من المتوقَّع أن تظل الولايات المتَّحدة في طريقها لسحب أكثر من ثلث قواتها البالغ عددها 5200 جندي في العراق, لخفض المستوى إلى 3000 بحلول نهاية العام الجاري.
وفي نقاط الانسحاب قال الكاتب والخبير الأمريكي " Philip Gordon" الذي عمل في شؤون المنطقة في قيادة بلده في إدارة الرئيس الأمريكي السابق "باراك أوباما"، إلى جانب وزير الخارجيَّة السابق "جون كيري" بين عامي 2013 و2015م والذي ما زال رأيه ذا قيمة وما زالت مشورته ذات أهميَّة في إدارة الرئيس الجديد بايدن، أصدر مؤخراً كتاباً بعنوان: "خسارة اللُّعبة الطويلة الأمد، الوعد الخاطئ بتغيير الأنظمة في الشرق الأوسط", في "St. Martin’s Press, New York 2020" انتقد فيه المؤلِّف سياسات الرئيس أوباما في العراق خلال رئاسته ونائبه الرئيس الحالي "جو بايدن" وعدم وضوح مواقفها بالنسبة إلى سحب القوات الأمريكيَّة أو بقائها في العراق أو إزاء الجهة التي يجب التعاون معها في السلطة العراقيَّة الجديدة بعد الغزو, ويعتبر أنَّ هذه السلطة مارست قمعاً على خصومها لم يختلف كثيراً عن القمع الذي مارسته قيادة الرئيس "صدام حسين".
كما قال "Doug Bandow" الباحث في معهد "كاتو", والذي كان مساعدًا خاصًا سابقًا للرئيس "رونالد ريغان"، وهو مؤلِّف كتاب الحماقات الأجنبيَّة: إمبراطوريَّة أمريكا العالميَّة الجديدة, "لقد دمَّر بوش بتهوُّر العراق وزعزع استقرار الشرق الأوسط، وجََر الأمريكيِّين إلى عقدين من الحرب", وأضاف: "يجب على بايدن سحب القوَّات الأمريكيَّة من العراق, والسماح للأمريكيِّين بقبول السلام أخيرًا بعد جيل من الحرب التي لا داعي لها".
وقالت "كارولين روز" من برنامج الفراغات الاستراتيجيَّة في وحدة الأمن البشري في "معهد نيولاينز", أنَّه منذ حرب العام 2003م، استثمرت الولايات المتَّحدة ما يقرب من 900 مليار دولار، وأكثر من 4500 شخص، وما يقرب من عقدين من البحث عن الذات في العراق، ولم تحقق استراتيجيَّة ناجحة, وسيكون المزيد من الانسحاب ضروريًا حيث تستعد الولايات المتَّحدة لمزيد من الصراعات التقليديَّة ضد الصين وروسيا.
وحسب التحليلات الغربيَّة أنَّه وعلى الرغم من الضغوط لمزيد من الانسحاب، فمن غير المرجَّح أن تختار الإدارة الأمريكيَّة بشكل دراماتيكي إسقاط القِوة الأمريكيَّة في العراق, فهي ستعتمد على العراق لطرقه التجاريَّة المهمَّة وموارده الطبيعيَّة, وقدرته على التأثير, على الأمن الدولي, فلدى الولايات المتَّحدة استراتيجيَّتان متزامنتان في العراق: الأولى مواجهة داعش بالقوَّات المسلَّحة العراقيَّة، والتي تم إضفاء الطابع المؤسَّسي عليها, على أنَّها قوَّة المهام المشتركة, في عمليَّة العزم الصلب "CJTF-OIR"، والأخرى بشكل غير رسمي لمواجهة التهديد المتنامي المدعوم من إيران, وبالتالي فإنَّه حسب "كارولين روز" محلِّلة أولى ورئيسة برنامج الفراغات الاستراتيجيَّة في وحدة الأمن البشري في "معهد نيولاينز", سيكون التحدِّي الذي ستواجهه إدارة بايدن في العراق, هو كيفيَّة تحقيق التوازن المناسب بين توزيع القِوة، والنفوذ السياسي، والردع، وتجنب عدم الاستقرار الذي يمكن أن يخلق مرَّة أخرى فراغًا في السلطة في العراق, ويشكِّل تهديدات طويلة الأجل للأمن الإقليمي عبر القارات, يمكن أن يفتح العراق الضعيف الباب أمام صراع واسع النطاق، ما يؤثِّر على طرق التجارة وحرية الملاحة، والوصول إلى الموارد الطبيعيَّة، ومنافسة القِوى العظمى، وتدفُّقات المهاجرين إلى الشرق الأوسط وأوروبا, وأضاف التحليل أنَّه عندما يتعلَّق الأمر بتوزيع القِوة في العراق، يجب أن تسعى إدارة بايدن إلى وضع سياسة خاصة بكل بلد، منفصلة عن حملة "الضغط الأقصى" لإدارة ترامب ضد إيران، والتي تعالج بعض نقاط الضعف الهيكليَّة في المشهد الأمني العراقي، وليس فقط الأعراض.
وأضاف تقرير مركز الدراسات "Atlantic council" أنَّه بينما كان البنتاغون يستعد لتقليص مهمَّة CJTF-OIR في العراق منذ العام 2017م، فقلب الموازين والتصعيد بين الولايات المتحدة وإيران, بشأن مقتل الجنرال "قاسم سليماني" في يناير 2020م, أدَّى لانسحاب أكثر من 2700 فرد في أقل من عام, وأضاف المركز أنَّ أوَّل ما أشعل شرارة الانسحاب لم يكن تصويتًا برلمانيَّاَ عراقيَّاً لطرد القوات الأمريكيَّة, بل الضربات الصاروخيَّة الباليستيَّة على قاعدة "عين الأسد" الجويَّة في محافظة الأنبار الغربيَّة.
وأضاف التقرير: "أثبتت عين الأسد أنَّها جرس إنذار كبير, لمهمَّة الولايات المتَّحدة في العراق، حيث أقنعت "CJTF-OIR" والقيادة المركزيَّة الأمريكيَّة, بأن وضع قوتها المنتشرة وقواعدها الكبيرة, معرَّضة بشكل خطير لهجمات متتالية من "الحرس الثوري الإيراني", والقوى العراقيَّة المتحالفة معه، لا سيما مع تقدُّم برنامج الصواريخ البالستية الإيراني, وعلى إثر ذلك وخلال الأشهر التسعة الأخيرة من العام 2020م، سحبت الولايات المتَّحدة الأصول والأفراد من ثماني قواعد، بما في ذلك المواقع المهمَّة استراتيجيًا في القائم، وقاعدة كيان الجويَّة (K-1)، ومعسكر التاجي، وقاعدة التقدُّم الجويَّة، ومطار القيارة الغربي (كيو ويست), وأكَّدَت قِوة المهام المشتركة في عمليَّة العزم الصلب: "أنَّ قرارها لم يكن رد فعل على هجمات الميليشيات المرتبطة بإيران، بل كان نتيجة ثانوية للاستقرار العراقي, وقدرة قوى الأمن الداخلي على الوقوف على قدميها دون مساعدة من التحالف".

 

يتبع...

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 5 + 6