بحث: مستقبل علاقات تركيا مع الولايات المتحدة ح1

د. نجلاء الشقيري - القاهرة

2021.07.27 - 07:28
Facebook Share
طباعة

  لعقود من الزمن، كانت تركيا تعتبر شريكًا ذا أهميَّة استراتيجيَّة من قبل الرؤساء الأمريكيِّين, حيث زار باراك أوباما البلاد في أوَّل رحلة رسميَّة له إلى الخارج, وأجرى دونالد ترامب حوارًا منتظمًا مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان, لكن مع جو بايدن، تغيَّرت طبيعة هذه العلاقة, وقال "Sinan Ulgen" الرئيس التنفيذي لمركز الأبحاث "EDAM", في موقع "Usnews", أنّ القائد السابق للقيادة الوسطى الأمريكيَّة "لويد أوستن"، الذي لم يكن يدعم بشكل كبير الاستراتيجيَّة التركيَّة المؤيِّدة للإسلاميِّين في سورية، أصبح الآن وزيراً للدفاع, كما أنَّ "بريت ماكغورك"، والذي كان من أشد المُدافعين ليس فقط عن إقامة شراكة تكتيكيَّة, ولكن أيضاً استراتيجيَّة مع الأكراد السوريِّين، هو الآن كبير مُستشاري بايدن للشرق الأوسط في مجلس الأمن القومي الأمريكي, ولكن ذلك انعكاساته في المنطقة:
توتر العلاقات بين البلدين الدلائل والمؤشرات:
أصبحت القيادة التركيَّة في السنوات الأخيرة تنظر إلى الولايات المتَّحِدة بريبة، حيث ادَّعى كبار المسؤولين علنًا أنَّ أمريكا كانت وراء محاولة الانقلاب الفاشلة في يوليو 2016م( ), ومنذ ذلك التاريخ وحسب موقع "ميدل إيست آي" أنَّ التدريب المشترك وتبادل المعلومات الاستخباراتيَّة بين تركيا والولايات المتَّحِدة انتهى تدريجيَّاً منذ العام 2016م, وكانت هذه الخطوة على ما يبدو جزءًا من عمليَّة بدأها وزير الداخليَّة التركي "سليمان صويلو", وتشمل الأنشطة التي تمَّ تعليقها؛ تدريبات مشتركة لقوات الشرطة التركيَّة والأمريكيَّة، والوصول المبكِّر إلى المعلومات الاستخباريَّة عن المشتبه بهم، ومعلومات استخباراتيَّة أخرى يتم تبادلها عادة بين البلدين( ).
وبالنسبة لبايدن وحلف شمال الأطلسي، فإنَّ تركيا هي الصداع الذي سيبقى مهما حدث بين بايدن وأردوغان في أي اجتماع بينهما, حيث أوضحت تركيا أنَّها تخطِّط للذهاب في طريقها الخاص, وقال "ستيفن أيه كوك" كبير زملاء مركز "إيني إنريكو ماتي" لدراسات الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في مجلس العلاقات الخارجيَّة, أنَّ بايدن كان يوجِّه الدعوة لتحذير أردوغان من أنَّ البيت الأبيض سيعترف بالإبادة الجماعيَّة للأرمن العام 1915م، وهو أمر كان النشطاء الأرمن الأمريكيُّون يأملون في رؤيته منذ عهد الرئيس باراك أوباما، لكنَّه كان يُرفض خوفًا من إغضاب حليف أمريكي المهم, وقال "Jacob Knutson"في مركز "axios" أنَّ تركيا تؤكِّد أنَّ قتل الأرمن لم يتم بشكل منهجي, وأنَّهم ماتوا في ظروف الحرب( ).
وقال "الكسيس باباتشيلاس" في موقع"ekathimerini" إنَّ الخلاف التركي مع الأمريكيِّين عميق, حيث يعتقد مسؤولوا إدارة بايدن أنَّ معاملة كل من أوباما وترامب لأردوغان, أعطت الزعيم التركي انطباعًا أنَّه يمكن أن يتصرَّف بطريقة أكثر استبداديَّة, ويَغرق في مغامرات دون تكلفة, فكان اعتراف الولايات المتَّحدة بالإبادة الجماعيَّة للأرمن, رسالة واضحة لا لَبس فيها مفادها أنَّ "هذا يكفي", وقال مسؤول أمريكي إنَّ بلاده تبعث برسالة مفادها أنَّه لن يتم التسامح مع سلوك مماثل في المستقبل"( ).
الرئيس أردوغان بدوره "هدَّد" بالاعتراف بتاريخ الولايات المتَّحدة الطويل من العنف ضد الأمريكيِّين الأصليِّين على أنَّه إبادة جماعيَّة, كما اشتبك الزعيمان خلال إدارة أوباما، حيث وصف نائب الرئيس آنذاك بايدن أردوغان بأنَّه "مستبد" في العام 2014م, وقال إنَّه سيدعم جهود المعارضة التركيَّة لهزيمته.
وحسب "Asli Aydintasbas"في موقع "foreign affairs" أنَّه على مدى السنوات القليلة الماضية، كانت علاقات تركيا مع الولايات المتَّحِدة وأوروبا مضطربة، رغم أنّ الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب والرئيس التركي رجب طيب أردوغان أسسا علاقة صداقة، وشخصن الاثنين العلاقات الثنائيَّة, ولكن على حساب جميع قضايا السياسة تقريبًا, ولم تكن علاقات تركيا مع أوروبا تسير بشكل أفضل, حيث سَئِم القادة الأوروبيُّون من نزعة تركيا غير الليبراليَّة المتزايدة, وحِرصها على استعراض قوَّتَها العسكريَّة في شرق البحر المتوسط( ).
وأشارت بعض التحليلات أنَّ هناك "لوبي تركي" من العلمانيِّين الأوروآسيويِّين، مناهض لواشنطن في تركيا, وهي عدو شديد للولايات المتَّحدة, أثَّرت في سياسات أردوغان الخارجيَّة في السنوات الماضية, وهم أيضًا منزعجون من جهود أنقرة لإصلاح العلاقات مع واشنطن, حيث انتقد زعيم الحزب الوطني "دوجو بيرينجيك" الصوت الأبرز في أوراسيا، مؤخرًا SETA وهي مؤسَّسة فكريَّة مرتبطة بالحكومة، ينطلق منها العديد من مساعدي الرئاسة لمحاولتها "محاصرة أردوغان" ودفعه لتغيير مساره نحو المصالحة مع الولايات المتَّحِدة وإسرائيل, ومن المرجَّح أن يبذل هذا الفريق من خصوم الولايات المتَّحدة قصارى جهده لتقويض جهود أردوغان في التقارب مع واشنطن، بالاعتماد بشكل خاص على الادعاء بأنَّ بايدن عازم على الإطاحة بأردوغان؛ ويعتبر هذا الادعاء مناشدة للقاعدة القوميَّة والمحافظة للرئيس التركي.

كما قال "سونر كاجابتاي"، الأكاديمي من معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، "أنَّ البنتاغون الذي كان أكبر مؤيِّد لتركيا داخل الحكومة الأمريكيَّة، أصبح الآن أكبر خصم لتركيا في واشنطن", وقال "أوزغور أونلوهيسارجيكلي"، مدير صندوق مارشال الألماني للولايات المتَّحدة في أنقرة، إنَّ بيان بايدن كان ينظر إليه من قبل معظم الأتراك على أنَّه يستهدف الدولة بمعايير مزدوجة, والتي سيكون لها عواقب طويلة المدى على التصوُّرات تجاه الولايات المتَّحِدة, وأضاف: "إن الحكومة التركيَّة يمكن أن تَخلق عواقب حقيقيَّة للولايات المتَّحِدة من خلال التباطؤ في عمليَّة السلام في أفغانستان، أو القيام بغارات أحاديَّة الجانب لشمال شرق سورية, أو إغلاق قاعدة إنجرليك الجويَّة أمام الرحلات الجويَّة الأمريكيَّة( ).
وقال "Steven A. Cook" في "بولتيكو" كانت علاقات أنقرة مع الولايات المتَّحدة وأوروبا وحلف شمال الأطلسي في حالة توقُّف منذ ما يقرب من خمس سنوات، حيث قامت تركيا باستعراض عضلاتها من خلال شراء الأسلحة الروسيَّة، حيث عمَّقت تركيا وروسيا علاقاتهما التجاريَّة والدبلوماسيَّة والعسكريَّة في السنوات الأخيرة, وصمَّم أردوغان على شراء ونشر نظام الدفاع الجوي الروسي S-400, رغم اعتراضات الولايات المتَّحِدة والحلفاء الأوروبيِّين, على الرغم من التحذيرات الأمريكيَّة المتكرِّرة، وفرض عقوبات من قبل الكونجرس الغاضب، لكن تركيا استمرت في الصفقة( ).
وبسبب صفقة s400 مع روسيا, فرضت الولايات المتحدة، في 14 ديسمبر/كانون الأول2020م، عقوبات على هيئة الصناعات التركيَّة، وأدرجت اسم مستشار الصناعات الدفاعيَّة بالرئاسة التركية "إسماعيل دمير"، وثلاثة مسؤولين في الهيئة في قائمة العقوبات, وتضمَّنت العقوبات أيضاً حظر أي قروض من المؤسَّسات الماليَّة الأمريكيَّة، وحظر تراخيص التصدير الأمريكيَّة، وأعلن البيت الأبيض تعليق مشاركة تركيا في تطوير برنامج مقاتلات إف-35، فضلاً عن إمكانية عدم بيعه لها, ولم تدفع هذه العقوبات تركيا إلى التراجع عن الصفقة.
وعملت تركيا على تهديد حلفاء الناتو في شرق البحر المتوسط، وهناك شعور متزايد داخل البيت الأبيض أنَّها اكتفت أخيرًا من الحكومة التركيَّة, كذلك من علامات التوتُّر مع الناتو, خلافاتها المتصاعدة مع اليونان وفرنسا, كما كانت تركيا تنقِّب عن الغاز في مياه جمهوريَّة قبرص,العضو في الاتحاد الأوروبي، ما عجَّل بإظهار الدعم العسكري اليوناني والفرنسي للجزيرة, كما هدَّدت تركيا العام الماضي أيضًا بإرسال لاجئين سوريِّين وغيرهم إلى اليونان, ودول أخرى في أوروبا وحلف شمال الأطلسي, وكانت تركيا تُظهر أنَّها تحافظ على مصالحها الجيوسياسيَّة, منفصلة عن مصالح حلف الناتو, حيث اعتبرت سياسات تركيا لا تتوافق تمامًا مع الناتو، سواء كان ذلك هو الاستبداد الناعم لأربعة انقلابات عسكريَّة ناجحة بين عامي 1960 و 1997م, أو احتلال شمال قبرص الذي بدأ في العام 1974م.
كما تشمل الخلافات الأخرى التي طال أمدها بين الحلفاء القتال ضد تنظيم الدولة الإسلاميَّة "داعش" في سورية، حيث اعتمدت الولايات المتَّحِدة على قوَّة مقاتلة كردية تعتبرها تركيا منظمَّة إرهابيَّة, كذلك وجود عدو أردوغان اللدود "فتح الله غولن" في الولايات المتَّحدة.
كما رسمت تركيا حدودًا بحريَّة مع ليبيا ليس لها أي أساس قانوني، وقطعت البحر الأبيض المتوسط إلى النصف, بالإضافة إلى الاقتراب الخطير من جزيرة كريت اليونانيَّة, ناهيك عن قضيَّة استهداف محكمة أمريكيَّة بنك "Halkbank" التركي المملوك للدولة, بسبب التهرب من العقوبات الإيرانيَّة, كما عمدت الولايات المتَّحدة على إزالة تركيا من العقد الجديد لبرنامج مقاتلات F-35 الأمريكي.

يتبع...
المصادر:

- https://www.usnews.com/news/world/articles/2021-06-11/erdogans-summit-with-biden-clouded-by-bitter-disputes
- https://www.middleeastmonitor.com/20210524-turkey-security-cooperation-with-us-government-has-ended/
- https://www.axios.com/biden-erdogan-nato-summit-brussels-meeting-e47c7023-fa70-4c69-a92c-ffdecc64a5c2.html
- https://www.ekathimerini.com/opinion/1161579/ankara-washington-rift-solidifying/
- https://www.foreignaffairs.com/articles/turkey/2021-05-19/turkey-will-not-return-western-fold
- https://www.arabnews.com/node/1848771/middle-east
- https://www.politico.com/news/magazine/2021/06/11/biden-erdogan-turkey-nato-493225

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 2 + 3